حتى سنوات قريبة، كان مشهد “سنان السكاكين” يجوب الأحياء على دراجته التي وضع عليها حجر السن المستدير الضخم مشهدا معتادا، بل كان هناك من ينتظره مرة كل شهر على الأقل. كما كان المشهد أكثر اعتيادا في أيام عيد الأضحى.
أما في حي “المذبح”، حيث السكين هي أداة العمل، وأنواعها المختلفة أدوات مهمة للسرعة والتجهيز، يصبح وجود “عاشور السنان” وأبنائه جزءا لا يتجزأ من “سوق المذبح” الممتد من السيدة زينب وحتى النيل في القاهرة.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
السكاكين عبر العصور
في المذبح، يصبح مشهد السكاكين المعلقة في أغلب المحال باختلاف أشكالها وأحجامها ومستلزماتها، مشهدا عاديا لا يتوقف أحد أمامه أبدا ولا يلفت النظر غالبا، وسط ما يبحث عنه مرتادو المذبح من لحوم أو مواشٍ حية.
لكن القصة تبدأ عندما تعرف أن السكين هي الأداة الأولى التي اكتشفها الإنسان الأول لمساعدته في نواحي الحياة المختلفة. تطور الاكتشاف مع الزمن ليتحول إلى أداة في الحرب، مختلفة الأشكال والأحجام، ثم أداة من أدوات المائدة، وفي كل الأوقات بقيت مهمتها الأساسية هي “الذبح”.
مع تطور أشكال السكين وأحجامها ودواعي استخدامها، ظهرت الحاجة لمهنة “السنّان”، الرجل الأهم في الحرب والسلم. ففي وقت الحرب، ينشغل بسن وتجهيز السيوف والخناجر، وفي السلم يجيد الرجل تلبية حاجة الجميع في سكين بنصل حاد ولامع.

“البلدي” يقاوم والمستورد ينتصر
تختلف مهنة سن السكاكين عن صناعتها، ففي الأغلب كان الحدادون يصنعون السيوف والخناجر والسكاكين، لكن “المسن” له وظيفة أخرى، تأتي بعد مرور وقت على شراء السكين، بعد أن تضعف حدة نصله، فيصبح حجر السن الضخم هو الحل ليعود جديدا.
بمرور الزمن تقلصت صناعة السكاكين “البلدي” كما يسميها التجار، وانتشر “الإفرنجي” أو المستورد، كبديل ذي شكل أحدث، وخامات عصرية مناسبة، لكن حتى هذه البضائع الإفرنجية لا تستغني عن “السنان” لذا فقد بقي عاشور السنان وأبناؤه من بعده يرثون مهنة سن السكاكين في المذبح ويتسلمون رايتها جيلا بعد جيل.

سنوات مع الحجر الدائر
منذ 60 عاما تجلس “المعلمة” صباح نفس جلستها المعتادة في كل موسم للأضحى، كرسي صغير أمام فرشة سن السكاكين، تعلوها سكاكين مختلفة وحجر دوار وآخر بحجم أصغر يجاورها، تلك هي أدوات العمل الذي ورثته عن أبيها وزوجها، ابن عمها، الذي ورثه أيضا عن والده، عائلة “عاشور السنان” أقدم صناع سن السكاكين في المذبح القديم.
طيلة 50 عاما لم تعرف صباح مهنة أخرى، ولم يحاول أبناؤها الخروج من عباءة ميراثهم العائلي، حتى بعد رحيل الابن الأكبر، تكفلت صباح بأبنائه فعلمتهم المهنة ذاتها، أما صغيرها فقد أصبح موظفا بإحدى الشركات، يذهب لعمله صباحا، وفي العصر يأتي ليساعدها في وقت الموسم.

تغير “المذبح” منذ رحيله الكبير إلى حي البساتين، فبقي المذبح القديم أثرا بعد عين، بقايا هيكلية لسوق لم تكن تخلو من الباعة والمشترين، وزحام لا ينقطع في موسم الأضحى للفوز برأس ماشية حية لأداء الفريضة، أو إذا لم تتوفر الاستطاعة فيكون شراء اللحم بأسعار مناسبة تلائم أصحاب الدخول المنخفضة.
“لم تعد الأسعار تناسب أحدا” تشتكي صباح من الغلاء الذي أصاب حتى السكاكين قائلة إن “سكينة الذبح الجديدة تصل إلى ألف جنيه (نحو 21 دولارا)، وأقل سعر 200 جنيه (نحو 4 دولارات) لسكينة التشفية والسلخ، الناس تحمل هم السكاكين كهم الذبائح، لذلك عمل السّن للقديم يزيد أكثر من شراء الجديد”.

أمير، 50 عاما، هو أحد صبية “المعلم” عاشور الكبير، تربى في كنفه منذ كان طفلا في المذبح، تعلم على يديه كيف يسن سكينا وكيف يصلح آخر، كما تعلم الفرق بين سكين المبيع وسكين الجز وسكينة التشفية و”الكازلك” والساطور. لكل نصل وظيفة، وكل وظيفة تلزمها صنعة ماهرة لتقوم بمهامها على أكمل وجه، وتجمعهم صنعة دقيقة لسن النصل وتحميته لجعله أكثر قدرة على الوفاء بمهامه خاصة في أيام خاصة مثل موسم عيد الأضحى.
يقول أمير “للجزيرة نت” إن صنعته هي السن، الذي تعلمه منذ الصغر، كيف يبلل طرف السكين، ثم يضعه على الحجر الدائر، ثم يأخذه مرة ثانية للمسن الحجري. شهد أمير على الاستخدام اليدوي لتلك الآلات التي تعلمها على يد المعلم عاشور، لكنها الآن أصبحت بالكهرباء، ضغطة واحدة على الزر ويدور الحجر، لكن مع ذلك تبقى مهارة السنان ضرورية، وإلا أكل الحجر النصل وأصبح عديم الفائدة.

أنواع السكاكين المستخدمة في الذبح
يقول أمير إن ذبح الخروف يستلزم وجود عدة من ثلاثة أنواع من السكاكين “سكين للذبح وآخر للسلخ وساطور للعظم”.
-
سكين الجز
وهي نصل حاد لجز رقبة الأضحية في أسرع وقت، وهي الأكثر قدرة بين السكاكين على الوصول لهدفها في أسرع وقت، تنفيذا لوصية النبي -صلى الله عليه وسلم- في عدم إيذاء الذبيحة وإيلامها أثناء ذبحها، ويختلف حجم سكين الجز بحسب نوع وحجم الأضحية سواء كانت من الضأن أو الأبقار أو الجاموس.
-
السليخ
هي سكين ذات نصل رفيع وطولي، يمكنها من رفع الفرو عن جسد الخروف وسلخه، وفي حالة استخدامها لسلخ الجاموس والأبقار تكون ذات نصل أطول، ويستلزم مشاركة اثنين أو ثلاثة من الجزارين في تلك العملية لإتمامها في أسرع وقت قبل أن تبرد الذبيحة ويصبح من الصعب إزالة الجلد عن اللحم.
-
سكاكين التشفية
هي سكاكين مختلفة الحجم، منها الصغير ومنها العريض بحسب حجم الذبائح.
-
الساطور
وهو المستخدم في تكسير عظام الذبائح وفصل القطع الكبيرة.
-
المبيع
وهي سكينة التجزئة والتقطيع، يستخدمها الجزارون في المحال وتستخدم في بعض المنازل أيضا وتختارها ربة المنزل بحسب الحجم المريح ليدها والملائم لاستخداماتها.
المصدر: الجزيرة