مطالب وأولويات على طاولة الحكومة اليمنية الجديدة

منذ أدائها اليمين الدستورية يوم 9 فبراير/شباط الجاري، أمام رئيس مجلس القيادة في اليمن، تكثفت الأسئلة عن كفاءة حكومة الدكتور شائع الزنداني، وقدرة أعضائها على التعامل مع الملفات الملحة، خصوصا ذات الأولويات العمومية والمتصلة بحياة الناس ومعيشتهم.

وبطبيعة الحال، تباينت الآراء عن مستويات الثقة في أعضاء الحكومة، خاصة وأن قسما منهم عُين لدواع سياسية أو جهوية غابت معها -حسب محللين- معايير الكفاءة المطلوبة لشغل المنصب الوزاري بما يعنيه من أهمية تخصصية وإدارية ووطنية، حتى أطلق عليها البعض حكومة “المراضاة والاحتواء”، بعد أن كان يُفترض أن تكون حكومة كفاءات وتكنوقراط.

امتحان استعادة الثقة

بالنسبة للبعض فإنه لا ينبغي الحديث عن أولويات الحكومة الجديدة كقائمة خدمات تقليدية، بل كملفات مترابطة تشكل معا معادلة الاستقرار، وهو ما يراه الصحفي حسن القدسي.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت، أن “أكبر أزمة اليوم تواجه الحكومة اليمنية الجديدة، ليست فقط توفير الكهرباء أو تسليم الرواتب، بل في استعادة ثقة المواطن في الحكومة”.

في الاتجاه ذاته، تقول الناشطة المجتمعية بشرى المزجاجي إن أولويات حكومة الزنداني لا ينبغي أن تختزل في معالجة الأزمة الاقتصادية والخدمية فحسب، بل في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وتضيف المزجاجي في حديث للجزيرة نت، أن “بناء الثقة بين المواطن والدولة عبر الشفافية والإفصاح المنتظم عن الإيرادات والإنفاق، وإشراك المجتمع المدني في الرقابة، هو المدخل الطبيعي لأي إصلاح حقيقي”.

الاقتصاد أولا

في استطلاع الآراء حول أهم أولويات الحكومة، يجمع الكثيرون على أن الملف الاقتصادي أولوية تجاوزت مطلب الأمن في بعض الأحيان. ويبدو أن الناس اعتادوا ظروف الحرب وتكيفوا معها، فتقدم لديهم الهم المعيشي على الأمني.

حول ذلك يقول الصحفي القدسي، إن “أكبر مظاهر الأزمة الاقتصادية هو تدهور الخدمات خصوصا المياه والكهرباء والصحة والتعليم، ومعها انهيار العملة، ونهب الإيرادات، ومعالجة ذلك يجب أن تكون أولوية لدى الحكومة، قد تتفوق على الأمن في بعض المناطق”.

إعلان

ويدعم هذا الرأي حديث الأكاديمي والناشط السياسي محمد ناصر مبارك بقوله إن توفير الخدمات الأساسية المرتبطة بحياة الناس ومعيشتهم وهي الغذاء والدواء والكهرباء -وهي أساسيات إنسانية- يجب أن يمثل أهم الأولويات لدى الحكومة الجديدة.

ويوافق الناشط المجتمعي عدنان الشميري بتأكيده على ضرورة أن تهتم الحكومة الجديدة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للمواطنين، من خلال تحرير الموارد السيادية وتطوير العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتعزيز برامج الاستقرار الاقتصادي والمالي.

ويرى الشميري، في حديثه للجزيرة نت، أن استعادة ثقة المواطن في الحكومة تبدأ أولا بتوفير الخدمات ثم بتفعيل آليات مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية وتقوية الأداء المؤسسي وتحسين الخدمات.

الملف الأمني والعسكري

بالنسبة لطيف كبير من اليمنيين، خصوصا من طالتهم تداعيات الحرب ولا يزالون يعانون من ويلات النزوح أو دفعوا ثمنا باهظا نتيجة تأييدهم للأطر “الشرعية ومشروع الجمهورية”، فإن الملف العسكري يمثل أهمية لا تقل عن غيرها من المهام الملقاة على عاتق الحكومة، وهو ما يراه الباحث السياسي أحمد علي وهان.

ويقول للجزيرة نت إن “من المهم بل والأهم أن تركز الحكومة على ملف توحيد التشكيلات الأمنية والعسكرية تحت راية وقيادة وزاتي الداخلية والأمن، كخطوة أولى وضرورة وطنية على طريق التحرير واستعادة الدولة وعودة قياداتها إلى صنعاء”، حسب قوله.

وفي السياق ذاته أيضا، يشدد رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة الناشط الحقوقي أحمد القرشي، على أن توحيد الجيش والأمن، والإعداد بشكل جاد لمعركة “الحسم” و”استعادة صنعاء” تمثل أهمية وطنية، كما أنها أهمية إنسانية تمس ملايين اليمنيين المتضررين من حالة الصراع وتداعياته الكارثية.

ويؤكد الصحفي حسن القدسي على أهمية إنهاء كل مظاهر الانقسام الأمني والعسكري، معتبرا استمرار حالة الانفلات في المحافظات الجنوبية والشرقية اختبار كفاءة حقيقية لقدرة الحكومة على بسط نفوذ الدولة وفرض سلطة القانون.

ودعا لتوحيد القيادة العسكرية والأمنية، واستكمال إخراج التشكيلات العسكرية من المدن، وحصر السلاح بيد الدولة، ويُعد ذلك شرطا أساسيا لاستقرار الوضع في العاصمة المؤقتة عدن بشكل أساسي.

الأمر نفسه يراه الناشط المجتمعي عدنان الشميري بقوله إن استعادة الأمن وبسط سيطرة الدولة مطلب مهم وأساسي للاستقرار ليس في العاصمة عدن فقط، بل في كل المحافظات والمناطق المحررة.

البحث عن رؤية

من وجهة نظر الصحفي حسن القدسي، يتعين على الدكتور الزنداني وحكومته “المطعمة بوجوه شابة وتكنوقراط وبعض الخبرات” إعداد رؤية وطنية قصيرة ومتوسطة المدى لتنشيط القطاعات الحيوية كالكهرباء والصحة وغيرها، وجدولة ذلك زمنيا لقياس معيار النجاح في حل المشاكل الخدمية التي يعانيها سكان عدن وبقية المحافظات والمناطق.

في اتجاه مواز ومختلف بعض الشيء ترى الناشطة المجتمعية بشرى المزجاجي أن الحكومة مطالبة بما تسميه “الاستثمار في الإنسان، والاستفادة من الكفاءات المهاجرة، وتمكين الشباب والنساء بمهارات العصر الرقمية والإعلامية، نظرا لأهمية ذلك لتحقيق التنمية الوطنية”.

تحرير الموارد وتوفير الرواتب

بالنسبة للصحفي مجدي محروس، فإن من المهم أن يتوازى التطبيع الأمني والعسكري مع تحرير الموارد السيادية وبالتالي توفير رواتب المعلمين المنقطعة، وتحسين ظروفهم الوظيفية وإعادة الاعتبار للمعلم والرسالة التعليمية.

إعلان

ولفت محروس في حديث للجزيرة نت، إلى أن الاهتمام بقطاع التربية والتعليم لا يقل في الأهمية والضرورة عن الملفات الأمنية والاقتصادية؛ ذلك لأنه مرتبط بشكل وثيق بواقع ومستقبل اليمن واليمنيين.

ويضيف محروس أن التجارب السابقة أثبتت أن من المهم أيضا استعادة سيطرة الدولة على قطاعات الطيران والاتصالات وكذلك النفط، لارتباطهم بحالة الاستقرار الوطني والسيطرة الحكومية، ثم لحساسية قطاع الاتصال أمنيا وعسكريا، حسب قوله.

في السياق نفسه، يؤكد المحلل الأكاديمي محمد ناصر مبارك على أهمية إيفاء الحكومة بالتزاماتها تجاه المعلمين، وتوفير استحقاقاتهم المالية والوظيفية، مشيرا إلى أن المعلمين كانوا ولا يزالون من أكثر الفئات التي سحقتها الحرب وتداعياتها نفسيا ومعيشيا.

خلاصة الحال أن الظرف الراهن يفرض أولوياته على الحكومة ومعها الرئاسة، فبينما تعول الحكومة على مجلس القيادة لاستكمال إجراءات توحيد القرار السياسي، تطالب الرئاسة من الحكومة ضبط التوازنات ومنع أي تدهور خدمي واقتصادي، واستكمال استعادة السيطرة على الموارد المالية وتأمينها بشكل يمكّن الدولة من الوفاء بتعهداتها للقطاع العام والوظيفي.

 

المصدر: الجزيرة