بعد أيام من التحفظ والرفض المبدئي للانخراط في العمليات الهجومية بالحرب على إيران، أعلنت المملكة المتحدة رسميا السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية لشن “عمليات دفاعية” ضد إيران، في تحول تدريجي يعكس محاولة لندن الموازنة بين ما تراه حماية لمصالحها الإقليمية وتجنب التورط في حرب مفتوحة.
وكشفت وزارة الدفاع البريطانية، مساء السبت، أن القوات الأمريكية بدأت بالفعل استخدام قاعدتي “فيرفورد” في جنوب غرب إنجلترا، و”دييغو غارسيا” في المحيط الهندي، لتنفيذ عمليات محددة تهدف إلى “منع إيران من إطلاق صواريخ نحو المنطقة”، مؤكدة أن الهجمات الإيرانية باتت “تعرّض أرواح البريطانيين للخطر”.
وأفادت تقارير ميدانية بهبوط قاذفة أمريكية إستراتيجية من طراز “بي-1” وطائرة شحن عسكرية من طراز “سي-5 غالاكسي” في قاعدة “فيرفورد” البريطانية، بالتوازي مع تحرك احتجاجي مناهض للحرب في محيط القاعدة، ومَسيرة في لندن شارك فيها ما بين خمسة وستة آلاف شخص.

من التردد إلى الانخراط “الدفاعي”
ويأتي هذا السماح بعد توتر مكتوم بين لندن وواشنطن، إذ أثار رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر حفيظة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في بداية الحرب (28 فبراير/شباط) برفضه الانخراط في الضربة الافتتاحية التي أودت بحياة المرشد الإيراني علي خامنئي.
وبلغ استياء ترمب حد انتقاد ستارمر علنا بالقول: “هذا الذي نتعامل معه ليس ونستون تشرشل”، معربا عن خيبة أمله من تلكؤ لندن في فتح قاعدة “دييغو غارسيا” الإستراتيجية.
ودافع ستارمر، المحامي السابق والناشط الحقوقي، عن موقفه أمام البرلمان بالقول إن حكومته “لا تؤمن بتغيير الأنظمة من السماء”، مشددا على أن أي تدخل بريطاني يجب أن يستند إلى “أساس قانوني وخطة قابلة للتنفيذ”.
وفي إشارة ذات دلالة سياسية عميقة، استحضر ستارمر إرث رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، قائلا: “جميعنا نتذكر الأخطاء التي ارتكبت في العراق، وقد تعلمنا منها”. وهو موقف يبدو أنه يحظى بدعم داخلي، إذ أظهر استطلاع للرأي أن 56% من البريطانيين يؤيدون قرار عدم المشاركة في الضربات الأولى.
لكن تصاعد الهجمات الإيرانية، التي استهدفت مواقع عديدة في دول خليجية، دفع ستارمر لتعديل بوصلته.
وأوضح أن الموافقة على الطلب الأمريكي جاءت كضرورة لـ”الدفاع الجماعي عن النفس”، مبينا أن استهداف صواريخ إيران في مستودعاتها أو منصات إطلاقها بات “السبيل الوحيد لوقف هذا التهديد”.
درع جوي واستنفار في المتوسط
ولم يقتصر الدور البريطاني على فتح القواعد للأمريكيين، بل امتد ليشمل نشاطا عملياتيا مكثفا. فقد أعلنت وزارة الدفاع أن مقاتلاتها من طرازي “تايفون” و”إف-35″ تواصل عملياتها فوق بعض دول المنطقة ونجحت في إسقاط طائرات مسيّرة إيرانية.
ولم تكن القواعد البريطانية ذاتها بمنأى عن النيران، فقد تعرض أحد مدارج قاعدة “أكروتيري” في جزيرة قبرص لهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية الصنع، بينما تم اعتراض مسيرتين أخريين لاحقا.
وردا على ذلك، أعلن ستارمر نشر المدمرة “إتش إم إس دراغون” المزودة بمنظومة الدفاع الجوي المتطورة “سي فايبر”، في شرق البحر المتوسط، مع إرسال مروحيات قتالية مضادة للمسيّرات لحماية القاعدة وضمان أمن قبرص، في خطوة تزامنت مع إعلان فرنسا واليونان إرسال منظومات دفاعية مماثلة إلى الجزيرة.
المصدر: الجزيرة