في ظلّ التحوّلات الرقمية المتسارعة، يبدو أن القدرة المعرفية للإنسان المعاصر تمرّ بحالة من الانحدار الخفيّ.
ليست المشكلة اليوم في تراجع معدلات القراءة أو ضعف التحصيل العلمي، بل هي تمتدّ إلى مستويات أعمق تمسّ بنية الانتباه والتركيز والقدرة على التفكير التحليلي.
فبفعل الاقتصاد الرقمي السائد حالياً والقائم على الجذب الفوري للانتباه، والتعرّض المتكرر للمحتوى السريع والمُجزّأ، أصبح العقل يميل إلى الاستجابات السطحية ويجد صعوبة متزايدة في الانخراط في مسارات تفكير طويلة أو معقّدة.
ومع تفاقم هذا الواقع في العقد الأخير، بدأت ملامح انقسام اجتماعي جديد تتشكّل بصمت: بين من تنبّهوا إلى الأمر ويحاولون مقاومته، ومن يتركون فريسة له من دون حماية. فكما كانت المعرفة تاريخياً وسيلة للارتقاء الاجتماعي، فإن تراجعها اليوم يهدّد بإعادة إنتاج اللامساواة على مستوى الإدراك ذاته.
لذلك، في حين أن الأمّية التقليدية لا تزال تتراجع، إلا أننا نشهد صعوداً مقلقاً لما بات يُسمّى بـ”الأمّية المعرفية” في زمن الرقمنة، حيث تغيب القدرة على التركيز والقراءة الطويلة والتحليل النقدي.
ويسمّي البعض هذا التحوّل بـ”مجتمع ما بعد القراءة والكتابة” أو “مجتمع ما بعد الثقافة النصّية”، حيث لا تعود القراءة النصّية هي المصدر الأساسي للمعرفة.
وهناك رأي يقول إنه إذا كانت الثورة الصناعية قد فرزت طبقات بناءً على من يملك رأس المال ومن لا يملكه، فإن الثورة الرقمية تعيد تشكيل هذا الفرز بناءً على من يملك “اللياقة الذهنية” ومن يفتقدها.
الفقراء اليوم ليسوا فقط هؤلاء المحرومين من الموارد الاقتصادية، بل هم أيضاً الغارقون في وسائط رقمية تُضعف قدراتهم المعرفية.
وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، تشير أبحاث أجريت في الولايات المتحدة إلى أن الأطفال المنحدرين من عائلات ذات دخل منخفض يتعرضون يومياً لساعات أطول من “وقت الشاشة الترفيهي” مقارنة بأقرانهم من العائلات الثرية.
وهذه الفجوة الرقمية تترجم إلى فجوة معرفية لاحقاً: ضعف في الذاكرة، وفي المهارات اللغوية، وفي القدرة على التحليل.
في مقابل هذا الانحدار، تشير هذه الأبحاث إلى أن النخب الثقافية والدينية والتقنية بدأت بـ”التحصّن” خلف بدائل تربوية باهظة الثمن.
على سبيل المثال، نجد أن مدارس “فالدورف” الأمريكية التي تحظر الأجهزة الذكية تماماً، والمدارس الكلاسيكية التي تعيد الاعتبار للكتب المهمة عبر التاريخ، أصبحت الخيار المفضّل للأثرياء، بكلفة تصل إلى 34 ألف دولار سنوياً في بعض الولايات الأميركية.
حتى عمالقة التكنولوجيا أنفسهم، مثل بيل غيتس وإيفان شبيغل، يحرصون على تقنين استخدام أطفالهم للشاشات. كما يلجأ بعضهم إلى مربيات يُطلب منهن توقيع “عقود عمل بلا هواتف”، وآخرون يعتمدون أساليب “الصيام عن الدوبامين” للسيطرة على إدمان الهواتف الذكية.
تهديد جذري للديموقراطية؟
ويحذّر البعض من خطورة سياسية سوف تنتج هذا الواقع، حيث أن التدهور المعرفي يقود غالباً إلى أزمة في الديموقراطية.
ويرى مفكرون أن تراجع القدرة على التركيز، والقراءة العميقة، والتفكير النقدي يشكّل تهديداً بنيوياً للأنظمة الديموقراطية ويعزز من فرص وصول شخصيات شعبوية إلى السلطة، مثلما حدث في أماكن عدة في المجتمعات الغربية في السنوات الأخيرة.
ففي عالم تُهيمن عليه خوارزميات انتقائية تصنع “فقاعات إدراكية”، ويُستهلك فيه المحتوى على شكل ميمز ومقاطع قصيرة، تتحوّل العلاقة بالمعرفة إلى علاقة استهلاك لا علاقة مساءلة. هذا التحوّل لا يُضعف فقط وعي الأفراد، بل يفتح المجال أمام تضليل واسع النطاق، حيث تغيب القدرة على التحقق، ويحل التفاعل العاطفي محل التحليل العقلاني.