فهذا المسار لا يعترف بالشهادات الأكاديمية أو التدرج الوظيفي، بل يرتكز بالكامل على “شبكة العلاقات” والقدرة على اختراق دوائر النخبة.
فقد تحول إبستين من معلم رياضيات بلا شهادة أكاديمية إلى “كاتم أسرار” المليارديرات، ورسم طريقا انتهى به من القصور الفارهة إلى زنزانة غامضة.
نشأ في بيئة عادية لأب يعمل في الصيانة وأم موظفة في مدرسة، لكنه منذ صغره رفض المسار التقليدي، بل اعتمد على سؤال محوري “من يجب أن أعرف؟” بدلا من “ماذا يجب أن أدرس؟”.
وفككت حلقة استغراب (2026/2/14) -تجدونها كاملة هنا– مسار حياة جيفري إبستين غير التقليدي والذي قاده إلى شبكة علاقات بأثرياء واستغلالها في التهرب من جرائمه.
فقد عُيّن مدرسا للرياضيات في مدرسة “دالتون” المرموقة بنيويورك رغم افتقاره للشهادة الجامعية، ولم يكن ذكاؤه في الأرقام هو ما فتح له الأبواب، بل علاقته بمدير المدرسة “دونالد بار” الذي آمن بذكاء هذا المدرس الاجتماعي.
وفي المدرسة ذاتها، لم يكتفِ إبستين بالتدريس، بل كان يراقب أبناء النخبة وصناع القرار، ويتعلم كيف يفكرون ويتواصلون ويضعون ثقتهم في الآخرين.

بوابة لعالم المال
انتقل جيفري إبستين من التدريس إلى العمل في بنك “بير ستيرنز” الاستثماري عبر علاقة مباشرة مع رئيس البنك آلان غرينبرغ.
ولم ير غرينبرغ في إبستين خبيرا ماليا، بل رأى فيه شخصا يمتلك “مهارات ناعمة” نادرة مثل القدرة على الاستماع والتعامل مع أصحاب النفوذ وإشعار الطرف الآخر بالأهمية.
وبسرعة غير منطقية، ترقى جيفري إبستين ليصل إلى منصب شريك في البنك وهو في سن الـ27، وحين كُشف استغلاله لأموال البنك لمنافع شخصية، لم يُحاسب قانونيا بل سُمح له بالاستقالة بهدوء؛ وذلك بفضل شبكة الحماية التي نسجها داخل الإدارة وخارجها، ليخرج من هذه التجربة وهو يمتلك أخطر سلاح في عالم المال (أسرار النخبة).

نادي المليار دولار
في عام 1988، أسس إبستين شركته الخاصة “جي إبستين أند كو”، متبعا إستراتيجية “الإقصاء” لبناء هالة من الغموض.
فقد أعلن صراحة أنه لا يقبل أي عميل يمتلك ثروة تقل عن مليار دولار، الأمر الذي شجع كبار المستثمرين إلى “النادي المغلق”، وعلى رأسهم الملياردير ليزلي ويكسنر الذي منحه سيطرة كاملة على ثروته وقصرا فخما في نيويورك.
بالنسبة للنخبة، كان إبستين “الرجل الموثوق” الذي يدير الثروات ويخلّص المهام المشبوهة بعيدا عن الأضواء.
وفي المقابل، وفّرت هذه العلاقات لإبستين درعا حصينة سمحت له بممارسة أنشطة غير قانونية واستغلال القاصرات لسنوات طويلة، ظنا منه أن الثروة والنفوذ هما الحصانة المطلقة ضد القانون.

سقوط الإمبراطورية
بدأت ملامح الانهيار في عام 2005 ببلاغ في “بالم بيتش” بفلوريدا، ورغم تراكم الأدلة وشهادات الضحايا، تدخلت يد النفوذ مجددا؛ حيث عقد جيفري إبستين صفقة مثيرة للجدل في 2008 مع الادعاء الفدرالي (بتمثيل من ألكسندر أكوستا)، حوّلت تهمه الكبرى إلى تهمة مخففة، ليُسجن 13 شهرا فقط في ظروف حبس استثنائية تشبه الإقامة الفندقية.
لكنّ درع العلاقات تحطمت في عام 2019؛ حين أجبرت التحقيقات الصحفية وضغط الرأي العام النيابة الفدرالية على إعادة فتح الملف.
فقد أُلقي القبض على إبستين بتهم الاتجار بالقاصرات، وتحول من “كاتم أسرار” النخبة إلى “تهديد” لها.
وانتهت رحلته في 10 أغسطس/آب 2019، حين وُجد ميتا في زنزانته في ظروف وصفتها الحلقة بالغامضة، حيث كانت الكاميرات معطلة وكان الحراس نائمين، وكانت نهاية سريعة لرجل يعرف أكثر مما يجب.
وتظل قصة جيفري إبستين تذكيرا بأن شبكات العلاقات التي تُبنى بالمال والنفوذ لتجاوز القانون، قد تكون هي نفسها من يضع نقطة النهاية حين تتعارض المصالح.
المصدر: الجزيرة