تخيل عالما لا يحتاج فيه المبدع إلى استوديو ضخم أو ترخيص بث إذاعي للوصول إلى الملايين؛ هذا العالم يتشكل الآن في آذان المستمعين حول العالم، حيث ولى زمن الإذاعة التقليدي، وحل محله اقتصاد البودكاست (Podcast)، أو ما يعرف بالبث الصوتي، الذي يتوسع في كل لحظة.
ونحن لا نتحدث هنا عن مجرد هواية لقضاء وقت الفراغ، بل عن قطاع بلغت قيمته السوقية العالمية 39.6 مليار دولار عام 2025، مدعوما بجيش من المستمعين يصل عدده إلى 619 مليون نسمةِ.
ويرى خبراء الاقتصاد الرقمي أن البودكاست أصبح ركيزة استراتيجية في الإعلام الحديث، حيث من المتوقع أن تصل قيمته السوقية في العام الحالي إلى 49.5 مليار دولارِ.
البداية من الفكرة إلى الجمهور المستهدف
البودكاست عبارة عن سلسلة حلقات صوتية تركز على فكرة أو موضوع معين، وتغطي مجالات متنوعة، مثل الجرائم الحقيقية أو الأعمال أو الترفيه، وتتخذ هذه الحلقات أشكالا متعددة تبدأ من المقابلات والحوارات وتصل إلى السرد القصصي أو المونولوج المعرفي الذي يشارك فيه الخبراء التجارب.
ومن أجل تحقيق الربح، لا بد من تأسيس قاعدة جماهيرية تبدأ بتحديد السبب الحقيقي وراء إطلاق البرنامج، سواء كان بهدف التعليم أو الترفيه، وهو ما يساعد في رسم الأهداف بدقة.
وتعد مرحلة اختيار المجال وتحديد الجمهور المستهدف حجر الزاوية، حيث إن التركيز على فئة معينة من الأشخاص يمنح البرنامج هوية احترافية ويجعله جذابا للمعلنين.

منظومة التجهيزات التقنية وجودة المحتوى
لا يتطلب دخول عالم البودكاست ميزانيات ضخمة، بل يحتاج إلى ذكاء في اختيار الأدوات الأساسية لضمان جودة الصوت التي تعد شرطا لا غنى عنه لبقاء المستمعين، ويتضمن ذلك الاستثمار في ميكروفون احترافي يتناسب مع بيئة التسجيل، وسماعات رأس عازلة للضوضاء، بالإضافة إلى برمجيات تسجيل وتحرير قادرة على إزالة الصدى وتحويل الصوت إلى نصوص لزيادة الفهرسة.
كما أن تقنيات التسجيل عن بعد باتت تتيح اليوم إجراء مقابلات مع ضيوف من مختلف أنحاء العالم بجودة عالية دون الحاجة لتحمل تكاليف السفر.
ومع صعود البودكاست المرئي، أصبح من الضروري الاستثمار في كاميرات عالية الجودة لتسجيل الحلقات ونشرها عبر منصات مثل يوتيوب، التي تتيح فرصا إضافية للربح بناء على عدد المشاهدات.
مسارات الربح المباشر وتعزيز العلامة الشخصية
تعتمد استراتيجية الربح المباشر على تحسين المحتوى نفسه ليصبح مدرا للمال من خلال عدة قنوات، أبرزها الرعاية والإعلانات التي تدفعها الشركات لوضع إشارات إعلانية داخل البرنامج.
كما تبرز برامج العضوية المدفوعة كخيار قوي، حيث يدفع المستمعون اشتراكا شهريا مقابل الوصول إلى محتوى حصري أو إضافي، تماما كاشتراكات منصات البث الكبرى.
وبجانب ذلك، يمثل التسويق بالعمولة وسيلة فعالة عبر مشاركة روابط شراء مخصصة يحصل المبدع من خلالها على نسبة من المبيعات.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمكن إعادة استخدام المحتوى الصوتي وتحويله إلى مقاطع فيديو أو تدوينات لتحقيق ربح مضاعف من منصات مختلفة دون بذل مجهود إضافي في الإنتاج.

آفاق الربح غير المباشر واستثمار الخبرة
عندما يبدأ البودكاست في اكتساب شعبية، تظهر فرص الربح غير المباشر التي تعتمد على شخصية المضيف وخبرته، حيث يصبح البرنامج منصة لإثبات الريادة الفكرية في مجال معين.
ويمكن لمقدمي البودكاست الناجحين إطلاق متاجر إلكترونية لبيع منتجات مادية كالأكواب والملصقات والقمصان التي تحمل شعار البرنامج، كما يمكنهم تحويل المعرفة إلى دورات تدريبية إلكترونية مدفوعة التكاليف، وهو نموذج عمل مربح لقلة نفقاته العامة.
وبالإضافة إلى ذلك، يفتح البودكاست أبوابا للتحدث في الفعاليات العامة والمؤتمرات العالمية، وهي فرص قد تجلب أرباحا تتراوح من مئات الدولارات إلى عشرات الآلاف وفقا لنجاح المضيف.
تحديات النمو ومعادلة الاستمرارية
يعد البث الصوتي فكرة تجارية مربحة، حيث يوقع بعض كبار مقدمي البودكاست صفقات ضخمة، ولكن لا تحقق جميعها الربح، إذ هناك أكثر من 4 ملايين برنامجِ بودكاست في العالم، والكثير منها لا يتجاوز الحلقة الثالثة بسبب الاستسلام المبكر.
ويحظى البودكاست المربح بمتابعين مخلصين ويستهدف جمهورا محددا بدقة من خلال الاهتمام بمجال “تحسين محركات البحث” عبر كتابة ملاحظات دقيقة للحلقات، وإنشاء نصوص صوتية، مع استخدام كلمات رئيسية تزيد من فرص اكتشاف البرنامج عبر محرك بحث غوغل.
كما يلعب التفاعل النشط مع المتابعين عبر وسائل التواصل الاجتماعي وطلب التقييمات الإيجابية دورا محوريا في بناء سمعة البرنامج وجذب الرعاة الجدد.

لغة الأرقام وأساطير الصناعة
يجمع مقدمو البودكاست الناجحون بين استراتيجيات الربح المباشر مثل الرعايات والعضويات، وغير المباشر مثل بيع المنتجات أو الدورات، ويحققون الملايين سنويا.
ومن الأمثلة على البودكاست الناجح جو روغان الذي أبرم صفقات حصرية مع سبوتيفاي تجاوزت قيمتها 450 مليون دولارِ مع تحقيق أكثر من 30 مليون دولارِ سنويا، كما حقق برنامج البودكاست الذي تبثه المضيفتان كارين كيلغاريف وجورجيا هاردستارك أكثر من 15 مليون دولارِ سنويا.
ويكسب بودكاست ديف رامزي نحو 10 ملايين دولاراتِ كل عام، بينما يتلقى البودكاست الذي يبثه داكس شيبارد دخلا سنويا بقيمة 9 ملايين دولاراتِ.
وحقق بودكاست “مذكرات رئيس تنفيذي” (The Diary of a CEO) نحو مليون دولارِ في عام واحد، فيما وصلت الإيرادات الكلية إلى أكثر من 20 مليون دولارِ سنويا، كما لا يزال بودكاست “رائد أعمال في قلب المعركة” (Entrepreneur On Fire) يكسب أكثر من مليون دولارِ سنويا حتى بعد البث الصوتي لأكثر من 12 عاما.
يمثِّل البودكاست فرصة استثمارية تقتصر متطلباتها على الابتكار والجودة والجمهور المخلص مع تطبيق استراتيجيات متنوعة تتناسب مع البودكاست نفسه واهتمامات جمهوره، إلى جانب الالتزام بالوضوح في فترات النشر والاتساق في تقديم القيمة.
المصدر: الجزيرة