لماذا تتسارع سياسة الهدم في الضفة الغربية؟

تصعّد قوات الاحتلال الإسرائيلي سياسة هدم المنازل والمنشآت في الضفة الغربية بوتيرة متسارعة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ تجاوزت حصيلة عمليات الهدم 4 آلاف منزل ومنشأة على الأقل، مما فاقم الأوضاع الإنسانية ورفع عدد الفلسطينيين الذين هُجّروا قسرا من منازلهم إلى أكثر من 40 ألف نازح.

ويأتي هذا التصعيد في سياق أوسع تفرض فيه إسرائيل سيطرتها الكاملة على أكثر من 61% من مساحة الضفة الغربية، ضمن سياسة يرى الفلسطينيون أنها تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي، وفرض وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها.

وفي لقاء للجزيرة مع إحدى العائلات المتضررة، أوضح عمار أبو شارب أن قرار الهدم ينعكس مباشرة على حياة أسرته اليومية، مشيرا إلى أنه يعيش مع عائلته في بلدة جيوس شرق قلقيلية شمالي الضفة الغربية، ويقضون ليلة انتظار جديدة خشية تنفيذ قرار هدم منزلهم المتواضع، الذي كان حلما طال انتظاره بعد سنوات من العمل والمعاناة.

وأضاف أن لديه خمس بنات صغيرات لا مأوى لهن سوى هذا البيت، لكنَّ العائلة باتت تستعد لاحتمال البقاء في خيمة على الأرض ذاتها إذا نُفذ قرار الهدم.

ولا يقتصر المشهد على القرى، ففي نابلس، وتحديدا في منطقة التعاون العلوي، مُحيت صباحا سنوات من التعب بقرار هدم إسرائيلي بذريعة القرب من المستوطنات.

وتدعم الأرقام الرسمية هذا المشهد الميداني، إذ يؤكد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان للجزيرة أن ما يجري يعكس تصعيدا غير مسبوق، موضحا أن أكثر من 4 آلاف عملية هدم نُفذت حتى الآن، شملت ما يزيد على 1200 منزل مأهول بالسكان.

ويرى شعبان أن هذه الأرقام لا تعبّر عن إجراءات إدارية معزولة بل عن سياسة ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني نفسه، وتندرج ضمن مشروع استيطاني يسعى إلى تفريغ الأرض من سكانها وفرض وقائع جديدة بالقوة.

إعلان

ومن زاوية حقوقية أوسع، يربط مدير التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود هذا التصعيد بما يصفها بـ”البيئة القهرية الطاردة”، وهي بيئة فُرضت على الفلسطينيين منذ عام 1967، وبلغت ذروتها الحالية عبر تسريع عمليات الهدم ومصادرة الأراضي ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية.

ويوضح داود في حديثة للجزيرة أن ما تشهده الضفة الغربية ليس عمليات متفرقة بل أكبر موجة هدم منظمة، لافتا إلى أن عام 2025 وحده شهد هدم أكثر من 1400 منشأة فلسطينية بمختلف تصنيفاتها، في حين تبقي سلطات الاحتلال نحو 9000 منشأة أخرى تحت تهديد الهدم في أي وقت.

ويحذر داود من تطور نوعي، يتمثل في انتقال المستوطنين من دور التحريض إلى التنفيذ المباشر.

ويقول مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز مدى الكرمة للأبحاث من حيفا امطانس شحادة إن المستوطنين لا يعملون خارج القرار السياسي الإسرائيلي، بل يشكلون “وكلاء المشروع الاستيطاني”، وينفذون أهدافا متوافقا عليها داخل المنظومة الإسرائيلية، ويحظون بدعم وحماية كاملة من الجيش والشرطة والمخابرات.

ويضيف شحادة للجزيرة أن غياب المحاسبة يعكس تفاهما داخليا معلنا أو ضمنيا بين المستوطنين والمؤسسة الإسرائيلية، خاصة مع مشاركة ممثليهم في الائتلاف الحكومي الحالي، بما يمنحهم الغطاء السياسي لتنفيذ هذه السياسات، في حين تحاول الدولة التنصل من تبعاتها عبر الإيحاء بأن ما يجري مجرد أفعال مستوطنين.

ووسط هذا الواقع، يرى داود أن خيارات الفلسطينيين تبقى محدودة لكنها تتمثل في مواصلة رفض المشروع الاستيطاني الاستعماري، وكشف ممارسات الاحتلال أمام العالم، والاستمرار في المسار القانوني رغم هشاشته، مؤكدا أن ما يجري يمثل طبقة جديدة من “طبقات الأبارتهايد”، تُمنح فيها الامتيازات للمستوطنين، في حين يُحرم الفلسطينيون من حق البناء والتوسع وتطوير البنية التحتية.

ويخلص الفلسطينيون إلى أن استمرار عمليات الهدم، بالتوازي مع التوسع الاستيطاني، يدفع نحو تصعيد ميداني محتمل في مختلف مناطق الضفة الغربية، وسط عجز دولي متواصل عن إيقاف ما يصفونها بجريمة مكتملة الأركان بحق وجودهم على أرضهم.

 

المصدر: الجزيرة