تحوّلت موجة العبور الجماعي من المغرب إلى مدينة سبتة الخاضعة للإدارة الإسبانية، من أزمة حدودية ذات أبعاد إنسانية وأمنية، إلى حدث سياسي عابر للحدود استغلته أحزاب وشخصيات يمينية في أوروبا والولايات المتحدة لإعادة إحياء خطاب الهجرة القائم على مفاهيم “الغزو” و”فقدان السيطرة على الحدود” و”فشل الحكومات الليبرالية”.
وتتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة عيّنة واسعة من المنشورات والبيانات الحزبية والتصريحات السياسية، والتغطيات الصحفية المنشورة بين 30 يوليو/تموز الماضي و2 أغسطس/آب الجاري، لرصد كيف تشكّلت هذه السردية وانتقلت بين الفاعلين السياسيين والإعلاميين.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وأظهر الرصد أن ما حدث لا يقدم دليلا على وجود حملة منسقة تقودها جهة واحدة، بقدر ما يكشف عن تناغم سريع بين أطراف تتقاطع في التوجهات السياسية، أعادت إنتاج الرسائل نفسها بصورة متزامنة.
وتمحورت هذه الرسائل حول ثلاث أفكار رئيسية: تحميل حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مسؤولية الأزمة، وتصوير العابرين باعتبارهم “غزاة” يهددون أوروبا، وتقديم اليمين القومي في صورة المخلص والقوة القادرة على استعادة السيطرة على الحدود.
فوكس يترصد
مع تزايد أعداد العابرين إلى سبتة، ركّزت المواقف السياسية في بدايتها على الانتقادات المرتبطة بإدارة الحكومة للأزمة، مثل الضغط على مرافق المدينة، وفقدان السيطرة على الحدود.
إلا أن هذا الخطاب سرعان ما انتقل إلى مستوى أكثر حدة، عندما وصف زعيم حزب فوكس، سانتياغو أباسكال، ما يجري بأنه “غزو” تنفّذه “مجموعة من الرجال في سن القتال”، محملا حكومة سانشيز المسؤولية المباشرة عما حدث.
وسرعان ما تبنى الحساب الرسمي للحزب السردية نفسها، معتبرا أن الأزمة نتيجة مباشرة لسياسات الحكومة في ملف الهجرة، ومتهما سانشيز بالترحيب الضمني بما يجري.
ولم يقتصر خطاب الحزب على توصيف الأزمة، بل اقترن بحزمة من المطالب السياسية، شملت إغلاق الحدود، ونشر الجيش، وتنفيذ عمليات إعادة فورية للعابرين، مع الدعوة إلى تجاوز القيود القضائية التي قد تعيق تلك الإجراءات.
وتصاعدت لهجة الخطاب أكثر عندما قال أباسكال إن الإسبان قد يضطرون إلى “القيام بالمهمة بأنفسهم” إذا لم تخرج الحكومة العابرين “بالوسائل اللازمة”، وهو طرح نقل الأزمة من إطارها الأمني إلى خطاب يقوم على التعبئة الشعبية.
سانشيز في قلب الهجوم
لم يبقَ هذا الإطار محصورا داخل حزب فوكس، بل امتد إلى أطراف أخرى في المعارضة الإسبانية، وإن بدرجات مختلفة.
فقد استغل الحزب الشعبي، بقيادة ألبرتو نونييث فيخو، الأزمة لتأكيد روايته بأن حكومة سانشيز فقدت السيطرة على الحدود، وذهب إلى وصف ما حدث بأنه “احتلال مُدبَّر وغير مسبوق”، معتبرا أن الحكومة كانت على علم بالمخاطر ولم تتخذ إجراءات استباقية.
وفي السياق نفسه، استخدم مسؤولون بارزون في الحزب، من بينهم ميغيل تييادو وخوان برافو، الأزمة لاتهام الحكومة بالتخلي عن مسؤولياتها في حماية الحدود.
وكرر برافو توصيف “الغزو”، مطالبا بإغلاق الحدود وتعزيز الوجود الأمني والعسكري، مستندا إلى شهادات تحدثت عن حالة خوف بين السكان ومحاولات اقتحام منازل ومتاجر، إلا أن هذه الروايات لم تكن مدعومة بحصيلة مستقلة وشاملة صادرة عن الجهات الرسمية.
أما رئيسة إقليم مدريد إيزابيل دياز أيوسو، فقد تجاوزت خطاب الفشل الإداري، وذهبت إلى اتهام سانشيز بالسماح عمدا بما وصفته بـ”غزو إسبانيا عبر سبتة” لصرف الانتباه عن القضايا القضائية المرتبطة به، دون أن تقدم أدلة تدعم وجود قرار حكومي متعمد بالسماح بحدوث العبور.
وبذلك، تبلور داخل المشهد السياسي الإسباني مستويان متوازيان من الخطاب؛ الأول يُحمّل الحكومة مسؤولية الإخفاق في إدارة الحدود، والثاني يذهب أبعد من ذلك باتهامها بالتواطؤ أو التعمد.
ماذا يكشف التحليل الشبكي؟
وكشفت خريطة التفاعل، التي أعدتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة، أن خطاب “الغزو” لم ينتشر بطريقة عشوائية، بل عبر مسار واضح بدأ داخل إسبانيا، قبل أن يتحول خلال أيام إلى سردية سياسية عابرة للحدود تبنتها أحزاب يمينية، وشخصيات حكومية، ومؤثرون وإعلاميون في أوروبا والولايات المتحدة.
واعتمد التحليل على عينة أولية ضمت 12 ألفا و500 منشور على منصة إكس، وأسفر عن شبكة تضم 3052 حسابا و3271 علاقة تفاعل، شملت إعادة النشر، والردود، والاقتباسات، والإشارات. وتوضح بنية الشبكة أن انتشار الخطاب لم يكن نتيجة نشاط حساب واحد أو مجموعة مغلقة، بل جاء عبر مراكز تأثير متعددة أعادت إنتاج الرسائل نفسها وربطتها بقضاياها المحلية.

وتظهر الشبكة أن الحسابات الإسبانية شكّلت نقطة الانطلاق الرئيسية. فقد دفعت شخصيات مثل سانتياغو أباسكال، وإيزابيل دياز أيوسو، وألبرتو نونييث فيخو، وخافيير نيغري، بالسردية الأولى التي حمّلت حكومة بيدرو سانشيز مسؤولية ما جرى، وقدمت العبور بوصفه “غزوا” يعكس فقدان الدولة السيطرة على حدودها.

لكن اللافت أن هذه السردية لم تبقَ داخل السياق الإسباني، فبعد ساعات فقط، بدأت مراكز تأثير جديدة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وهولندا بإعادة توظيف الرسائل ذاتها، مع تغيير زاوية الطرح.
فلم يعد التركيز منصبا على حكومة سانشيز، بل على مستقبل الحدود الأوروبية، ومصير اتفاقية شنغن، وخطر انتقال الأزمة إلى بقية دول الاتحاد الأوروبي.
وكشفت الخريطة أن كل دولة أعادت توظيف الحدث بما يخدم أجندتها السياسية الداخلية، ففي بريطانيا، استُخدمت الأزمة للتحذير من الهجرة عبر القناة الإنجليزية، بينما جرى في الولايات المتحدة إدراجها ضمن خطاب أوسع عن الهجرة الجماعية وسياسات “اليسار العالمي”، لتتحول سبتة من أزمة حدودية محلية إلى مثال يُستَشهد به في الجدل السياسي الأمريكي.
كما تُظهر الشبكة دورا محوريا لحسابات إعلامية ومؤثرين، مثل Visegrád 24 وRadio Genoa وتومي روبنسون، في نقل الرسائل بين المجتمعات السياسية المختلفة، ولم تكن هذه الحسابات صاحبة الخطاب الأصلي، لكنها ساهمت في تسريع انتشاره، وإعادة صياغته لجماهير جديدة، وربط السردية الإسبانية بالنقاش الأوروبي والأمريكي.
في المقابل، كشفت الخريطة وجود رواية مضادة قادتها حسابات رسمية، على رأسها بيدرو سانشيز، وأورسولا فون دير لاين، وجهات حكومية أخرى، ركّزت على استعادة السيطرة، والتعاون مع المغرب، وإعادة معظم العابرين خلال فترة قصيرة. إلا أن حضور هذه الرواية جاء في إطار الرد على السردية المتداولة، لا في قيادة مسار النقاش.
وبذلك، لا تُظهر الشبكة مجرد انتشار لمنشورات متشابهة، بل توضح كيف أعادت مراكز تأثير متعددة إنتاج الرسالة نفسها، مع تكييفها بما يتناسب مع السياق السياسي لكل دولة، وهو ما يفسر سرعة تحول أزمة سبتة من حدث محلي إلى قضية حضرت في الخطاب اليميني الدولي خلال أيام قليلة.
المصدر: الجزيرة