أتقن البشر عبر قرون فنّ الإشارة والتلميح إلى الحب بصور ضمنية متعددة، وهو ما سلّط الضوء على طبيعة سعينا الدؤوب نحو الحب، وتطوير أساليب تنوعت من طرق المغازلة باستخدام المراوح في عصر الريجنسي إلى تبادل الهدايا بين العشاق.
عندما تزور جناح ريشليو في متحف اللوفر في باريس، قد تشاهد لوحة تحمل نظرات ملكة إنجليزية سابقة، يداها، المرصعتان بخواتم ثمينة، متشابكتان أمامها، تبتسم ابتسامة خفيفة تنمّ عن رصانة واتزان، وتتلألأ المجوهرات على غطاء رأسها، وتزين أقمشة حمراء وذهبية غنية فستانها ذي الأكمام المنتفخة، كما يتدلى أسفل عنقها صليب صغير، وتظهر اللوحة بدون شك أنها رُسمت بطريقة تهدف إلى جذب الانتباه.
بلغت تلك اللوحة، المعروفة باسم “خطوبة آن كليفز”، التي أبدعها هانس هولباين الأصغر، من الجاذبية حداً دفع الملك هنري الثامن، أحد أقوى حكّام عصره، إلى الارتباط بها في عام 1539، ووصفها سفير الملك في منطقة كليفز بأنها “نابضة بالحياة”، ما يُفهم منه أنها صورة دقيقة لهيئتها الأصلية.
نبدأ بعصرٍ تاريخي اشتهر بتمجيده للحب الرومانسي وطقوس الخطوبة، وهو يُعرف بعصر الريجنسي، وهي فترة العقود المحيطة بعام 1800، وهو زمن أُتيحت فيه فرصة مغازلة النساء وخطبتهن، وكن يلعبن أيضاً دوراً فعالاً في سوق الزواج، ففي روايات كُتّاب عصر الريجنسي، أمثال جين أوستن، كثيراً ما كان الأبطال يسعون إلى الزواج بدافع المكسب المالي أو الوجاهة الاجتماعية، غير أن الحب كان ينتصر في النهاية.
كان من الممكن أن تنشأ علاقة عاطفية في إحدى المناسبات الاجتماعية التي كانت تُنظّمها طبقات المجتمع الراقي في الماضي، وتلفت هولواي إلى أن الغزل الضمني في هذه الأماكن العامة كان يحمل طابعاً من المرح والتسلية، فمثلاً، وُجد ما يُسمى بـ”لغة المراوح” آنذاك، غير أنها كانت وسيلة مرحة أكثر منها أسلوباً جاداً للتواصل.
ففي عام 1797، ابتكر المصمّم تشارلز فرانسيس بانديني مروحة طُبعت عليها أبجدية مُشفرة بأحرف صغيرة مزخرفة، بهدف تمكين النساء من تبادل الرسائل عبر المسافات داخل القاعات، وأُطلق على هذه المروحة اسم “مروحة المحادثة النسائية”، وكانت تضم أوضاعاً مختلفةً لليد تشير إلى كل حرف، بأسلوب مشابه لنظام “السيمفور”، وهي طريقة تواصل استخدمها البحّارة في الغالب باستخدام الأعلام الملونة.
وتوجد مروحة أخرى تعود لعام 1798، حملت عنوان “تلغراف السيدات للمراسلة عن بُعد”، جاءت مشابهة في طبيعتها للمروحة السابقة، وتوضح هولواي قائلة: “الاستخدام الأساسي لهذه المروحة بين المحبّين كان بمثابة وسيلة للمغازلة غير المباشرة، ترافقها نظرات الشوق، وخفقان الرموش، ولمحات الرقة العاطفية”.
وتقول هولواي إن الرجال في عصر الريجنسي دأبوا على تقديم مجموعة واسعة من الهدايا للنساء، تفاوتت بين الزهور واللوحات المصغّرة، وذلك تعبيراً عن المودة، وإظهار مدى ملاءمتهم كشركاء محتملين في الحياة.
وتضيف: “كان الشريكان يتحققان من مدى توافقهما في الطباع والرؤى في الحياة من خلال تبادل الكتب كرموز تحمل رمزيّة، مع تسطير المقاطع التي اتفقا عليها أكثر من غيرها”.
وتقول: “كانوا في رسائلهم يتناولون آمالهم ومخاوفهم، ومواقفهم الأخلاقية، وما يطمحون إلى تحقيقه من الزواج، كما كانوا يسعون لبناء رابط عاطفي أعمق”.
وفي المقابل، تشير هولواي إلى أن النساء عادةً كنّ يُقدّمن للرجال هدايا مصنوعة يدوياً، مثل الزخارف المطرّزة وأطقم السترات، تعبيراً عن مهارتهن في الأعمال المنزلية وكمّ الوقت الذي استثمرنه في العلاقة، كما كنّ يُهدين زهوراً مضغوطة، كالبنفسج، والتي كانت ترمز إلى الحياء، والصدق، والحب الوفيّ.
وعلى الرغم من أن “لغة المراوح” قد اندثرت ولم تعد متداولة، فإن هولواي تشير إلى وجود بعض أوجه تشابه مع الكيفية التي لا يزال يستخدمها الشركاء في العصر الحديث مثل الهدايا والرسائل كوسائل للتقارب وبناء العلاقات العاطفية.
وتوضح هولواي: “جميع هذه الطقوس ساهمت في بناء حالة من الحميمية والتقارب العاطفي، على نحوٍ لا يختلف كثيراً عن ممارسات الأزواج في العصر الحديث، عندما يتبادلون الهدايا، والرسائل النصية، والبريد الإلكتروني، ويخططون للمواعيد والرحلات، ويقضون الوقت معاً من أجل اختبار مدى انسجامهم وتوافقهم”.
“أقدم أشكال التواصل الاجتماعي”
وسرعان ما حظيت هذه التقنية المتطورة في المجتمع الفيكتوري البريطاني بالاستخدام لأغراض عاطفية، من خلال ما يعرف باسم “بطاقات التعارف المصورة”، وهي صور شخصية بحجم يقارب (9 سنتيمترات× 6 سنتيمترات)، تُثبّت على بطاقة ورقية، وتُرسل إلى الأحباء المحتملين.
ونظراً لانخفاض تكلفة بطاقات التعارف المصورة وسهولة تداولها، كان من الممكن أن تنتشر الصورة الشخصية بشكل واسع، تماماً كما تنتشر الصور عبر الإنترنت في وقتنا الحاضر، كما لجأ البعض إلى نشر إعلانات يطلبون من خلالها تبادل هذه البطاقات، بينما كان العشّاق يحتفظون ببطاقات أحبّائهم إلى جوارهم.
ويقول جون بلنكيت، الأستاذ المساعد بقسم اللغة الإنجليزية في جامعة “إكسيتر” البريطانية: “كانت أشبه برمز ينطوي على إحساس عاطفي خاص”.
أتاحت بطاقات التعارف المصورة لبعض الأفراد أول فرصة، بل ربما الوحيدة، لالتقاط صورة شخصية، وكما هو الحال مع تطبيقات المواعدة المعاصرة، أتاحت هذه البطاقات للبعض تكوين انطباع أوليّ عن الشخص.
ويقول بلنكيت إن هذه البطاقات تجعلك “ترتدي أجمل ما لديك من ملابس، تلك التي تحتفظ بها ليوم الأحد”، وكان الأشخاص يعكسون بعضاً من شخصياتهم في الصور، سواء من خلال الظهور وهم يمارسون القراءة أو اتخاذ وضعيات تعبّر عن الهيمنة أو التواضع، مضيفاً أنها كانت “فرصة لترك بصمة تعبّر عن ذاتك، ومحاولة للظهور بمكانة اجتماعية أعلى”.
أصبح من المألوف تحويل بطاقات التعارف المصورة الخاصة بأوثق العلاقات الاجتماعية إلى لوحات تركيبية، كما ظهرت أنماط فنية تتمحور حول تصوير الأصدقاء في أوضاع غريبة ومبتكرة، مثل جمعهم في غرفة جلوس مصوّرة، أو تجسيدهم كضحايا عالقين في شبكة عنكبوت، وكان الغرض من ذلك حفظ هذه التذكارات ضمن دفاتر الذكريات، والتعبير عن عمق الروابط التي تجمع بين الأصدقاء.
وكان الأفراد، في العديد من بطاقات التعارف المصورة، التي يُمكن الاطلاع عليها في متحف فيكتوريا آند ألبرت بلندن، يتخذون وضعيات تصويرية بصحبة أشياء تعبّر عن الثراء، كالأعمال الفنية والتماثيل، وأحياناً مع حيواناتهم الأليفة.
ويفسر بلنكيت أن استخدام الدعائم كان يُعين الأفراد على الثبات خلال جلسات التصوير، نظراً لطول مدة التقاط اللقطة التصويرية التي كانت تتطلبها الصور في تلك الحقبة مقارنة بالتصوير الحديث، كما ساعدت هذه الدعائم على خلق “إحساس بخلفية فخمة” أو إظهار المهنة التي ينتمي إليها الشخص، على سبيل المثال.
“رومانسية ملاهي برلين الليلية”
مع نهاية العصر الفيكتوري، بدأت الأعراف الاجتماعية تتساهل، وبدأ الباحثون عن شركاء يذهبون إلى أماكن جديدة، فكانت قاعات الرقص تقدم موسيقى نشطة حتى ساعات متأخرة من الليل، وتطورت رقصات الـ “راجتايم” إلى موسيقى الجاز في القرن العشرين، كما أصبح من المقبول اجتماعياً أن تتردد النساء العازبات على الحانات والملاهي برفقة صديقاتهن للتعرف على أشخاص جدد، ومع ظهور هذه الأماكن الجديدة، ظهرت أيضاً وسائل جديدة للتعبير عن الانجذاب.
فخلال عشرينيات القرن الماضي، كانت برلين مدينة نموذجية للحياة الليلية الحديثة للغاية، وتقول جينيفر إيفانز، أستاذة التاريخ الاجتماعي في القرن العشرين بجامعة كارلتون في أوتاوا، كندا، ومؤلفة كتاب ” الحياة بين الدمار: المشهد الحضري والجنس في برلين خلال الحرب الباردة: “كانت بعض ملاهي برلين هائلة الحجم، متعددة الطوابق، مزودة بأرضيات متحركة، وحتى بمسابح لعروض الباليه المائي”.
أتاحت التكنولوجيا في تلك الحقبة للراقصين ممارسة المغازلة بسهولة في الملاهي المزدحمة، وأصبح ملهى ليلي في برلين، معروف باسم “ريزي”، مشهوراً بتقديم وسائل للرواد للتواصل عبر الهاتف أو نظام أنابيب هوائية على طاولاتهم، ويتشابه هذا النظام بالأنابيب المستخدمة في المراسلات الداخلية بالمكاتب والمتاجر والبنوك، حيث توضع الرسالة داخل علبة معدنية وتُدفع عبر أنبوب يتم تفريغه بالهواء وصولاً إلى الجهة المقصودة.
كان بإمكان الأفراد كتابة رسالة على ورق وإرسالها إلى لوحة تجميع، حيث يقوم شخص بقراءتها للتحقق من مدى ملاءمتها وتهذيبها (بطريقة مشابهة لأساليب مراقبة المحتوى في وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة) قبل توجيهها إلى طاولة المستلم. وبالإضافة إلى الرسائل، كان من الممكن شراء وإرسال هدايا متنوعة “من سجائر إلى تحف صغيرة وصولاً إلى الكوكايين”، وفقاً لما ذكرته إيفانز.
وتقول: “هناك بلا شك جانب مشوق في أن ترى من تحبه عبر غرفة وهو يتلقى الرسالة، وهو أمر مخفيّ عن العلن، فردود أفعال الشخص، سواء كانت إيجابية أو سلبية، مباشرة وصريحة، تتعزز بأجواء المرح والخفة التي تميز المكان. ربما حان الوقت لإعادة هذه العادة”.
وتلفت إيفانز إلى أن اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 أنهى هذه الطريقة من التفاعل الاجتماعي، إلا أن بعض أنظمة الاتصال في الملاهي الليلية استمرت في ما عُرف لاحقاً ببرلين الغربية بعد الحرب. وأُعيد افتتاح ملهى “ريزي” في عام 1951.
وتقول: “أظن أننا نبتكر دوما وسائل جديدة للتواصل مع بعضنا البعض، معبّرين عن رغباتنا في هذه الفضاءات الهامشية أو السريّة. يبدو أن ذلك يعكس كثيراً طبيعتنا الإنسانية وعمق حاجتنا للارتباط”.
“تلميحات سريّة في مجتمع الميم”
لجأت العلاقات المثلية لفترات طويلة إلى الاعتماد على أساليب تواصل بديلة نتيجة لتاريخ من الاضطهاد والتهميش استهدف أفراد مجتمعات الميم، فتاريخياً أتاحت التلميحات السريّة لهذه المجتمعات التعارف والعثور على شركاء مع محاولتهم الحفاظ على سلامتهم من العداء والعنف والقوانين القمعية.