لماذا تثقل الضغائن أجسادنا؟.. هارفارد تكشف سر التسامح كأداة للصحة العامة

في حياة كل إنسان جراح صغيرة أو كبيرة يتركها الآخرون، من كلمة قاسية أو خذلان غير متوقع، إلى ظلم يصعب نسيانه. وبينما يظن كثيرون أن التمسك بالغضب نوع من إنصاف الذات أو حفظ للكرامة، تتجه أبحاث علمية حديثة إلى نتيجة مغايرة: الضغائن لا تثقل القلب فقط، بل قد تثقل الجسد أيضا، في حين يمكن للتسامح أن يتحول إلى أداة فعالة لتحسين الصحة النفسية، وربما الجسدية كذلك.

ورغم أن التسامح صفة حث عليها الدين وعدها الناس طويلا فضيلة أخلاقية وروحية، فإن الأبحاث الحديثة تمنحها اليوم سندا أكاديميا إضافيا، وتتعامل معها بوصفها عاملا مؤثرا في صحتنا، لا مجرد قيمة معنوية جميلة.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2اصنع الفوضى!.. حيلة نفسية جديدة لترتيب المنزل
  • list 2 of 2حين لا ينطفئ زر “التشغيل”.. لماذا يتحول العمل إلى إدمان لا يعرف العطلات؟

end of list

في دراسة دولية واسعة شملت أكثر من 200 ألف شخص في 23 دولة، وجد باحثون من برنامج “الازدهار الإنساني” في كلية “هارفارد تي إتش تشان” للصحة العامة (Harvard T.H. Chan School of Public Health) أن الأشخاص الذين يميلون إلى التسامح بصورة اعتيادية -لا في موقف واحد فحسب، بل كأسلوب حياة- سجلوا مستويات أعلى من الرفاه النفسي، وشعورا أكبر بالرضا والمعنى في حياتهم، إلى جانب علاقات اجتماعية أكثر استقرارا.

Serious colleagues discussing matters of business
الصحة العامة قد تستفيد من نشر ثقافة التسامح بوصفه وسيلة لتخفيف التوتر وتعزيز التماسك المجتمعي (شترستوك)

ولا يتعلق الأمر بفضيلة أخلاقية مجردة، بل بآثار ملموسة داخل الجسم، إذ يوضح علماء النفس أن التمسك بالمرارة والضغائن يبقي الجهاز العصبي في حالة تأهب مستمر، وهي حالة ترتبط بارتفاع هرمون التوتر “الكورتيزول”، وزيادة ضغط الدم وتشنج العضلات، وارتفاع احتمالات القلق والاكتئاب. ومع مرور الوقت، قد يتحول الغضب غير المعالَج إلى عبء بيولوجي مزمن ينعكس على النوم والمناعة وصحة القلب.

وتشير الأبحاث إلى أن المشكلة ليست في شعور الغضب نفسه بوصفه استجابة بشرية طبيعية، بل في تحوله إلى ضغائن مستمرة ومرارة مزمنة تبقي الجسم في حالة استنفار طويل الأمد، ومع مرور الوقت قد تتحول إلى عبء بيولوجي مزمن ينعكس على النوم والمناعة وصحة القلب.

التسامح ليس تبرئة.. بل إنقاذ للنفس

يشدد الباحثون على أن التسامح لا يعني إنكار الأذى ولا التنازل عن الحق ولا إسقاط المسؤولية عمّن أخطأ، بل هو -في جوهره- قرار واعٍ بالتخلي عن ثقل الغضب والرغبة في الانتقام، حماية للنفس قبل أي شيء آخر.

إعلان

ويختصر عالم النفس الأمريكي فريد لوسكين الفكرة بقوله إن “التسامح هو أن تصنع سلاما مع الأشياء التي لم تجرِ كما أردتها”، أي أن تتقبل أن بعض الجراح وقعت بالفعل، وأن الاستمرار في اجترارها لن يغير الماضي، لكنه قد يفسد الحاضر ويستنزف طاقة صاحبه.

من هذا المنظور، لا يبدو التسامح “هدية” نقدمها لمن أساء إلينا بقدر ما هو فعل عناية بالذات، ومحاولة لوقف النزيف الداخلي الذي لا يراه أحد.

Man experiencing chest pain outdoors, clutching his heart in distress, concept of heart attack, health emergency; Shutterstock ID 2412878225; purchase_order: aj; job: ; client: ; other:
الضغائن تترك آثارا تتجاوز المشاعر إذ ترتبط بارتفاع مستويات التوتر واضطرابات في القلب  (شترستوك)

هل يمكن تعلّم “مهارة” التسامح؟

المفاجئ أن علماء النفس لا ينظرون إلى التسامح باعتباره صفة فطرية فقط، بل مهارة قابلة للتعلم والتدريب.

في برامج علاجية طورتها جامعة ستانفورد، أظهرت تدخلات منظّمة لتعليم التسامح قدرة على خفض مستويات الاكتئاب وتقليل التوتر وزيادة الأمل لدى المشاركين. تبدأ هذه البرامج غالبا من الاعتراف بالألم بدل إنكاره، ثم إعادة تفسير الحدث المؤلم، ومحاولة فهم دوافع الطرف الآخر -من دون تبرير إساءته- وصولا إلى تحرير الذات من سجن الغضب.

ومن بين الأساليب العلاجية المستخدمة ما يعرف بـ”الكرسي الفارغ” (Empty Chair)، إذ يتخيل الشخص أنه يواجه من آذاه جالسا أمامه على كرسي، فيعبر بصراحة عن مشاعره المكبوتة، ثم ينتقل -من موقع ذلك الشخص هذه المرة- لمحاولة فهم الخلفيات النفسية أو الظروف التي صنعت ذلك الأذى.

لا تمحو هذه العملية الذاكرة، لكنها قد تخفف وطأة الألم، وتسمح برؤية أوسع من مجرد دور “الضحية” و”الجلاد” الثابتين.

Side view awakened woman sit on bed, rise arms up, stretch back feels refreshed after enough healthy night sleep on orthopaedic mattress on window background. Good morning, welcoming new day concept
الأبحاث العلمية تشير إلى أن الأشخاص الأكثر ميلا إلى الغفران يعيشون مستويات أعلى من الرفاه النفسي (شترستوك)

سياسة صحة عامة لا مجرد نصيحة روحية

الأكثر إثارة أن بعض العلماء بدأوا ينظرون إلى نشر ثقافة التسامح باعتبارها أداة للصحة العامة، لا مجرد نصيحة أخلاقية لطيفة، فإذا كان الغضب المزمن يرفع التوتر على مستوى الفرد والمجتمع، ويزيد العزلة ويغذي الانقسامات، فإن تعليم الناس كيف يفرجون عن مشاعر المرارة قد يسهم في بناء مجتمعات أكثر هدوءا وتماسكا.

لهذا تطرح دراسات حديثة إدماج مفاهيم التسامح في المناهج التعليمية وحملات التوعية وبرامج الدعم النفسي المجتمعي، بوصفها استثمارا طويل الأمد في الصحة النفسية والجسدية، وليس ترفا أخلاقيا.

في النهاية، قد لا يكون التسامح هدية نقدمها لمن أخطأ في حقنا، بقدر ما هو هدية نمنحها لأنفسنا، تخفيفا لعبء لا يراه أحد، لكنه ينهك القلب والعقل بصمت. وفي عالم يزداد توترا يوما بعد يوم، ربما يصبح التخلي عن الضغائن أحد أبسط أشكال النجاة، وأقصر الطرق إلى قدر من السلام الداخلي لا تمنحه لنا أي “انتصارات” صغيرة في معارك الغضب اليومية.

 

المصدر: الجزيرة