لم تكن الغربة خيارا، ولا العيش في خيام اللجوء المترامية قصة يختارها الإنسان لنفسه، لكن بالنسبة إلى الشاب السوري محمود جاسم محمد والشابة تالا حسن الهنيدي، تحولت جغرافية اللجوء إلى منصة انطلاق، وغدت رياضة “التايكوندو” لغة يواجهان بها حسرة الابتعاد عن الوطن.
في مدينة ناغويا اليابانية، حيث تتجه أنظار القارة إلى دورة الألعاب الآسيوية (آسياد 2026)، يقف الثنائي السوري تحت راية تاريخية تُرفع للمرة الأولى في تاريخ الدورة: “فريق اللاجئين التابع للمجلس الأولمبي الآسيوي”.
“نحمل قصتنا في كل نزال”
لم تكن طريق محمود (24 عاما)، المنافس في وزن تحت 80 كيلوغراما في منافسات القتال (الكيوروغي)، ممهدة بالورود.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
خرج محمود من أتون الحرب في سوريا بحثا عن الأمان في مخيم الأزرق للاجئين في الأردن، وبين جدران المخيم وصحراء الأردن، وجد في التايكوندو متنفسا من آلام اللجوء وتضميدا لجراح الغربة.
يقول محمود لوكالة “رويترز” وهو يرتدي بزة التدريب الرسمية لفريق اللاجئين: “وجودنا هو حمل لقصة أمل نرجو من الله أن تتوج بالنجاح، نحمل هذه القصة معنا في كل نزال نخوضه”.
ويضيف محمود: “لم نغادر بلدنا باختيارنا، كان ذلك بسبب ظروف المعيشة الصعبة والحروب التي اندلعت، لذلك اضطررنا إلى المغادرة والانتقال إلى بلد آخر لبناء حياة هناك”، مؤكدا أن الذهاب إلى ناغويا ليس لتكملة عدد المشاركين بل “كانت الاستعدادات مكثفة حقا، وهدفنا ليس مجرد المشاركة، بل نأمل في تحقيق شيء ما، بإذن الله”.
التايكوندو.. بوابة لميلاد جديد
على الجانب الآخر، تشعر تالا (18 عاما) بأن صالة الألعاب في ناغويا ليست مجرد ميدان للمنافسة، بل هي الفضاء الذي أتاح لها أن تعيد تعريف ذاتها بعيدا عن ألقاب النزوح واللجوء.

تشعر الهنيدي بامتنان من اللجنة الأولمبية الدولية والمجلس الأولمبي الآسيوي والاتحاد الدولي للتايكوندو لمساعدتها على عيش هذا الحلم، وفق ما نقلت الوكالة، مضيفة: “بات لدي أمل وأحلام وطموحات للمستقبل، لقد رأينا جانبا آخر من الحياة وتعلمنا أنه لا يوجد شيء مستحيل، قد تكون الظروف صعبة أحيانا، لكن بالتحدي والإصرار يمكننا تجاوزها والنمو نحو الأمام”.
قدرة الرياضة على الجمع والتضامن
تأتي مشاركة فريق اللاجئين خطوة إنسانية استثنائية من المجلس الأولمبي الآسيوي لمنح الرياضيين المهاجرين فرصة التنافس جنبا إلى جنب مع نخبة أبطال القارة.
وفي هذا الصدد، أشاد شيفا كيشافان، نائب رئيس لجنة الرياضيين في المجلس الأولمبي الآسيوي، بالثنائي السوري، مؤكدا أنهما يشكلان مصدر إلهام حقيقي، فالانتقال المباشر من ظروف المخيمات إلى أضواء دورة الألعاب الآسيوية هو أمر مربك، مضيفا: “لديهما أهدافهما الشخصية، لكن الأهم من ذلك أنهما أصبحا الآن جزءا من مجتمع، سيكوّنان صداقات وروابط جديدة”.
وأضاف كيشافان موجها حديثه إلى الثنائي: “أقول لهما: لا تضعا نفسيكما تحت أي ضغط، أنتما بالفعل قدوة لغيركما وجميعنا ننظر إليكما بإعجاب، عبّرا عن أنفسكما وعن شغفكما عبر الرياضة”.
السوريون وراية اللاجئين
لم تكن مشاركة محمود وتالا في “آسياد ناغويا” سوى امتداد لمحطات سابقة أثبت فيها الرياضيون السوريون أن اللجوء لا يقتل الموهبة.
فمنذ أن أسست اللجنة الأولمبية الدولية “فريق اللاجئين الأولمبي” أول مرة في أولمبياد “ريو دي جانيرو 2016″، ظل الرياضيون السوريون يشكلون جزءا بارزا من هذا الفريق.
في “ريو 2016″، خطفت السباحة السورية يسرى مارديني والسباح رامي أنيس الأضواء برحلتهما الدرامية من البحر إلى المسبح الأولمبي.
وتكرر المشهد في أولمبياد “طوكيو 2020” وأولمبياد “باريس 2024″، حيث برز لاعبون سوريون في مختلف الألعاب كالجودو والتايكوندو والسباحة، مثل اللاجئ السوري يحيى الغوطاني القادم أيضا من مخيم الأزرق بالأردن.
المصدر: الجزيرة