لم تمت بعد.. كيف تبدأ السيارات القديمة حياة جديدة بعد التقاعد؟

تنتج شركات السيارات حول العالم ملايين المركبات كل عام، وفي المقابل يخرج عدد هائل من السيارات القديمة والمنتهية الصلاحية من الخدمة. وهنا يبرز سؤال مهم: ماذا نفعل بهذه المركبات بعد أن تنتهي رحلتها على الطريق؟

قد يظن البعض أن السيارة التي تكررت أعطالها وتهالك هيكلها لم يعد أمامها سوى التوقف النهائي، وكأنها وصلت إلى “الركنة الأخيرة” التي لا عودة بعدها. لكن الواقع مختلف تماما؛ فهذه النهاية ليست سوى بداية لرحلة جديدة، إذ يمكن أن تتحول السيارة القديمة إلى مواد خام تدخل في تصنيع سيارة أحدث، أو في إنتاج سلع أخرى نستخدمها يوميا دون أن نعرف أنها كانت ذات يوم جزءًا من مركبة خرجت من الخدمة.

السيارة القديمة يمكن أن تتحول إلى مواد خام تدخل في تصنيع سيارة أحدث، أو في إنتاج سلع أخرى (مولدة بالذكاء الاصطناعي)
السيارة القديمة يمكن أن تتحول إلى مواد خام تدخل في تصنيع سيارة أحدث (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ما معنى إعادة تدوير السيارات؟

إعادة التدوير، في معناها العام، هي إعادة استخدام المنتجات أو موادها الخام بصورة جديدة بدلا من التخلص منها كنفايات. وفي حالة السيارات، تشير العملية إلى منظومة صناعية متكاملة تهدف إلى الاستفادة من المركبات التي انتهى عمرها الافتراضي أو تعرضت لحوادث جعلتها غير صالحة للاستخدام.

تجري هذه العملية داخل مراكز ومصانع متخصصة تعمل على تفكيك السيارات، وفرز مكوناتها، ومعالجة المواد القابلة للاستعمال، تمهيدًا لإعادة تصنيعها. والهدف من ذلك ليس فقط تقليل حجم النفايات الصلبة، بل أيضا الحد من الأضرار البيئية والصحية التي قد تسببها المركبات المهملة إذا تُركت دون معالجة.

وتكمن أهمية هذه الصناعة في أن أكثر من 95% من أجزاء السيارات القديمة يمكن إعادة استغلالها، سواء على هيئة معادن، أو زجاج، أو بلاستيك، أو مطاط، أو ألياف، وهي جميعا مواد قابلة للدخول في صناعات جديدة متنوعة.

تبدأ عملية إعادة التدوير عن طريق تجميع شركات متخصصة للسيارات القديمة التي انتهت صلاحيتها (بيكسلز)
تبدأ عملية إعادة التدوير عن طريق تجميع شركات متخصصة للسيارات القديمة التي انتهت صلاحيتها (بيكسلز)

من المصنع إلى المنتج الجديد

في كثير من دول العالم، توجد مصانع متخصصة في إعادة تدوير السيارات المتهالكة. تدخل السيارة إلى هذه المساكن بهيكلها الكامل، ثم تخرج في النهاية على هيئة مواد صغيرة مفصولة ومصنفة، كل منها مهيأ لمرحلة جديدة من الاستخدام.

إعلان

وتتم هذه العملية عبر عدة مراحل رئيسية، لكل منها دور أساسي في تحويل السيارة من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي.

المرحلة الأولى: التجميع

تبدأ الرحلة بجمع السيارات المنتهية الصلاحية من خلال شركات متخصصة وشبكات من المراكز المعتمدة. وتستقبل هذه الجهات المركبات القديمة أو الخارجة من الخدمة، ثم تنقلها إلى مصانع إعادة التدوير المجهزة للتعامل معها.

وتعد هذه الخطوة المدخل الأساسي للعملية كلها، لأنها تنظم انتقال المركبات القديمة من الشوارع والساحات إلى مسار صناعي منضبط وآمن.

المرحلة الثانية: إزالة السوائل والزيوت

تعد هذه من أهم مراحل إعادة التدوير، لأن السيارة تحتوي على مجموعة من المواد السائلة التي قد تسبب أضرارا بيئية كبيرة إذا لم تُسحب بطريقة سليمة.

وعند دخول السيارة إلى المصنع، تبدأ عملية تفريغ الوقود، وزيوت المحرك، وزيوت الفرامل، وزيت ناقل الحركة، وسوائل نظام التوجيه (Power steering)، وغاز التكييف (Freon)، وسوائل التبريد (Radiator)، وغيرها من السوائل.

وبعد سحب هذه المواد، يتم التخلص منها أو معالجتها وفق معايير آمنة ومدروسة، لأن التعامل العشوائي معها قد يؤدي إلى تلوث التربة والمياه والهواء.

بعض أجزاء السيارات القديمة تصلح للاستخدام كقطع غيار (بيكسلز)
بعض أجزاء السيارات القديمة تصلح للاستخدام كقطع غيار (بيكسلز)

المرحلة الثالثة: التفكيك

بعد إزالة السوائل، تبدأ مرحلة تفكيك مكونات السيارة. وفي هذه المرحلة يجري فرز الأجزاء إلى نوعين: أجزاء ما زالت صالحة للاستخدام، وأخرى انتهى عمرها الافتراضي.

فبعض القطع القديمة يمكن إعادة بيعها أو استخدامها كقطع غيار لسيارات أخرى من الطراز نفسه ما زالت تسير على الطرق. كما تُزال في هذه المرحلة المكونات الخطرة مثل البطاريات وبعض الشرائح الإلكترونية، إلى جانب الإطارات التي تُرسل بدورها إلى مصانع متخصصة لإعادة تدويرها.

وتدخل الإطارات المعاد تدويرها في صناعات متعددة، مثل الأسفلت، ومواد البناء، والمطاط الصناعي، ما يوسع دائرة الاستفادة من السيارة القديمة إلى ما هو أبعد من قطاع السيارات نفسه.

المرحلة الرابعة: الكبس والتقطيع

بعد تفكيك الأجزاء القابلة للفصل، يتبقى الهيكل المعدني للسيارة، وهنا يدخل دور المعدات الثقيلة.

يُنقل الهيكل إلى آلة كبس ضخمة تضغطه لتقليل حجمه، ثم يمر إلى آلة تقطيع وفرم تقوم بتحويله إلى قطع معدنية صغيرة. وتساعد هذه الخطوة على تسهيل المرحلة التالية، وهي الفرز الدقيق للمواد بحسب نوعها.

المرحلة الخامسة: الفصل والفرز

في هذه المرحلة تُستخدم تقنيات متنوعة، من بينها أجهزة مزودة بمغناطيس ضخم، لفصل المعادن الحديدية مثل الفولاذ والحديد عن بقية المواد.

بعد ذلك يجري فرز المواد الأخرى، مثل الألومنيوم، والنحاس، والزجاج، والبلاستيك، والألياف، بحيث يُفصل كل نوع على حدة تمهيدًا لإعادة استخدامه أو نقله إلى مصانع متخصصة.

وهذه المرحلة شديدة الأهمية، لأنها تحدد جودة المواد المستخرجة، ومدى صلاحيتها للدخول في عمليات تصنيع جديدة بكفاءة عالية.

الإطارات المتهالكة يتم إعادة تدويرها واستخدامها في الأسفلت ومواد البناء وغيرها (بيكسلز)
الإطارات المتهالكة يتم إعادة تدويرها واستخدامها في الأسفلت ومواد البناء وغيرها (بيكسلز)

المرحلة السادسة: إعادة التصنيع

في المرحلة الأخيرة، تُنقل المعادن والمواد المستخلصة إلى أفران ومصانع متخصصة، حيث يجري صهرها أو معالجتها لتتحول إلى مواد خام قابلة للدخول في منتجات جديدة.

إعلان

وقد تعود هذه المواد مرة أخرى إلى قطاع السيارات نفسه، أو تدخل في صناعات أخرى، وهو ما يجعل السيارة القديمة جزءًا من دورة إنتاج مستمرة بدلًا من أن تصبح نفايات منسية.

فوائد بيئية واقتصادية

لا تقتصر أهمية إعادة تدوير السيارات على التخلص من مركبات قديمة، بل تمتد إلى مكاسب بيئية واقتصادية واضحة.

فعلى المستوى البيئي، تسهم هذه الصناعة في تقليل النفايات، والحد من التلوث، وخفض الانبعاثات الكربونية، كما تقلل الحاجة إلى استخراج مواد خام جديدة من باطن الأرض، وهو ما يخفف الضغط على الموارد الطبيعية.

أما على المستوى الاقتصادي، فإعادة التدوير تساعد على خفض تكاليف الإنتاج، لأن استخدام المعادن والمواد المعاد تدويرها غالبا أقل كلفة من استخراجها وتصنيعها من الصفر. كما أن إقامة مصانع ومراكز متخصصة في هذا المجال توفر فرص عمل جديدة، وتسهم في دعم الاقتصاد الوطني من خلال خلق سلاسل إنتاج وصناعات مساندة.

أكثر من 95بالمئة من أجزاء السيارات القديمة يمكن إعادة استغلالها مجددا (بيكسلز)
أكثر من 95%من أجزاء السيارات القديمة يمكن إعادة استغلالها مجددا (بيكسلز)

تحديات تعرقل الصناعة

ورغم الفوائد الكبيرة، فإن صناعة إعادة تدوير السيارات لا تخلو من التحديات.

من أبرز هذه التحديات ارتفاع تكلفة التقنيات الحديثة المطلوبة لفصل المواد ومعالجتها بكفاءة، إلى جانب الحاجة إلى التعامل الخاص مع بعض المواد الخطرة. كما أن تطور السيارات الحديثة وتعقد أنظمتها الإلكترونية والذكية يجعل عملية تفكيكها وإعادة تدويرها أكثر صعوبة من السابق.

يضاف إلى ذلك ضعف الوعي في بعض المجتمعات بأهمية هذه الصناعة، سواء على مستوى الأفراد أو الجهات المعنية، وهو ما يحد من انتشارها بالقدر الذي تستحقه.

الذكاء الاصطناعي يدخل على الخط

ومع دخول التكنولوجيا المتقدمة إلى عالم السيارات، بدأت تقنيات إعادة التدوير بدورها تتطور. فالمصانع الحديثة باتت تستخدم الروبوتات والذكاء الاصطناعي والآلات الذكية في عمليات التفكيك والفصل وفرز المواد.

وتساعد هذه التقنيات على رفع الكفاءة، وتقليل الأخطاء، وتسريع العمل، ما يجعل صناعة إعادة التدوير أكثر قدرة على مواكبة السيارات الجديدة وما تحمله من مكونات معقدة.

 

المصدر: الجزيرة