فقد الخماسي الأقوى في المجلس العسكري، الذي أطاح عام 2020 بالرئيس المالي المنتخب إبراهيما كيتا، أحد أبرز قادته، بعد مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا في هجمات السبت الدامي في 25 أبريل/نيسان الماضي، وبدا أن ركنا من أركان بيت الجنرالات الشباب قد انهد، وسط حالة من الوجوم والذهول تهيمن على أنصار النظام الحاكم، ليكشف ذلك الموت حجم التحديات التي يواجهها أحد أكثر الأنظمة هشاشة في المنطقة.
وإذا كان النظام قد فقد وزير دفاعه، في واحدة من أصعب الهجمات التي واجهها النظام العسكري الحاكم، فإن بقاء رأسه الجنرال آسيمي غويتا، حيا وظهوره بعد أيام من شائعات مقتله أو إصابته، أعاد مستوى من التوازن الهش إلى أرضية مدعمة بكثير من الدماء واللهب.
وفي تفاصيل الصورة الغارقة في الدخان لا يحتل غويتا وحده مساحة الضوء كلها، وإن كان الأهم والأكثر تأثيرا لحد الآن في مشهد ما بعد سبت الـ25 من أبريل/نيسان الماضي، فمن هم أهم قادة مالي الآن؟ ومن هم أيضا أبرز قادة الجماعات المسلحة المناوئة لحكام باماكو؟
آسيمي غويتا.. الجنرال الذي أدار بوصلة مالي
يمثل آسيمي غويتا الشخصية الأكثر إثارة في النظام المالي المتعدد الرؤوس، كما يُعتبر أيضا رجل باماكو الأقوى الذي اختار خلافا لسابقيه أن يجعل من قصر كولابا مقر عمل لا مستقر سكن، ليقيم بعد ذلك في كتيبة محصنة في مدينة كاتي، التي استقبلت بدورها أقسى هجوم مسلح نفذته الجماعات المسلحة منذ عقود، وراح ضحيته عدد من القتلى على رأسهم وزير الدفاع ساديو كامارا.
فبعد استيلائه على السلطة، انتشرت مزاعم، لم تُؤكَّد من مصادر موثوقة، عن تعرضه للأسر لفترة قصيرة أثناء خدمته العسكرية في الشمال المالي، على يد جماعة أنصار الدين التي يقودها غريمه إياد آغ غالي زعيم قبيلة إيفوغاس الطارقية، وزعيم التحالف الذي ينضوي تحته تنظيم القاعدة في منطقة الساحل.
نفذ غويتا انقلابين، أطاح الأول منهما بالرئيس المنتخب المرحوم إبراهيما بوبكر كيتا، في حين أطاح الثاني بالرئيس الانتقالي العقيد باه نداو الذي نصَّبه الانقلابيون وأرادوه رئيسا صوريا وعند محاولته السيطرة على الحكم، أطاحوا به، ونصَّب غويتا نفسه رئيسا للبلاد.

وكثرت وعود غيتا، وكثرت أيضا إخفاقاته، إضافة إلى كثرة خصومه وأعدائه داخل وخارج البلاد، ومن أبرز ما يواجه الرجل:
- الإخفاق الشديد في الانتقال إلى الديمقراطية، مع المطبات الهائلة التي تعترض الانتقال السياسي في مالي، خصوصا مع الإعلان الدستوري الذي منح الحكم العسكري في مالي شرعية قانونية وزمنا مفتوحا قبل العودة إلى الحكم المدني المفقود.
- انعكاس مؤشر الانتصارات والتقدم العسكري إلى هزائم متكررة، كان من آخرها سيطرة حركة نصرة الإسلام والمسلمين والحركة الوطنية لتحرير أزواد على مدن مركزية في الشمال مثل كيدال وأجزاء من غاوة وموبتو وسفاري، وقواعد عسكرية في الشمال، إضافة إلى الحصار الذي فرضته الجماعات المسلحة على باماكو.
- حجم الخلاف والصراع الشديد مع بعض دول الطوق المحيطة بمالي وخصوصا الجزائر، وإلى حد ما موريتانيا، مع علاقة مضطربة تتحسن أحيانا وتتوتر في أحيان أخرى مع السنغال، بالتوازي مع الأزمات المعلنة التي كادت تصل إلى حد المواجهة مع الجزائر وموريتانيا.
- حجم الصراع العميق مع الاتحاد الأوربي وخصوصا المستعمر السابق فرنسا التي لا يمكن تبرئتها من تنسيق بعض مشاهد أحداث السبت الماضي في باماكو.
ويُضاف إلى ذلك حجم الامتعاض داخل القوى السياسية في مالي تجاه سياسات الحكومة العسكرية، التي زجت بعدد كبير من الشخصيات المالية والقوى الشبابية في السجون، فضلا عن تهجير عدد من الرموز السياسية بسبب القمع، مثل حالة السياسي والإمام الشهير محمود ديكو المناوئ بقوة لنظام الانقلابيين.
ومع ذلك فإن السيد غويتا يملك نقاط قوة متعددة أبرزها:
- سيطرته على أهم أركان الجيش المالي، باعتباره القائد الفعلي الأكثر عمقا وتأثيرا في المؤسسة العسكرية.
- حجم العلاقات الخارجية النوعية، وخصوصا مع روسيا الحليف العسكري والسياسي للنظام المالي، إضافة إلى تركيا التي تُعتبر من أبرز داعمي باماكو، يضاف إلى ذلك دول أخرى مهمة مثل المغرب التي حصلت من غويتا على اعتراف بمغربية الصحراء، ثم الإمارات العربية المتحدة.
كما أن دولا مهمة في الاتحاد الأوربي مثل إيطاليا وألمانيا لا تشاطران فرنسا موقفها العدائي لغويتا الذي يُعتبر أيضا زعيما ساحليا مهما، باعتباره مؤسس تحالف دول الساحل البديل الظرفي عن منظمة الإيكواس.
ساديو كامارا.. الصقر الذي فتح الباب لروسيا
يُعتبر وزير الدفاع المالي الراحل الجنرال ساديو كامارا (47 عاما) الرجل الثاني في النظام، وأحد أهم أعضاء “النواة الصلبة” لضباط انقلاب 2020، وقد توفي في هجوم السبت 25 أبريل/نيسان متأثرا بجروح بليغة جراء هجوم انتحاري على منزله في قاعدة “كاتي” الحصينة بالقرب من العاصمة باماكو.
وقد ارتبط اسمه بأمرين مهمّين:
- أحدهما التدخل العسكري الروسي في مالي (استقدام مقاتلي فاغنر التي أصبحت فيلق أفريقيا)، حيث كان عرّاب هذا التدخل ومهندسه، وهو التدخل الذي جاء لملء الفراغ الذي تركه طرد القوات الفرنسية والأوروبية من البلاد.
- أما الأمر الثاني، فهو الهجوم الذي شنته القوات المالية على الحركات المسلحة في الشمال، وبمقتضاه استعادت كبريات مدن أزواد بعد فترة طويلة من سيطرة الحركات المسلحة على بعضها.
مالك دياو.. الجنرال الذي يقود برلمان النظام
يتولى مالك دياو رئاسة المجلس الوطني الانتقالي في مالي منذ 2020، وهو مجلس صنعه الانقلابيون على أعينهم ليكون برلمانهم الخاص وهيئتهم التشريعية المعبرة عنهم، وقد اتجهت الأنظار سريعا إلى مالك دياو، يوم كان القائد المساعد لثكنة كاتي التي خرج منها الانقلابيون، بل شاع أنه هو زعيم المتمردين الذين أطاحوا بالنظام، ليظهر بعد ذلك غويتا باعتباره الرجل القوي في نظام ما بعد كيتا.
ترقى دياو في الرتب العسكرية من عقيد إلى جنرال، وحافظ على علاقات وطيدة جدا مع الرئيس غويتا، مما جعله موضع اتهام خارجي دائم بأنه ركن أساسي للانهيار الديمقراطي في مالي، وهو محل عقوبات أوروبية وانتقادات حقوقية، لكونه أسهم وفقا لهؤلاء في:
- عرقلة الانتقال: من خلال إفراغ المجلس الوطني من مهامه، وتجاوز المدة المقررة للانتقال (18 شهرا) حيث وصلت لحد الآن حوالي 5 سنوات.
- إقرار تشريعات مناقضة لروح ميثاق الانتقال الديمقراطية: من خلال السماح لقائد الانقلاب وأعضائه وأعضاء الحكومة بالترشح للرئاسيات والمجالس التشريعية.
- تشريع سلطة غويتا: من خلال إقرار مأمورية غير انتخابية للرئيس غويتا مدتها خمس سنوات قابلة للتجديد، وذلك من خلال جلسة برلمانية بتاريخ 3 يوليو/تموز 2025.
وفيما تتشظى سلطة الانقلاب في مالي، بعد اغتيال وزير الدفاع ساديو كامارا -وفقا لمعارضيها- فإن من المتوقع أن يعزز مالك دياو سلطته وحضوره في السلطة المترنحة.
الجنرال موديبو كوني.. رئيس المخابرات
ينتظم موديبو كوني ضمن الطبقة العليا لقادة اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب بقيادة الرئيس آسيمي غويتا، وهو أحد الخمسة الأوائل في هذه اللجنة، وقد شغل منصب النائب الثالث لرئيس اللجنة، قبل أن يُعيَّن وزيرا للأمن والحماية المدنية (وزير الداخلية).
تلقى كوني المولود سنة 1977 تدريبات وتكوينات في دول متعددة منها الصين، كما يصفه بعض المراقبين بعرّاب العلاقة مع تركيا، إذ يرى بعض المراقبين أنه لعب دورا في تعزيز العلاقات بين مالي وتركيا في ظل النظام الحالي، وهي شراكة أسهمت في حصول مالي على طائرات بيرقدار التركية المسيرة، فيما كان نظيره وزير الدفاع الراحل عرّاب علاقة أخرى وطيدة مع روسيا، في تنافس بين الرجلين والبلدين على مالي أمنا وذهبا.
يتولى كوني حاليا رئاسة المخابرات المالية، وهو ما يجعله رجل علاقات دولية، ويبدو أحد المغضوب عليهم أوروبيا، لكن حظوظه في تعميق حضوره وموقعه في سلطة ما بعد سبت الخامس والعشرين من أبريل أصبحت أكثر وأقوى، حتى وإن كان حضور ضابط مثقل بتجربة صراع مرير داخل نظام منهك.
العقيد إسماعيل واغي.. دبلوماسي الانقلابيين
يؤدي العقيد واغي وظيفة الناطق الرسمي باسم اللجنة العسكرية الحاكمة في مالي وهو من قرأ البيان الأول، ويتولى الآن منصب وزير المصالحة الوطنية برتبة فريق.
وأُسند إليه ملف التفاوض باسم حكومة الانقلابيين في مالي، ويقدّمه أنصاره على أنه “حمامة السلام” في مالي، دون أن ينجح واغي في صناعة تحولات دبلوماسية كبيرة في علاقة بلاده مع خصومه السابقين.
ورغم أن مهمته داخلية بالأساس، وتركّز على ملفات المصالحة والتوازنات الداخلية، فإنه يشارك وزير الخارجية في بعض الأدوار الخارجية نظرا للتقاطعات والتشابكات وتداخل الملفات الخارجية والداخلية في السياق المالي.
ونتيجة لذلك، يرى البعض أنه بات عنصرا مهما في السياسة الخارجية لباماكو، خصوصا مع تحالف دول الساحل، وكذا روسيا وتركيا والصين والإمارات والمغرب، إلا أنه ما زال مخفقا في تحسين علاقات باماكو مع الجزائر ونواكشوط.
ويُتوقع أن يكون لواغي دور أكثر في مستقبل النظام الحاكم، خصوصا بعد رحيل رجل روسيا القوى ساديو كامارا.
الجنرال عبد الله مايغا.. لسان دائم لهجاء فرنسا
لا ينتمي مايغا إلى الخماسي التأسيسي للانقلاب لكنه أصبح مع الزمن جزءا أساسيا من دائرة الحكم العميقة، حيث يتولى منصب الوزير الأول، وهو إلى ذلك أحد أهم خطباء المجلس العسكري ومؤثريه الإعلاميين، وتمكّنه براعته في اللغة الفرنسية من صناعة مساحة ضوء لدى الشباب القومي المالي، خصوصا مع هجائياته المطولة لفرنسا ومصالحها في أفريقيا، وطريقته في انتقاء عباراته بلغة مولييرية عتيقة.
يتعزز وجود مايغا مع روح الانتقام ومحاولة الترميم التي يسعى إليها النظام العسكري في مالي، بعد ضربة السبت الأسود الدامي.
وفي آغسطس/آب 2022، عُين وزير الإدارة الإقليمية واللامركزية عبد الله مايغا رئيسا للحكومة بالوكالة، بدلا من المدني شوغيل كوكالا مايغا الذي أُدخل المستشفى قبل ذلك بأيام.
ورغم اشتراك الاثنين في اللقب العائلي “مايغا” فإنهما لا يرتبطان بقرابة، وإن اشتركا هواية الهجاء المستمر لفرنسا.
استطاع مايغا التقرب أكثر إلى رئيس المجلس العسكري الحاكم آسيمي غويتا، وأصبح الصوت الذي يجسّد سياسة القطيعة مع فرنسا وحلفائها التي اعتُمدت بعد الانقلاب الثاني الذي أطاح في مايو/أيار 2021 بالرئيس ورئيس الوزراء المدنيَّين.

ثلاثة جيوش.. تحت لواء الحرب مع غويتا
لم تكن ضربة السبت (الخامس والعشرين من أبريل المنصرم) حدثا عاديا في تاريخ مالي، بل كانت فارقة في حجم الحشد الذي تقدره مصادر أمنية إقليمية في الساحل بأكثر من 10 آلاف مقاتل، وكذا في نوعية الاستهداف وتوقيته والأضرار التي انبلج عنها صباح السبت المذكور.
وإذا كان التنسيق قد حصل بالفعل وتقاسم الأدوار، فإن مستويات التباين بين تلك القوى المنضوية تحت لواء العداء لنظام غويتا عميقة جدا، مما قد يحول دون تحقيق أهدافها، حيث التناقض بين المشاريع والأشخاص والقوميات.
ومن أبرز هذه القوى:
إياد آغ غالي.. سفر متواصل على رمال متحركة
ينتمي إياد غالي الملقب بـ”أبو الفضل” إلى أسرة الزعامة في قبيلة إيفوغاس الطارقية، وهو الآن زعيم التحالف الذي ينضوي تحته تنظيم القاعدة في منطقة الساحل، يتوكأ إياد على 72 سنة، وعلى تاريخ طويل من التناقضات الفكرية والسياسية ضمن هدف موحد وثابت وهو تحرير أزواد.
ففي سبعينيات القرن المنصرم وضمن مشروع قومي، أسس له الرئيسان الراحلان الليبي معمر القذافي والموريتاني المختار ولد داداه، انتقل إياد غالي ضمن المئات من شباب أزواد من العرب والطوارق إلى ليبيا، حيث خرج عدد كبير منهم بجوازات سفر موريتانية، وأقاموا في معسكرات تدريب ضمن اللجان الثورية، وكان إياد غالي أحد أبرز هؤلاء.
لاحقا سيظهر إياد غالي في لبنان ضمن كتائب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ضمن كتيبة متعددة المشارب والجنسيات من الشباب العربي والطارقي الذي كان ضمن اللجان الثورية.
ومع تسعينيات القرن المنصرم عاد إياد محاربا ليبراليا إلى أزواد، حيث كان من أبرز قادة الجبهة العسكرية الأزوادية، قبل أن ينشق عنها ويبرم مع آخرين اتفاقا مع حكومة مالي عُرف باتفاقية الجزائر سنة 1992، قبل أن يُعيَّن لاحقا قنصلا عاما لمالي في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية.
ثم بدأ خط حياته في التغير مجددا، حيث تعرف على جماعة الدعوة والتبليغ، وانخرط في تنظيمها التربوي الهادئ وتنقل بين دول كثيرة ضمن جماعتها، دون أن يرفع إصبعه عن الزناد، ليكون التحول اللاحق بتأسيسه جماعة أنصار الدين عام 2012 وانخراطه بقوة في الحرب على نظام مالي، ثم الانضواء لاحقا تحت تنظيم القاعدة في المنطقة.
ورغم هذا الانتماء الأممي فإن جوهر البيئة الاجتماعية التي ينتمي لها غالي، هو في النهاية عمق قومي معبر عن الهوية الطارقية، وإن بلبوس إسلامي، في مواجهة مشاريع أخرى متعددة، معبرة عن الهوية ذاتها بلبوس وطني أو علماني كما هو حال الحركة الوطنية لتحرير أزواد (مينالا).
ومع تقدم غالي وسيطرة جنوده على أجزاء مهمة من الشمال وتعدد علاقاته بالمنطقة، فإن سؤال من سيحكم الشمال ومن يمثل الأزواديين سيكون في المستقبل بوابة واسعة لصراع مع الحركة الوطنية لتحرير أزواد، أو مع الجبهة الوطنية لتحرير أزواد، وغالبا ما يتحاكم الأزواديون إلى الرصاص لحسم أدنى خلاف.

آمادو كوفا.. قائد كتيبة الدراجات والزعيم القومي للفولان
يمثل حمادو (آمادو) كوفا قائد تنظيم “كتائب ماسينا” تحولا في الفكر السياسي لقومية الفولان الموزعة على أكثر من 20 بلدا في أفريقيا، وبشكل خاص يُعتبر الرجل تحولا في تفكير القرويين الفولان المقيمين في قرى الأخصاص في بوادي منطقة الساحل.
خرج الزعيم الديني والداعية الفلاني، حمادو كوفا، من عباءة جماعة الدعوة والتبليغ وانخرط مع ثلة من قوميته في تنظيم القاعدة، قبل أن يؤسس في مطلع عام 2015 كتائب تحرير ماسينا التي تذهب بعض التقديرات في الساحل إلى أن عدد منتسبيها يُقدَّر بالآلاف، ينتمي جميعهم إلى قومية الفولان.
وبدأت قوة كوفا في التمدد مع التذمر الكبير للفولان تجاه ما يصفه نشطاؤهم بالمحارق التي نفذتها في قراهم قوات الجيش المالي ومرتزقة فاغنر، وبعض خصومهم المحليين.
ويمتاز مقاتلو كوفا بالبسالة وخفة الحركة، والانضواء تحت المجتمعات التقليدية، بل يمكن اعتبارهم “جيشا على الدراجات” الذي يحاصر باماكو، ويضرب خواصرها الرخوة في الاقتصاد والتنمية.
ورغم الروح الإسلامية والهوية السلفية في خطاب كوفا والمتحدثين باسمه، فإن الروح القومية الانتقامية عميقة في تفكير جنوده.
وتعتبر دول المنطقة وخصوصا موريتانيا والسنغال تمدد كوفا وجنوده خطرا إستراتيجيا، يمكن احتواؤه في المهد ويصعب معالجته بعد التمدد، خصوصا أن البلدين يضمان عشرات الآلاف من القرويين الفولان الذي يعيشون خلف أبقارهم، وتحت أخصاص من عيدان، ويملكون تاريخا من البسالة والاستعداد الفطري للقتال.
وليس غريبا أن ينتهي مشروع كوفا بالمطالبة باستقلال الهلال الفولاني في مالي، بل ربما في منطقة الساحل، ليكون بوابة أزمة جديدة وتحولات دامية في منطقة تحتاج كل شيء إلا مزيدا من الدماء والأزمات.
بلال الشريف.. رئيس أزواد وزعيم الأحلاف المتناقضة
يتقدم بلال آغ الشريف بخطى متسارعة إلى بداية إكمال 50 عاما من مسيرته بين رمال الصحراء المتحركة، أمضى آغلبها في النضال من أجل أزواد منذ أن أسس مع مجموعة من رفاقه سنة 1996 حركة وطنية لتحرير أزواد، وسرعان ما تحولت إلى مشروع وطني كبير، حين أعلن عن تأسيس الحركة الوطنية لتحرير أزواد في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2010 في مدينة تمبكتو، ثم بلغت أوجها سنة 2012.
وتمكنت الحركة من تصدر المشهد العسكري والسياسي في أزواد مطلع عام 2012، بفعل ما حصلت عليه من سلاح هائل ومقاتلين كانوا منضوين تحت الكتائب التابعة للعقيد الليبي معمر القذافي، وما أثاره انهيار نظامه من انتشار غير مسبوق للسلاح في منطقة الساحل.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أعلنت مع حركات أخرى، بينها المجلس الأعلى لوحدة أزواد، والحركة العربية الأزوادية، عن تشكيل الجبهة الوطنية لتحرير أزواد، ومن أبرز قادتها بلال آغ الشريف، والعباس آغ أنتالا.
وعادت الجبهة للتصدر مرة أخرى، مع الهجمات التي اشتركت فيها مؤخرا مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، واستهدفت مدنا وقواعد عسكرية مالية.
ومع تقدم قواتها (الجبهة الوطنية لتحرير أزواد) وسيطرتها على كيدال لا يبدو الأمر نهاية المسار، فما زالت القوات المالية حريصة على استعادة أزواد، كما أن حجم التناقضات داخل الحركة والمجتمعات الأزوادية يجعل من مهمة الرجل صعبة جدا، فضلا عن حجم الضغوط الدولية، وحجم الرفض الإقليمي لدولة أزوادية مستقلة.
وإلى جانب ذلك فإن الزواج المصلحي بين الجبهة الأزوادية ذات التوجه العلماني والحركات الأخرى المقاتلة ذات التوجه الجهادي، وضبابية الصورة عن توازن السلاح بين هذه الأطراف يجعل رجل أزواد الهادئ يخطو على جمر ورماد في أرض عطشى إلى غير اللهب.
المصدر: الجزيرة