كيف يعيش البحارة على متن السفن العالقة في مضيق هرمز؟

لا يزال هناك نحو 20 ألف بحار عالقين في مضيق هرمز نتيجة الإغلاق الإيراني شبه الكامل للممر المائي منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضدها في فبراير/شباط الماضي، وسط تعثر مستمر لمحادثات وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران.

وذكرت الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية، مطلع مايو/أيار الجاري، أن ما يقارب 2000 سفينة لا تزال عالقة في الخليج العربي مع تعثر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، رغم الفتح المؤقت لمضيق هرمز عقب التوصل لهدنة مبدئية.

غناء للهروب من الخوف

بحسب تقرير صحيفة “فايننشال تايمز”، يحاول البحارة العالقون في مضيق هرمز الحفاظ على قدر من الحياة الطبيعية، رغم الخوف الذي يحيط بوضعهم في البحر. على سبيل المثال، أفاد مصدر بأن بعض الطواقم يقضون وقتهم في الغناء الجماعي خلال جلسات “كاريوكي”، أو في إقامة حفلات شواء صغيرة خلال عطلات نهاية الأسبوع، في محاولة لكسر العزلة والتخفيف من وطأة الانتظار الطويل لخبر انتهاء الحرب.

لكن مع استمرار الحصار وتعطل الإمدادات، بدأت المواد الغذائية بالنفاد تدريجيا في عدد من السفن العالقة. وقال أحد القساوسة من “بعثة البحارة” إن بعض البحارة اضطروا إلى تقليل كميات الطعام التي يتناولونها خلال الأيام الأخيرة، مضيفا أن نقص الغذاء “أصبح مصدر قلق متزايد على متن العديد من السفن” العالقة في المضيق.

كما أكد بعض البحارة أنهم شاهدوا صواريخ في السماء وعمليات اعتراض من على متن سفنهم، وهو ما فاقم مشاعر الخوف والضغط النفسي لديهم.

وأوضح القس أن تداعيات الوضع الحالي على طواقم السفن باتت واضحة على صحتهم النفسية قبل الجسدية، إذ يعيش البحارة العالقون في حالة من القلق الدائم حول مصيرهم، وما قد يحدث في المستقبل. وأضاف أن العديد منهم يريدون مغادرة السفن بـ”أي وسيلة ممكنة” لو أتيحت لهم الفرصة، خاصة مع تأخر صرف رواتب عدد كبير منهم، الأمر الذي فاقم شعورهم بالإحباط والضغط النفسي.

إعلان

أما على المستوى الجسدي، فقد أدى هذا التوتر المستمر إلى حالات من الإرهاق والتعب بين أفراد الطواقم.

معاناة تشبه كورونا

وصفت المنسقة البحرية في الاتحاد الدولي لعمال النقل جاكلين سميث أوضاع البحارة بالمأساوية. وقالت: “لا أستطيع تصديق ما يحدث. كما تعلمون، مررنا بجائحة كوفيد، حيث ظل البحارة عالقين على متن السفن لأشهر لأنه لم يُسمح لهم بالنزول إلى البر خشية أن يكونوا حاملين للعدوى، وهو أمر لا يُصدق. والآن هم عالقون في هذا الوضع، الذي يضعهم في مأزق”.

وأضافت سميث أن البحارة مسؤولون عن نقل نحو 90% من السلع المستخدمة يوميا حول العالم، مشيرة إلى أن الهواتف والملابس والأجهزة المنزلية تصل جميعها عبر السفن. لذلك، ترى المنسقة البحرية أن هؤلاء العاملين “يستحقون أفضل من أن يصبحوا ضحايا لصراع لا علاقة لهم به”.

وفي هذا السياق، أشار تقرير للزميلة سلام خضر إلى أن بعض هؤلاء البحارة فقدوا الصفة القانونية لرحلاتهم، إذ لم يعودوا قادرين على دخول أي ميناء في العالم، بعدما أقدمت شركات الشحن على رفع الغطاء التأميني عنهم.

أمر غير مسبوق

من جهتها، نقلت صحيفة “تايمز” البريطانية عن خبراء قولهم إن ما يمر به البحارة في مضيق هرمز يُعد “أمرا غير مسبوق”، حيث بات حوالي 20 ألف بحار محاصرين في منطقة الحرب، مع انخفاض مخزونهم من الطعام والماء والأمل يوما بعد يوم. كما لا يستطيع البحارة حتى التواصل مع عوائلهم، الذين يغيبون عنهم لمدة 9 أشهر أو أكثر، بسبب وصولهم المحدود أو شبه المعدوم لشبكة الإنترنت.

بدورها، حصلت صحيفة “فايننشال تايمز” على رسالة من أحد البحارة، كتب فيها إنهم “عالقون هنا في إيران بالقرب من هرمز. كنا في طريقنا إلى بيك [ميناء بندر الإمام الخميني]، لكننا انجرفنا في وقت مبكر من الصباح. ولم يكن لدينا نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) بسبب عمليات التشويش. لا توجد أخبار حتى الآن”.

وأوضحت فايننشال تايمز أن مصطلح “الانجراف” يُقصد به وجود السفن في مياه عميقة جدا، وهو ما يعيقهم فعليا عن الإرساء. وبدون نظام تحديد المواقع العالمي، لا يمكن للبحارة تحديد موقعهم إلا باستخدام “آلة السدس” والخرائط الورقية، التي لا تزال على متن بعض السفن.

من جهته، تطرق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، هذا الشهر، إلى أوضاع الطواقم المحاصرة في مياه مضيق هرمز، واصفا محاولاته لكسر الحصار الإيراني بأنها جهد إنساني لمساعدة “أشخاص وشركات ودول لم ترتكب أي خطأ على الإطلاق”. وتعد هذه اللحظة نادرة في تاريخ الملاحة البحرية، إذ لم يسبق لأحد خارج هذا القطاع أن يفكر في أفراد طواقم السفن، الذين يضعون حياتهم على المحك من أجل تزويد العالم بملايين السلع والخدمات.

ولوّح ترمب بإمكانية إطلاق “عملية الحرية بلس” لتأمين الملاحة في مضيق هرمز وإخراج السفن العالقة هناك. ويأتي ذلك بعدما أعلن في وقت سابق من هذا الشهر عن انتهاء “عملية الحرية”، التي شنتها القوات الأمريكية لفتح مسار آمن في المضيق أمام الإغلاق الإيراني.

ومع استمرار طهران في إغلاق مضيق هرمز، تزداد أهمية إطلاع العالم على أحوال ومعاناة هؤلاء البحارة العالقين وكيفية صمودهم في مواجهة هذه الظروف الاستثنائية والقاهرة، التي جعلتهم أهدافا محتملة لهجمات الصواريخ والطائرات المسيرة.

إعلان

وحتى اللحظة، لا يبدو أن هناك حلولا عاجلة لمعالجة وضع البحارة في مضيق هرمز، حيث لا تزال حياتهم معلّقة في البحر ريثما تتوصل واشنطن وطهران إلى اتفاق يقضي بإنهاء الحرب الدائرة بينهما.

 

المصدر: الجزيرة