لا يرى الأسلاك ولا الأعطال.. كيف أصبح لطفي عمر فني الأجهزة الأكثر ثقة في حيّه؟

في حي شعبي بمديرية الشيخ عثمان في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، لا تبدو ورشة لطفي عمر أكثر من زاوية ضيقة اقتطعها من منزله المتواضع. لكن هذه المساحة الصغيرة، المحشوة بالغسالات القديمة والأسلاك وقطع الغيار، صارت للرجل الكفيف نافذته إلى مهنة دقيقة لا تخلو من الخطر.

ينحني لطفي، 52 عاما، أمام غسالة كهربائية مفتوحة، يمد أصابعه بين الأسلاك والقطع الصغيرة ويتحسس مسارها ببطء ويصغي إلى صوت خافت، ثم يتوقف عند موضع الخلل كما لو أنه رآه. لا يقرأ الأعطال بعينيه، إذ فقد بصره منذ الطفولة، لكنه يقرأها بذاكرة اليد وخبرة السنين.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2لماذا طارد 3 شهادات معا؟ قصة العبقري المصري الذي أبهر جامعة كنتاكي
  • list 2 of 2كيف يختار الرجل عطره؟.. سيرة ذاتية في زجاجة

end of list

حول الرجل تتوزع مفكات وأسلاك وقطع بلاستيكية ومعدنية، وتتكئ أجهزة قديمة على جدران متآكلة في مكان بالكاد يتسع له. ومع ذلك يتحرك لطفي في ورشته بثقة من يعرف تضاريسها جيدا، فهنا يضع المفك وهناك يمد يده إلى السلك وفي الزاوية تنتظر غسالة أخرى دورها في الإصلاح.

يقول لطفي للجزيرة نت إن فقدان البصر لم يدفعه إلى الاستسلام، بل جعله يبحث عن طريق يعتمد فيه على نفسه. ويردد -وهو يعيد ترتيب أسلاك بين يديه- أن الإنسان “مع الإصرار والتحدي يستطيع أن يصنع المستحيل”.

لطفي عمر داخل ورشته بعدن يصلح الأجهزة باللمس والسمع (الجزيرة) (3)
لطفي عمر داخل ورشته بعدن يصلح الأجهزة باللمس والسمع (الجزيرة)

مهنة بلا ضوء

لا تشبه ورشة لطفي محلا مفتوحا على الشارع ولا تحمل لافتة تجذب الزبائن، هي زاوية صغيرة من البيت ضاقت بالأجهزة والأدوات، لكنها اتسعت لحرفة صارت مصدر رزق وكرامة. في هذه الزاوية يستقبل لطفي غسالات ومولدات مياه وأدوات كهربائية منزلية يحملها إليه سكان الحي.

يبدأ العمل كما لو أنه يتحسس صفحة مكتوبة بلغة لا يقرأها غيره، فيفتح الجهاز ويمرر أصابعه على الأسلاك والتوصيلات، يميز القطع الصغيرة بملمسها ويصغي إلى الأصوات التي تساعده على فهم طبيعة العطل.

وخلال زيارة الجزيرة نت، شاهدناه يفتح الأجهزة ويتحسس قطعها الصغيرة بحذر، وحين تسقط منه براغ أو قطعة معدنية يمرر مغناطيسا صغيرا على الأرض حتى يلتقطها، في حيلة عملية تساعده على مواصلة العمل من دون الحاجة إلى عينين.

إعلان

ولا يعتمد على اللمس وحده، إذ يستخدم جهاز فحص كهربائي يعرف باسم “الميجر” يصدر إشارات صوتية تساعده على تتبع التوصيلات واكتشاف بعض الأعطال. لكنه يقول إن حلمه أن يحصل على جهاز قياس ناطق يقرأ له القيم الكهربائية صوتيا، وهو نوع متوفر في بعض الأسواق الخارجية، لكنه لم يجده في اليمن حتى الآن.

ومع هذه الأدوات المحدودة تبقى الكهرباء مهنة تحتاج إلى حذر شديد حتى للمبصرين. غير أن سنوات الممارسة علمت لطفي كيف يقترب من الخطر بوعي، إذ يختبر السلك ويتوقف قليلا ويعيد التفكير، ثم يعود إلى الجهاز كأن كل عطل جديد درس آخر في مهنة لا تنتهي.

لطفي يتتبع أسلاك غسالة كهربائية بحثا عن العطل (الجزيرة)
لطفي يتتبع أسلاك غسالة كهربائية بحثا عن العطل (الجزيرة)

من التلفزيون إلى الغسالة

بدأ لطفي مهنته عام 1992 وكانت بدايته مع إصلاح أجهزة التلفزيون. يتذكر تلك المرحلة بوصفها الأصعب في طريقه المهني، خصوصا التعامل مع الضغط الكهربائي العالي في شاشات التلفزيون القديمة، وهي مهمة تحتاج إلى حذر شديد وخبرة دقيقة.

ومع الوقت وجد أن إصلاح التلفزيونات أكثر تعقيدا مما تسمح به ظروفه وأدواته، فتوقف عن هذا المجال واتجه إلى إصلاح الغسالات ودينمات المياه وخلاطات العصائر المنزلية، وهي أجهزة صارت لاحقا جزءا من يومه المهني. يقول لطفي إن انتقاله من التلفزيونات إلى هذه الأجهزة لم يكن تراجعا، بل بحثا عن مجال يستطيع أن يتقنه ويؤدي فيه عمله بثقة أكبر.

ومنذ ذلك الحين راكم خبرته جهازا بعد آخر، حتى صار سكان الحي يقصدونه كلما تعطلت غسالة أو دينمو أو جهاز منزلي بسيط. في كل جهاز يفتحه يستعيد لطفي خلاصة سنوات طويلة من التجربة، من أصابع تتحسس إلى أذن تصغي وذاكرة تحفظ مسارات الأسلاك وأصوات الأعطال.

لطفي يفحص أسلاكا كهربائية مستعينًا بخبرة السنين (الجزيرة)
لطفي لا يحتاج إلى الضوء كي يعرف موضع العطل (الجزيرة)

أسرة تكافح

فقد لطفي بصره مبكرا في الطفولة بسبب ضمور في شبكية العين، وكذلك شقيقته نجوى، 54 عاما. أما شقيقه محمد، 53 عاما، فقد أقعدته جلطة دماغية أفقدته القدرة على الحركة، وفي البيت نفسه تعيش الأسرة الصغيرة على إيقاع يومي من الصبر والمكابدة.

يتحدث لطفي عن شقيقته باعتزاز واضح، فرغم فقدانها البصر يقول إنها من تعتني به وبشقيقهما وتعد الطعام وتدبر كثيرا من شؤون البيت. لا يذكر ذلك بوصفه تفصيلا عابرا، بل دليلا على أن الأسرة -رغم المرض والإعاقة وضيق الحال- لا تزال تقاوم بطريقتها.

في هذا البيت لا أحد يملك ترف الانسحاب، لطفي يذهب إلى ورشته ونجوى تدير شؤون المنزل ومحمد يواجه أثر المرض. هكذا تتقاسم الأسرة ما تبقى من القدرة وتحاول أن تصنع من القليل حياة تمضي إلى الأمام.

حاول لطفي -في مراحل سابقة- الحصول على وظيفة حكومية تمنحه دخلا ثابتا وسعى لذلك أكثر من مرة، لكنه لم ينجح. لم يبق طويلا أمام باب مغلق، فعاد إلى ما يعرفه جيدا: الأسلاك والمفكات والأجهزة التي تنتظر من يعيد إليها الحركة.

لطفي يفحص أسلاكا كهربائية مستعينًا بخبرة السنين (الجزيرة)
لطفي يفحص أسلاكا كهربائية مستعينا بخبرة السنين (الجزيرة)

عبء جديد

لا تقف صعوبات لطفي عند فقدان البصر أو ضيق الورشة، ففي عدن -حيث يتحول الصيف إلى اختبار قاسٍ للسكان- تضيف انقطاعات الكهرباء عبئا جديدا على عمله وحياته. يقول إن التيار قد ينقطع أحيانا أكثر من 12 ساعة في اليوم، مقابل ساعتين فقط من التشغيل.

إعلان

لا يحتاج لطفي إلى الكهرباء كي يرى، لكنه يحتاجها كي يشغّل الأجهزة ويفحصها ويتأكد من نجاح الإصلاح. وحين ينقطع التيار يتوقف العمل وتتراكم الأجهزة في الورشة ويصبح الحر داخل المكان الضيق جزءا من المعاناة اليومية.

ومع ذلك لا يتحدث الرجل بنبرة انكسار، يقول إن البلاد مليئة بالأزمات، لكن الاستسلام لها يجعلها أشد قسوة. ويوجه رسالته إلى الشباب وذوي الإعاقة قائلا إن السعي وبذل الجهد قد يفتحان أبوابا لا تفتحها الشكوى وحدها.

بالنسبة إليه، انتظار المساعدة وحدها ليس طريقا مضمونا، فالصدقة قد تأتي مصحوبة بالمنّ أو لا تأتي أصلا، بينما يبقى العمل -مهما كان شاقا- أقرب إلى الكرامة.

ورشة صغيرة حولها لطفي إلى مصدر رزق وكرامة (الجزيرة)
ورشة صغيرة حولها لطفي إلى مصدر رزق (الجزيرة)

ثقة الحي

خلال زيارة الجزيرة نت، طرق باب لطفي 3 زبائن يحملون أدوات كهربائية بحاجة إلى إصلاح. بدا المشهد عاديا في الحي؛ أشخاص يأتون إلى رجل يعرفونه، لا ليساعدوه، بل ليطلبوا مهارته.

أحد الزبائن -ويدعى عميد محمد أحمد- يقول إن لطفي رجل مكافح وعزيز النفس وإن سكان الحي اعتادوا القدوم إليه لإصلاح أدواتهم الكهربائية.

ويوضح أن فقدان بصره لم يمنعه من اكتساب ثقة الناس واحترامهم، ويضيف عميد للجزيرة نت: “نأتي إليه لأننا نثق بعمله، هو رجل أمين ومتقن ويحظى بتقدير الجيران في الحي”.

هذه الثقة ليست تفصيلا صغيرا في حياة لطفي، فالرجل الذي لم يحصل على الوظيفة التي كان يتمناها، صنع لنفسه عملا بيديه وراكم مكانته بين الناس جهازا بعد آخر وعطلا بعد آخر.

عميد محمد أحمد تحدث عن ثقة الجيران بمهارة لطفي وأمانته (الجزيرة)
عميد محمد أحمد تحدث عن ثقة الجيران بمهارة لطفي وأمانته (الجزيرة)

صناعة القدرة

لا يريد لطفي أن تُروى حكايته من باب الشفقة. في حديثه، يعود كثيرا إلى معنى الكرامة وإلى أن الإنسان -مهما ضاقت به الظروف- يستطيع أن يبحث عن طريق يحفظ له احترامه لنفسه.

يقول للجزيرة نت: “العيش بكرامة أغلى شيء، لا أريد أن أكون عبئا على أحد، الإنسان إذا سعى وبذل جهده يوفقه الله”. في ورشته الصغيرة لا يصلح الأجهزة وحدها، كل غسالة يعيد تشغيلها وكل سلك يعيد وصله يبدو كأنه رد عملي على صورة نمطية تختصر الكفيف في العجز والانتظار.

هنا لا يكون فقدان البصر نهاية الحكاية، بل جزءا من مسار طويل لصناعة القدرة بوسائل أخرى. ومن هذه الزاوية الضيقة في الشيخ عثمان تبدو قصة لطفي أكبر من حكاية رجل يصلح الأجهزة الكهربائية، فهي تفتح نافذة على واقع ذوي الإعاقة في اليمن، حيث لا تزال فرص التدريب والعمل محدودة وتظل النظرة الاجتماعية عائقا يضاف إلى قسوة الظروف المعيشية.

غير أن لطفي يقدم نموذجا مختلفا: رجل لا ينتظر الشفقة، بل يفتح جهازا معطلا، يمد يديه إلى داخله ويخرج منه بما يثبت أن العجز أحيانا لا يكون في الجسد، بل في ضيق الفرص.

لطفي عمر داخل ورشته بعدن يصلح الأجهزة باللمس والسمع (الجزيرة) (5)
لطفي عمر داخل ورشته بعدن يصلح الأجهزة باللمس والسمع (الجزيرة)

يرى بطريقته

مع نهاية الزيارة، يرافقنا لطفي إلى باب ورشته الصغيرة. يقف عند المدخل ممسكا بقطعة من أدوات عمله، كأن المهنة لا تفارق يديه حتى وهو يودع ضيوفه. خلفه تتكدس الغسالات القديمة والأسلاك والقطع، وأمامه حي شعبي يعرفه الناس فيه لا بوصفه رجلا كفيفا فقط، بل فنيا يقصدونه حين تتعطل أجهزتهم.

عند ذلك الباب، لا تبدو حكاية لطفي قصة ورشة ضيقة فحسب، بل حكاية رجل اختار أن يرى العالم بطريقته الخاصة، بأصابعه وسمعه وإصرار لم ينطفئ. وبين البيت والورشة وبين العتمة والأجهزة القديمة يواصل لطفي إصلاح ما يتعطل، مدافعا عن حلم بسيط وكبير في آن واحد: أن يعيش من عمل يده، وبكرامة”.

 

المصدر: الجزيرة