كشف علمي يفسر العلاقة بين أمراض المناعة وسرطان الغدد الليمفاوية

توصلت دراسة حديثة إلى تفسير العلاقة المعقدة بين الإصابة بأحد أمراض المناعة الذاتية وارتفاع خطر الإصابة بسرطان الغدد الليمفاوية لاحقا، في اكتشاف اعتبره الباحثون خطوة أولى مهمة نحو تطوير استراتيجيات وقائية وعلاجات أكثر دقة للمرضى.

كيف يعمل الجهاز المناعي؟

صُمم الجهاز المناعي لحماية الجسم من الفيروسات والبكتيريا، لكنه في حالات أمراض المناعة الذاتية ينقلب على خلايا الجسم نفسها ويهاجمها، كما يحدث في أمراض مثل الذئبة الحمراء، والتهاب المفاصل الروماتويدي، وهاشيموتو، وشوغرن، والصدفية.

ويعتمد الجهاز المناعي على نوعين رئيسيين من خلايا الدم البيضاء: الخلايا البائية التي تنتج الأجسام المضادة للتعرف على الأجسام الغريبة، والخلايا التائية التي تنظم الاستجابة المناعية وتدعم أو تثبط نشاط بقية الخلايا. وفي الحالة الطبيعية، يعمل هذا التعاون بدقة متناهية تضمن حماية الجسم دون الإضرار به.

عندما يتحول الدفاع إلى خطر

نُشرت الدراسة -التي أُجريت في جامعة أوسلو- في دورية نيتشر كوميونيكيشنز (Nature Communications)، في فبراير/شباط الماضي، وقدمت تفسيرا جديدا لهذا الارتباط الذي ظل غامضا لسنوات.

وأظهرت النتائج أن الخلل يبدأ عندما يصبح التفاعل بين الخلايا البائية والتائية مفرطا وغير منظم، فتدخل الخلايا في حالة تنشيط مستمر.

ويقول البروفيسور بيارنه بوغن من جامعة أوسلو وأحد أفراد فريق الباحثين في بيان الدراسة، إن هذا التنشيط غير الطبيعي يقود في البداية إلى أمراض المناعة الذاتية، لكنه مع مرور الوقت قد يسهم في تطور سرطان الغدد الليمفاوية.

إشارتان تقودان المسار المرضي

حدد الباحثون إشارتين أساسيتين وراء هذا الخلل. تحدث الأولى عندما تتعرف الخلايا البائية عن طريق الخطأ على مكونات الجسم كأنها أجسام غريبة، فتبدأ بالتنشيط الجزئي.

أما الإشارة الثانية فتحدث عندما تتعرف الخلايا التائية على جزء من الأجسام المضادة التي تنتجها الخلايا البائية، مما يضاعف من نشاطها.

إعلان

في الظروف الطبيعية، تضبط الخلايا التائية التنظيمية هذا التفاعل وتحافظ عليه ضمن الحدود الآمنة، لكن في بعض الحالات تفشل هذه الآلية، فيتحول التنشيط إلى حالة مزمنة وغير منضبطة.

من خلل مناعي إلى تحول سرطاني

تُظهر الدراسة أن التنشيط المزمن للخلايا المناعية لا يمر دون ثمن. فمع استمرار انقسام الخلايا، تزداد احتمالات حدوث أخطاء جينية خطرة، ومع الوقت قد تتحول الخلايا البائية والتائية إلى خلايا سرطانية.

وبذلك، فإن الاستجابة المناعية التي تبدأ كمرض مناعي ذاتي قد تصبح عاملا رئيسيا في تطور سرطان الغدد الليمفاوية، وهو ما يفسر الرابط الذي حيّر العلماء طويلا.

أفق جديد للعلاج والوقاية

يوفر هذا الاكتشاف تفسيرا بيولوجيا واضحا للعلاقة بين الأمراض المناعية وسرطان الغدد الليمفاوية، ويفتح الباب أمام تطوير طرق علاجية تستهدف المراحل المبكرة من الخلل المناعي.

ويشير بوغن إلى أن فهم هذه الآلية قد يتيح تعطيل التنشيط المناعي الضار قبل أن يتفاقم، ما قد يساعد في تقليل خطر الإصابة بالسرطان لدى المرضى، وربما إيقاف تطور المرض قبل الوصول إلى مراحله الخطرة.

الخطر قائم لكنه محدود

في المقابل، يوضح الدكتور حسام الديب -استشاري الأمراض الروماتيزمية وأمراض المناعة- أن الخطر -رغم وجوده- لا يعني بالضرورة أن جميع مرضى المناعة الذاتية سيصابون بسرطان الغدد الليمفاوية.

ويشير إلى أن مرض شوغرن يُعد الأكثر ارتباطا بزيادة هذا الخطر، بينما تبقى النسب أقل في أمراض أخرى مثل الذئبة والروماتويد والصدفية وهاشيموتو.

كما يؤكد أنه لا يوجد حتى الآن بروتوكول وقائي محدد لهذه الأورام، نظرا لانخفاض معدلات حدوثها.

المتابعة ونمط الحياة

يشدد الأطباء على أهمية المتابعة الطبية المنتظمة لمرضى المناعة الذاتية، لما لها من دور في الكشف المبكر عن أي تغيرات غير طبيعية.

كما ينصحون المرضى باتباع نمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة، والحصول على قسط كافٍ من النوم، وتجنب التوتر والقلق، لما لذلك من دور في تقليل نشاط المرض والحد من مضاعفاته.

في قلب هذا الاكتشاف العلمي تقف حقيقة إنسانية بسيطة: أن الجهاز الذي خُلق لحمايتنا قد يتحول، في ظروف معينة، إلى مصدر خطر. وبين هذا التوازن الدقيق، يظل الأمل معقودا على العلم لفهم أعمق، يخفف القلق عن المرضى، ويمنحهم فرصة لحياة أكثر أمانا في مواجهة مرض قد يبدأ بصمت.

 

المصدر: الجزيرة