“القلق ليس من عدم التوصل إلى اتفاق بل من التوصل إلى اتفاق مبدئي سيئ يجلب مشكلات لا حصر لها في المستقبل”، بهذه الكلمات لخص دبلوماسي أوروبي رفيع مخاوفه من مسار التفاوض الحالي مع إيران.
هذا الدبلوماسي هو واحد من ثمانية خبراء -تحدثوا لرويترز- عبّروا، اليوم الأحد، عن قلقهم من قلة خبرة فريق التفاوض الأمريكي في التعامل مع الملف الإيراني.
وترتبط مخاوف الدبلوماسيين الذين يملكون خبرة سابقة في التعامل مع طهران بخشية الحلفاء الأوروبيين من تعرّض فريق التفاوض الأمريكي -الذي لا يتمتع بالخبرة- للضغط لتوقيع اتفاق إطاري سريع يتصدر العناوين، يؤدي إلى ترسيخ أكبر المشكلات بدلا من حلها.
وما يزيد هذا المشهد قتامة السعي المحموم لواشنطن لخلق نصر دبلوماسي للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، قد يؤدي إلى اتفاق سطحي بشأن البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات، مما يسبب مشكلات طويلة الأمد.
وتعتقد واشنطن أن بإمكانها الاتفاق على بضع نقاط في وثيقة قصيرة، لكنْ خلف كل بند نووي باب لعشرات الخلافات، وانعدام الثقة بين واشنطن وطهران واختلاف أساليب التفاوض يزيدان خطر التوصل إلى اتفاق هش لا يستطيع أي طرف الحفاظ عليه سياسيا.

عقدة “التهميش” وصدمة الساعات الـ21
“التهميش” مفردة اتفق عليها دبلوماسيون من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، وهي الدول الثلاث التي وضعت حجر الأساس للتفاوض مع إيران عام 2003. هؤلاء الدبلوماسيون يستحضرون اليوم إرثا من المفاوضات استمر 12 عاما من التجهيزات والعمل التقني المضني.
وتبرز حالة الاستغراب لدى فيديريكا موغيريني، التي تولت تنسيق المحادثات بين عامي 2013 و2015، إذ ترى في حديثها لرويترز أن اختزال ملف بهذا التعقيد في “21 ساعة” فقط -وهي المدة التي قضاها المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون في إسلام آباد مطلع هذا الشهر- يُعَد أمرا مثيرا للتساؤل.
ويرى مراقبون أن انعدام الثقة المتجذر والتباين الصارخ في أساليب التفاوض يزيدان من أخطار صياغة “اتفاق هش” قد ينهار سياسيا عند أول اختبار، تماما كما حدث مع خطة العمل الشاملة المشتركة.
وكان الرئيس دونالد ترمب قد انسحب في ولايته الأولى عام 2018 من ذلك الاتفاق الذي وصفه بأنه “أحادي الجانب بشكل رهيب”، مع أنه كان يمثل أبرز إنجازات السياسة الخارجية لسلفه باراك أوباما.
وبعد شن غارات جوية على مدى 40 يوما، بدأ المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون محادثات في إسلام آباد في وقت سابق من هذا الشهر، ركزت مرة أخرى على المقايضة المعهودة بفرض قيود على البرنامج النووي مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية. وهناك مؤشرات في العاصمة الباكستانية، اليوم الأحد، على استعدادات لاستئناف المفاوضات المباشرة.
خيارات ممكنة
ورغم ذلك فإن فرصة التوصل إلى اتفاق إطاري بين طهران وواشنطن ما زالت ممكنة، لكنه مبني على أساس حزمة نووية وأخرى اقتصادية، ويحذر الدبلوماسيون من خطورة الملف النووي الأكثر جدلا وخلافا.
ونقلت رويترز عن دبلوماسي أوروبي قوله “يعتقد الأمريكيون أن بوسعهم الاتفاق على 3 أو 4 نقاط في وثيقة من 5 صفحات وهذا كل شيء، لكن في الملف النووي يفتح كل بند الباب أمام عشرات الخلافات الأخرى”.
وتركز المحادثات على مخزون إيران الذي يبلغ نحو 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو مادة يمكن استخدامها في صنع أسلحة نووية إذا جرى تخصيبها أكثر.
ويبقى “تخفيف التركيز” الخيار المفضل داخل إيران بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب خيار آخر يتمثل في نهج هجين، يجري بموجبه شحن بعض اليورانيوم إلى الخارج.
وتبرز تركيا وفرنسا وجهتين أكثر احتمالا، ويرى اثنان من الدبلوماسيين أن شحن اليورانيوم إلى الولايات المتحدة سيكون من الصعب قبوله سياسيا بالنسبة لإيران، في حين لا تفضل واشنطن إرسال المواد إلى روسيا.
وحتى هذه الخيارات التي تبدو ممكنة، ستحتاج إلى مفاوضات مطولة بشأن استعادة المواد التي ربما دُفنت جراء الغارات الجوية والتحقق من الكميات ونقلها بأمان، أما إيران فتطرح فكرة تخزين المواد في الخارج لمدة محددة.
ومع ذلك، يبقى الخلاف -من وجهة نظر واشنطن- أكبر من فكرة المخزونات، بل يكمن في حق طهران من الأساس في تخصيب اليورانيوم، وهو ما دفع ترمب إلى الإعلان عن وقف التخصيب تماما، في حين تصر إيران على أن لها الحق في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية وتنفي سعيها إلى امتلاك قنبلة نووية.
وقال دبلوماسي غربي شارك سابقا في المحادثات النووية “أيّا كان ما يحدث الآن، فهو مجرد نقطة انطلاق. لهذا السبب وصل عدد صفحات خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 إلى 160 صفحة”.
وقال كبير المفاوضين الفرنسيين بين عامي 2006 و2009 جيرار آرو “المفاوضات مع إيران شديدة الدقة والتعقيد، كل كلمة مهمة. هذا ليس شيئا يمكنك الاستعجال فيه”.

صدام العقليات
وفي إساءة فهم الثقافة السياسية الإيرانية، ما زالت واشنطن تفصل بين التوصل إلى اتفاق من حيث المبدأ والعمل اللاحق المضني على التفاصيل، وفقا للمسؤولين.
وعلّق دبلوماسي كبير من المنطقة أطلعته طهران على المستجدات بالقول “تلك المحادثات ليست اتفاقا عقاريا يُبرم بتبادل المصافحة” في إشارة إلى خلفيات مفاوضَي ترمب الرئيسيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وأضاف “تتضمن (المحادثات) تتابعا ورفعا للعقوبات وخطوات نووية في المقابل”.
في المقابل، يرى دبلوماسيون أن الحرب شددت من موقف إيران بعد أن أظهرت أن بوسعها تحمّل الضغط حتى وهي تسعى لتخفيف القيود والعقوبات المالية.
إلى جانب تمسكها بضمان عدم تعرضها لاعتداءات مجددا بعد أن تعرضت للهجوم من الولايات المتحدة وإسرائيل في حين كان المسار الدبلوماسي قائما وممكنا.
ويرى دبلوماسيون أن مطالبة إيران بالتخلي الكامل عن القدرات الصاروخية ستكون غير واقعية دون ضمانات أمنية أوسع.
ورغم تزايد المخاوف ورغبة حلفاء الولايات المتحدة في حل هذا الملف، فإنه لم يعد الوحيد، إذ يتزايد القلق أيضا من أنشطة الجماعات المسلحة الموالية لطهران في الشرق الأوسط، إلى جانب مساعي إسرائيل لفرض أقصى قيود ممكنة على إيران.
وعلى النقيض من ذلك، ترى إيران أن ما تبقى لها من القدرات الصاروخية هو رادع لا غنى عنه بعد أن أضعفت الحرب قواتها.
وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن خطوط واشنطن الحمر تشمل وقف عمليات تخصيب اليورانيوم، وتفكيك منشآت التخصيب الكبرى، والحصول على اليورانيوم العالي التخصيب، وقبول إطار عمل أوسع نطاقا للتهدئة يشمل حلفاء في المنطقة.
أوروبا مهمشة
يقر مسؤولون أوروبيون بأنهم همشوا أنفسهم بطرق عدة، منها الضغط لإعادة فرض عقوبات من الأمم المتحدة وإدراج الحرس الثوري في قائمة المنظمات الإرهابية.
في الوقت ذاته، يرى المسؤولون أن طهران تقدّر قرارهم البقاء بعيدا عن الحرب، إذ قال مسؤول أوروبي “ببساطة، لا توجد خبرة كافية في هذا الفريق الأمريكي. عملنا على هذا الملف لعقدين”، وأشار إلى أن نحو 200 دبلوماسي وخبير مالي ونووي شاركوا في المحادثات التي أفضت إلى إبرام اتفاق 2015.
وذكر مسؤول في البيت الأبيض أن مسؤولين من مجلس الأمن القومي ووزارتي الخارجية والدفاع حضروا محادثات إسلام آباد، وما زالوا مشاركين في جهود إبرام اتفاق.
المصدر: الجزيرة