القاهرة- في كل صيف، وقبل أن تدق أجراس العام الدراسي الجديد، تبدأ داخل آلاف الأسر المصرية رحلة قلق لا ترتبط بالزي المدرسي أو الأدوات الدراسية، بل بالفاتورة السنوية للتعليم الخاص والدولي.
ترتفع المصروفات عاما بعد آخر، وتُضاف إليها بنود جديدة، بينما تؤكد وزارة التربية والتعليم أن نسب الزيادة محددة، ويتصاعد في المقابل غضب أولياء الأمور ومطالبات برلمانية بإغلاق أبواب التحايل على القرارات.
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
في هذا التقرير، نحاول عبر شهادات أولياء الأمور ولائحة وزارة التعليم المصرية وردّ ممثل عن المدارس الخاصة وتصريحات برلمانية أن نجيب عن 5 أسئلة تتجدد كل عام.
أين تنتهي المصروفات المدرسية وأين تبدأ “الرسوم الخفية”؟
تنص قرارات وزارة التربية والتعليم على نسب زيادة سنوية محددة تختلف بحسب شريحة المصروفات، وتُلزم الإدارات التعليمية بإعلان المصروفات المعتمدة قبل بداية العام الدراسي، مع حظر تحصيل أي مبالغ تتجاوز النسب القانونية أو إعادة تقييم المصروفات دون موافقات رسمية.
لكن ما يقوله أولياء الأمور إن الفاتورة الفعلية للتعليم تتجاوز كثيرا الرقم المعلن بوصفه “مصروفات دراسية”، عبر ما يصفونه بـ”الرسوم الخفية” في بنود الكتب والأنشطة والحافلات المدرسية.
ويقول محمد عبد الرحيم، ولي أمر لطالبين بإحدى المدارس الخاصة في منطقة الهرم بمحافظة الجيزة، إن المدرسة تبدو ملتزمة بالزيادة السنوية المقررة، لكن التكلفة الحقيقية ترتفع من باب الكتب والأنشطة، إذ قفزت قيمة الكتب من 4800 جنيه (الدولار يساوي نحو 50 جنيها) للطالب الواحد العام الماضي إلى 8 آلاف جنيه هذا العام، بدعوى طباعة “بوكليت” خاص وكتب مستوى رفيع للغات الأجنبية.
أما إسلام أحمد، ولي أمر لطالبة بإحدى المدارس الدولية بمدينة الشيخ زايد، فيقول إن المدرسة ألزمته بسداد القسط الأول في مايو/أيار إلى جانب قيمة الكتب كاملة قبل نهاية العام الدراسي، بينما لا يعرف إجمالي المصروفات الفعلية إلا بعد القسط الأخير، لتتجاوز الزيادة النهائية أحيانا 20 ألف جنيه فوق الزيادة السنوية المعلنة.
وفي القاهرة الجديدة، يؤكد سيد حسين أن مدرسة ابنه رفعت المصروفات بنسبة 10% رغم أن النسبة المقررة لفئة المدرسة لا تتجاوز 7%، مع إضافة 5 آلاف جنيه على رسوم الكتب، واشتراك حافلة مدرسية لم تُعلن قيمته بعد. وفي مدرسة خاصة أخرى بمدينة نصر، ارتفعت المصروفات بنحو 20% لتصل إلى 42 ألف جنيه في العام الجديد.
هكذا يدفع ولي الأمر رقما “قانونيا” على الورق، ثم يكتشف أن الفاتورة الحقيقية تتشكل في بنود أخرى لا تُحسب ضمن المصروفات الأساسية، لكنها تُحصَّل إلزاميا كل عام.
ما الذي يحق للمدرسة أن تطلبه؟ وما الذي يُعد مخالفا؟
وفق قرارات الوزارة، تتدرج الزيادة السنوية المسموح بها في المدارس الخاصة من 25% للمدارس التي تقل مصروفاتها عن 6 آلاف جنيه، إلى 6% للمدارس التي تبدأ مصروفاتها من 40 ألف جنيه فأكثر، بينما تتراوح في المدارس الدولية بين 10% لمن تقل مصروفاتها عن 50 ألف جنيه و5% لمن تبدأ مصروفاتها من 200 ألف جنيه فأكثر.
هذه النسب تمثل سقفا قانونيا للزيادة على “المصروفات الأساسية” المعتمدة، ويُلزِم القرار الوزاري المدارس بإعلانها بوضوح، ويُحظر تحصيل أي مبالغ تتجاوزها أو إعادة تقييم المصروفات دون موافقات رسمية، مع عقوبات قد تصل إلى وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري.
أما الخدمات والأنشطة الإضافية مثل بعض الكتب الخاصة أو برامج المستوى الرفيع أو أنشطة معينة، فيفترض أن تكون واضحة البنود والأسعار ومثبتة في إيصالات رسمية، وألا تتحول إلى وسيلة التفافية لرفع التكلفة الإجمالية من دون إدراجها في المصروفات المعتمدة أو إتاحة بدائل حقيقية لأولياء الأمور.

كيف يتصرف ولي الأمر إذا فرضت المدرسة رسوما غير قانونية؟
تقول وزارة التعليم إن لأولياء الأمور حقا في الاعتراض إذا شعروا بأن مدارس أبنائهم تجاوزت النسب القانونية أو فرضت رسوما غير معلنة.
في حالة المدارس الخاصة، يمكن لولي الأمر التقدم بشكوى إلى الإدارة التعليمية التابع لها، مع إرفاق إيصالات السداد والمصروفات السابقة والحالية وأي مستندات تثبت قيمة ما تم تحصيله فعليا.
وفي حالة المدارس الدولية، تُقدم الشكاوى مباشرة إلى وزارة التربية والتعليم من خلال الإدارة العامة لخدمة المواطنين أو عبر منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة التابعة لمجلس الوزراء.
وتؤكد الوزارة أن الشكاوى تُفحص للتحقق من مدى الالتزام بالقرارات المنظمة، وإذا ثبت تحصيل مبالغ غير قانونية يُلزَم صاحب المدرسة بردها أو خصمها من الأقساط اللاحقة، مع إمكانية تصعيد الإجراءات حتى وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري.
بهذا تصبح الشكوى المدعومة بالمستندات هي الأداة التي يمكن أن يستخدمها ولي الأمر لتحويل شعوره بالظلم إلى ملف قيد الفحص الرسمي، بدلا من الاكتفاء بالاستياء أو تغيير المدرسة في صمت.
لماذا ترتفع تكلفة التعليم الخاص والدولي كل عام؟ وهل الزيادة مبررة؟
في مواجهة شكاوى الأسر، تقول إدارات المدارس الخاصة إن الصورة لا تنحصر في نسب زيادة رسمية، وإن التكلفة الحقيقية لتشغيل المدارس ترتفع بوتيرة أسرع بسبب الأسعار ورواتب المعلمين وتكاليف الخدمات.
ويؤكد بدوي علام، رئيس مجلس إدارة جمعية المدارس الخاصة، أن الوزارة لم تصدر أي قرارات جديدة تقضي بزيادة نسب المصروفات، وأن النسب ستظل كما كانت في العام الماضي، لكنه يرى أن هذه الزيادات “لا تعكس الارتفاع الكبير في تكاليف التشغيل ورواتب المعلمين”.
ويقول للجزيرة نت إن المدارس تلتزم بالنسبة الرسمية، باستثناء الحالات التي تتقدم فيها بطلب رسمي لإعادة دراسة ميزانيتها بدعوى وجود عجز مالي، وهو إجراء يخضع لمراجعة متعددة المراحل، ولا يعتمد إلا بعد فحص المستندات والفواتير وتوزيع قيمة العجز على الطلاب وفق القانون.
وفي ما يتعلق بكتب “البوكليت” وكتب المستوى الرفيع التي يشكو منها أولياء الأمور، يصفها علام بأنها “خدمة تعليمية إضافية يطلبها أولياء الأمور”، ويُرجع ارتفاع أسعارها إلى زيادة تكاليف الطباعة والأحبار، مؤكدا أن غالبية المدارس تبيعها بسعر التكلفة.
وبين رواية الأسر عن زيادات فعلية تتحرك عبر بنود غير المصروفات الأساسية، وتأكيد المدارس أن جزءا من الزيادة يعكس واقع تكاليف التشغيل، يظل السؤال قائما حول الحدود الفاصلة بين “الزيادة المبررة” التي تعكس ظروف الاقتصاد، و”الزيادة المنفلتة” التي يشعر بها ولي الأمر عند دفع الفاتورة النهائية.

هل الرقابة الحكومية وتحركات البرلمان فعالة فعلا؟
تقول وزارة التعليم إن العام الدراسي الماضي شهد نزول لجان تفتيش متكررة إلى المدارس الخاصة والدولية لمراجعة الالتزام بالقرارات الوزارية، وفي مقدمتها المصروفات الدراسية والكثافات الطلابية، وإن إنذارات وُجهت إلى مدارس ثبتت مخالفاتها، مع استمرار التفتيش مع بداية العام الجديد لرصد أي تجاوزات.
وتؤكد الوزارة أن المدارس الخاصة والدولية “شريك رئيسي في تطوير منظومة التعليم”، لكنها تشدد على الالتزام الكامل بالمصروفات المعتمدة ونسب الزيادة، وتطالب المدارس بإعلان هذه المصروفات على مواقعها الإلكترونية قبل بداية أغسطس/آب، وتمكين أولياء الأمور من الاطلاع عليها قبل بدء الدراسة.
في المقابل، تتصاعد المطالبات البرلمانية بتشديد الضبط القانوني لما تتحمله الأسر فعليا. ويقول النائب محمد عبد الحميد في تصريحات خاصة للجزيرة نت إن التدخل العاجل لتنظيم مصروفات المدارس الخاصة والدولية أصبح “ضرورة ملحة”، موضحا أن المطلوب هو تحقيق توازن بين حق المستثمر في التعليم وتحقيق عائد عادل، وحق الأسرة المصرية في خدمة تعليمية جيدة بتكاليف منضبطة.
ويشدد عبد الحميد على أن ضبط رسوم المدارس الدولية بات “ضرورة وطنية واجتماعية” لحماية ملايين الأسر، محذرا من أن استمرار الزيادات “المنفلتة” يضع التعليم الجيد خارج متناول شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة، ومطالبا بضوابط قانونية ملزمة تحدد نسب الزيادة السنوية وفق معايير اقتصادية وتعليمية واضحة، وإلزام المدارس بالإعلان المسبق عن جميع الرسوم الدراسية والإدارية والخدمية قبل بدء العام الدراسي.
كما يدعو إلى إنشاء منصة إلكترونية موحدة بإشراف وزارة التربية والتعليم تتضمن المصروفات المعتمدة لكل مدرسة، وتتيح تلقي شكاوى أولياء الأمور والبت فيها بصورة عاجلة، مع تشديد الرقابة على أي رسوم إضافية تُحصَّل خارج المصروفات الرسمية المعتمدة.
وبين لجان التفتيش الرسمية ومطالبات البرلمان الغاضبة وشكاوى أولياء الأمور المتكررة، يبقى السؤال مفتوحا مع كل عام دراسي جديد: هل تكفي القرارات والرقابة الحالية لضبط ما يدفعه ولي الأمر فعليا، أم أن أزمة مصروفات المدارس الخاصة والدولية ستظل فاتورة تتضخم، بينما تبقى قدرة الأسر على تحملها في اختبار دائم؟
المصدر: الجزيرة