في رأس المتن .. مشاريع نسائية تجمع العمل والفن والرعاية الصحية

بعد نحو خمسة وعشرين عاما من الابتعاد عن الخياطة بسبب الزواج ورعاية أطفالها، عادت هند المصري إلى مهنتها عبر مشغل تابع لجمعية سيدات رأس المتن في جبل لبنان، بحثا عن دخل يساعدها في تلبية احتياجات أسرتها. ورغم أن الأجر لا يواكب ارتفاع الأسعار، فإن العمل يمنحها فرصة لاستعادة مهارة قديمة والمساهمة في أعباء المنزل.

تأتي تجربة هند ضمن مشاريع تجمعها الجمعية في مبنى افتُتح قبل نحو أحد عشر شهرا، ويضم مشغلا للخياطة ومجموعة فنية ومركزا للرعاية الصحية الأولية يستقبل مراجعين من نحو خمسين قرية.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2خصم نتنياهو وشريكه في الإبادة.. من هو غادي آيزنكوت؟
  • list 2 of 2نعيم قاسم: لا يعنينا من يحكم إسرائيل والاتفاق الإيراني الأمريكي يخدم لبنان

end of list

وبين توفير فرص العمل للنساء وتقديم الخدمات الصحية والحفاظ على مجموعة من الأعمال الفنية، تحاول الجمعية بناء تجربة محلية تتكامل فيها المبادرات، رغم ما يتطلبه استمرارها من موارد.

وتكتسب هذه المبادرات أهمية إضافية في ظل الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها لبنان، إذ لا تقتصر تداعيات الأزمة على تراجع القدرة الشرائية للأسر، بل تمتد إلى صعوبة تأمين الخدمات الأساسية ومصادر الدخل، مما يزيد الحاجة إلى مبادرات محلية تسعى إلى الاستجابة لهذه الاحتياجات بإمكانات محدودة.

وتبرز هذه الحاجة في ضوء تقديرات البنك الدولي الصادرة في أغسطس/آب 2026، التي تشير إلى أن الاقتصاد اللبناني، بعد تسجيل نمو بنحو 4.2% عام 2025، يتجه إلى الانكماش بنسبة 6.4% عام 2026، بالتزامن مع توقع ارتفاع التضخم إلى 17.5% خلال العام.

داخل المشغل تستعيد نساء خبراتهن المهنية في الخياطة محوّلات المكان إلى مساحة للإنتاج والعمل
تطمح الجمعية إلى توسيع الإنتاج واستيعاب عدد أكبر من النساء، مستندة إلى خبرة العاملات (الجزيرة)

فرصة للعمل

في الأول من يوليو/تموز، بدأ مشغل الخياطة تنفيذ طلبياته، مستفيدا من خبرة خمس شابات سبق لهن العمل سنوات في معامل الخياطة، وتوضح ندى حسن، عضو الهيئة الإدارية في جمعية سيدات رأس المتن، للجزيرة نت أن الطلبات تشمل الثياب والبناطيل والسترات وملابس العاملات في المنازل، إلى جانب الزي المدرسي للمدرسة الرسمية والثانوية في البلدة.

إعلان

وتطمح الجمعية إلى توسيع الإنتاج واستيعاب عدد أكبر من النساء، مستعينة بخبرة العاملات والطلبات التي يتلقاها المشغل. وفي مرحلته الحالية، يعتمد المشروع على دعم الجمعية ومساعدات أهل الخير لتطوير إمكاناته وتلبية احتياجات الزبائن.

وتكشف عودة هند إلى الخياطة جانبا من الصعوبات التي تواجه النساء الراغبات في استئناف العمل بعد سنوات من الانقطاع. ووفق تحليل نشرته إدارة الإحصاء المركزي اللبناني في أكتوبر/تشرين الأول 2026 بعنوان “النساء والعمل والرعاية في لبنان” تبقى نحو 70% من الإناث اللواتي تبلغ أعمارهن 15 عاما فأكثر خارج القوى العاملة.

كما أفادت 32% من النساء خارج القوى العاملة ممن يرغبن في العمل بأن المسؤوليات العائلية والمنزلية هي السبب الرئيسي لعدم بحثهن عن وظيفة، مقابل 2% من الرجال.

المشغل مساحة عمل للنساء ومصدر دخل لأسرهن
المشغل مساحة عمل للنساء ومصدر دخل لأسرهن (الجزيرة)

ذاكرة فنية

لا تنحصر أنشطة الجمعية في العمل الإنتاجي؛ فقد راكمت منذ عام 2002 مجموعة فنية تضم نحو 180 لوحة لفنانين لبنانيين وعرب وأجانب، عبر ملتقيات للرسم والنحت والفسيفساء شارك فيها فنانون من دول عدة، بينها بريطانيا ورومانيا واليونان والعراق والبحرين والسعودية والكويت.

ومع تراكم الأعمال، تدرس الجمعية الاستفادة من بعض اللوحات لتوفير موارد إضافية تدعم مشاريعها، مع الاحتفاظ بأعمال أخرى ضمن مجموعتها. ولم يبدأ بيع اللوحات بعد، لذلك تبقى العائدات المحتملة خيارا قيد الدراسة، لا مصدر تمويل قائما.

وتواجه المجموعة تحديا في عرضها، إذ لا تتسع المساحة الحالية لجميع الأعمال. ولهذا تعمل الجمعية على تجهيز طابق إضافي يوفر مساحة لإبراز اللوحات وإتاحة المجال أمام الزوار للتعرف على المجموعة.

وبين الحفاظ على هذه الأعمال وإمكان الاستفادة منها مستقبلا، تسعى الجمعية إلى الموازنة بين قيمتها الفنية واحتياجات مشاريعها الأخرى، من دون التعامل مع العائدات المحتملة كما لو أنها موارد متاحة بالفعل.

داخل المشغل تستعيد نساء خبراتهن المهنية في الخياطة محوّلات المكان إلى مساحة للإنتاج والعمل
داخل المشغل تستعيد نساء خبراتهن المهنية في الخياطة محوّلات المكان إلى مساحة للإنتاج والعمل (الجزيرة)

رعاية قريبة

وفي الجانب الصحي، تطور المستوصف الذي بدأته الجمعية إلى مركز للرعاية الصحية الأولية يستقبل مراجعين من رأس المتن ونحو خمسين قرية محيطة. ويقدم خدمات في اختصاصات القلب والأطفال والأنف والأذن والحنجرة والنساء والعيون والعظام والأسنان، إلى جانب الصيدلية واللقاحات وخدمات متابعة الحوامل.

وتُقدَّم الخدمات بأسعار رمزية تتفاوت بحسب نوعها والقدرة على الدفع، لمساعدة المرضى الذين يصعب عليهم تحمل تكلفة الرعاية في المؤسسات الخاصة، ويعتمد المركز في توفير الأدوية والمستلزمات على ما يصله من وزارة الصحة وجمعية الشبان المسيحية، وقد أسهمت التبرعات في تأمين الطاقة الشمسية ومعدات طبية، بينها أجهزة لفحص السمع.

لكن توفير الخدمة لا ينهي التحدي؛ إذ يحتاج المركز إلى موارد منتظمة لتأمين الأدوية والمستلزمات والصيانة والنفقات التشغيلية. ويجعل ذلك استمراره مرتبطا بقدرة الجمعية على تأمين الدعم اللازم، حتى تبقى الرعاية متاحة للسكان الذين يقصدونه، ولا تتأثر الخدمات بتراجع المساعدات أو نقص المستلزمات.

الصيدلية توفّر الأدوية للمراجعين وتخفّف عنهم تكلفة العلاج
الصيدلية توفّر الأدوية للمراجعين وتخفّف عنهم تكلفة العلاج (الجزيرة)

رهان الاستمرار

تعود جذور هذه المشاريع إلى مبادرة بدأت قبل نحو أربعين عاما في غرفة صغيرة، بحسب رئيسة الجمعية منى غزال.

إعلان

ومع اتساع الأنشطة، أصبح الحفاظ على ما تحقق وتطويره يتطلبان مصادر دعم أكثر استقرارا، خصوصا أن لكل مشروع احتياجاته؛ فمشغل الخياطة يحتاج إلى طلبيات وموارد لتوسيع الإنتاج، والمركز الصحي إلى مستلزمات ونفقات تشغيلية، وتتطلب المجموعة الفنية إمكانات لحفظ الأعمال وعرضها.

وفي إطار البحث عن دعم إضافي، تستعد الجمعية لتنظيم غداء لجمع التبرعات بمناسبة مرور أربعين عاما على تأسيسها، وتدرس إمكان تحويل جزء من مجموعتها الفنية إلى مورد يساعدها على مواصلة أنشطتها. وتظل هذه الخطط مرتبطة بتوافر التمويل والقدرة على تنفيذها، في وقت تحاول فيه الجمعية الحفاظ على المشاريع القائمة وتطويرها تدريجيا.

في رأس المتن، تتخذ المبادرات أشكالا مختلفة، لكنها تلتقي عند حاجة المجتمع إلى فرص العمل والخدمات والرعاية. فهند المصري تستعيد مهنتها بعد سنوات من الانقطاع، والعاملات في المشغل يسعين إلى تحويل خبراتهن إلى دخل، في حين يجد مراجعو المركز الصحي خدمات أقرب إلى متناولهم.

وبين هذه الاحتياجات، يبقى التحدي أمام جمعية سيدات رأس المتن تأمين الموارد التي تضمن استمرار مشاريعها، وتحويلها إلى فرص وخدمات أكثر رسوخا في حياة السكان.

 

المصدر: الجزيرة