عمّان- “كل واحد دخل من باب الفندق كان يحمل حكاية.. عامل، طالب، عسكري، حاج، سائح، أو رحّالة يبحث عن سرّ عمّان”، بهذه الكلمات يستعيد فؤاد جورج سعد، مالك فندق كليف، ذاكرة 7 عقود من عمر أحد أقدم فنادق وسط البلد بالعاصمة الأردنية عمّان، وهو يقف أمام مدخل الفندق الذي لم يكن يوما مجرد مكان للمبيت، بل محطة إنسانية عبرت منها آلاف القصص، ونافذة تطل على التحولات التي عاشتها العاصمة الأردنية.
يقول فؤاد جورج للجزيرة نت إن الفندق، الذي يتجاوز عمره 70 عاما، يقع في قلب عمّان، وسط المطاعم والمحال والأسواق القديمة، وإنه ظل لعقود يستقبل السياح من مختلف أنحاء العالم، حتى أصبح اسمه معروفا في أدلة السفر العالمية.

ويضيف أن حراس المسجد الأقصى من الضفة الغربية اعتادوا الإقامة فيه منذ أكثر من 60 عاما، كما استقبل رحّالة من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، ومن جنسيات مختلفة، بينما تغير المشهد بعد حرب غزة وتوقف السياحة الأجنبية، ليصبح الاعتماد اليوم على الزوار العرب.
هذه الرواية ليست مجرد قصة فندق، بل تلخص تاريخ عشرات الفنادق العتيقة المنتشرة في وسط عمّان، والتي شكّلت لعقود طويلة جزءا من الهوية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للعاصمة.
وتبقى لفنادق وسط العاصمة عمّان قصة مختلفة؛ فهي لا تنافس الفنادق الحديثة في الفخامة، بل تتميز بقيمة المكان وذاكرة المدينة وتجربة الإقامة التي لا يمكن العثور عليها في أي مكان آخر.

شوارع تختزن ذاكرة عمّان
ويصف المؤرخ والكاتب الأردني سامي أبو حسين، خلال حديثه للجزيرة نت، شارع الملك حسين، المعروف سابقا بشارع السلط، بأنه قطعة من ذاكرة عمّان، حيث قامت على امتداده فنادق صغيرة أصبحت جزءا من تاريخ المدينة.
ويشير إلى أن فندق نهر الأردن كان من أوائل هذه الفنادق، إذ استقبل المسافرين القادمين من السلط والقرى المحيطة، بينما عرف فندق بارك بكونه ملتقى للصحفيين والكُتاب والطلاب، قبل أن يظهر فندق الكرنك وفندق لورديز وغيرهما، لتتحول المنطقة إلى مركز للحياة الاجتماعية والاقتصادية.
وفي شارع فيصل، استمرت الحكاية مع فنادق أخرى مثل حيفا وبغداد ومنصور واليرموك والرياض، التي لم تكن مجرد مبانٍ للإقامة، بل فضاءات اجتماعية استقبلت العمال والطلاب والتجار والرحالة، وكانت غرفها شاهدة على بدايات آلاف القصص الإنسانية.

فندق كليف يحافظ على طابعه الشعبي
أما فندق كليف، الذي يتحدث عنه مالكه فؤاد جورج، فيحمل خصوصية مختلفة؛ فالفندق حافظ على طابعه الشعبي عقودا، واستمر في استقبال الرحالة الأجانب الذين يفضلون الإقامة البسيطة، ذات الحمامات المشتركة والغرف الاقتصادية، قبل أن يضطر خلال السنوات الأخيرة إلى إدخال تعديلات تناسب الزوار العرب، مثل إضافة أجهزة التلفاز والمكيفات والحمامات الخاصة، في ظل تراجع أعداد السياح الأجانب.
ويشير جورج إلى أن وسط البلد شهد تراجعا كبيرا في عدد الفنادق خلال العقود الماضية، موضحا أن المنطقة كانت تضم ما بين 120 و130 فندقا، بينما يتراوح عددها اليوم بين 40 و45 فندقا فقط. ويعزو هذا الانخفاض إلى تراكم عوامل اقتصادية وسياحية، إلى جانب تداعيات الأزمات الإقليمية والحروب التي أثرت في حركة السفر والسياحة، ما أدى إلى إغلاق عدد من الفنادق، في حين تمكنت أخرى من الاستمرار رغم التحديات.
ويضيف أن غالبية الفنادق المتبقية لا تزال تحتفظ بطابعها الشعبي، فيما يعتمد عدد محدود منها على السياح الأجانب، بينما تستقبل النسبة الأكبر الزوار العرب، في ظل تغير أنماط الحركة السياحية خلال السنوات الأخيرة.

جدران شاهدة على تاريخ المدينة
ويقول فؤاد جورج إن فنادق وسط البلد لم تكن مجرد أماكن للإقامة، بل كانت شاهدة على محطات مفصلية من تاريخ الأردن والمنطقة. ويضيف أن جدرانها أخفت أسرار آلاف العمال والطلبة والسياح والتجار والعسكريين وكبار الشخصيات الذين مروا بها على امتداد عقود، إذ تحمل كل غرفة فيها قصة وحكاية.
ويؤكد أن هذه الفنادق كانت ملتقى للسياسيين والمثقفين والصحفيين، وأن كثيرا من النقاشات والحوارات السياسية دارت بين أروقتها، فيما كُتبت داخلها خطابات ورسائل وقرارات مهمة، وظلت لسنوات جزءًا من المشهد السياسي والاجتماعي في عمّان، حتى باتت تمثل ذاكرة حية للمدينة لا يمكن فصلها عن تاريخها.
ويرى الخبير الفندقي محمد القاسم أن فنادق وسط البلد تتمتع بقيمة سياحية لا يمكن تعويضها، فهي تقع في قلب المنطقة التاريخية، بالقرب من المسجد الحسيني والمدرج الروماني والأسواق الشعبية، ما يجعلها الخيار المفضل لشريحة كبيرة من السياح، خصوصا القادمين عبر شركات الطيران منخفضة التكاليف.
ويؤكد القاسم للجزيرة نت أن السنوات التي سبقت جائحة كورونا، ثم فترة التعافي السياحي في عامي 2022 و2023، شهدت نشاطا كبيرا في هذه الفنادق، ما دفع العديد منها إلى تجديد الغرف والأثاث والمرافق لتحسين مستوى الخدمة ومواكبة الطلب المتزايد.
ويضيف أن الفنادق القديمة قد تبدو متواضعة من الخارج، لكن كثيرا منها أصبح يقدم خدمات جيدة جدا بعد عمليات التحديث، مع احتفاظه بطابعه التاريخي الذي يجذب الزوار الباحثين عن تجربة مختلفة، بعيدا عن الفنادق الحديثة المتشابهة.

حرب غزة توقف الانتعاش
إلا أن هذا الانتعاش لم يستمر طويلا، إذ واجه القطاع تحديات كبيرة نتيجة الحرب على غزة وما تبعها من توقف رحلات الطيران منخفضة التكلفة، وهو ما انعكس مباشرة على نسب الإشغال في فنادق وسط البلد، التي تعتمد بدرجة كبيرة على هذا النوع من السياح.
ويشير القاسم إلى أن وجود هؤلاء الزوار لم يكن يفيد الفنادق وحدها، بل كان ينعكس على المنطقة بأكملها، بما فيها المطاعم والمقاهي ومحالّ بيع الهدايا والأسواق الشعبية، ما خلق حركة اقتصادية واسعة في قلب العاصمة.

ويشدد على أن الحفاظ على هذه الفنادق ضرورة ثقافية وسياحية، لأنها تحكي قصة المكان، وتعكس عراقة المنطقة، وتمثل تجربة مختلفة يصعب استنساخها في الأبراج والمنشآت الحديثة.
ولا تقتصر ذاكرة وسط البلد على شارع فيصل وحده، فهناك أيضا فنادق شارع الملك طلال، مثل الأمراء والأدباء والحرمين والمدينة المنورة وفلسطين وخليل الرحمن ونبيل وزهران، وهي فنادق ارتبطت بالمسافرين محدودي الدخل والطلاب والعاملين، واحتفظت بطابعها الشعبي البسيط لعقود طويلة.
كما حملت أسماء بعض الفنادق دلالات تاريخية ودينية، مثل فندق فيلادلفيا الذي استلهم اسمه من الاسم الروماني القديم لمدينة عمّان، في محاولة لربط حاضر المدينة بجذورها التاريخية، بينما بقيت فنادق أخرى مثل الملك غازي وغراند بالاس والقاهرة وفينيسيا ورم وإنتركونتيننتال شاهدة على مراحل مختلفة من تطور العاصمة وتحولها إلى مركز اقتصادي وسياحي.

حماية الفنادق حماية لذاكرة العاصمة
وعلى الرغم من التوسع الكبير الذي يشهده القطاع الفندقي الأردني، فإن فنادق وسط البلد لا تزال تمثل نموذجا مختلفا، إذ لا تقوم قيمتها على عدد النجوم أو حجم المبنى، بل على القصص التي احتضنتها، والوجوه التي عبرت ممراتها، والذاكرة التي ما زالت محفوظة بين جدرانها.
ففي كل غرفة قديمة، وسلّم حجري، وممر ضيق، تختبئ حكاية مسافر جاء إلى عمّان لأول مرة، أو طالب بدأ منها رحلته، أو تاجر أنهى يومه في الأسواق، أو رحالة حمل المدينة معه إلى بلاده.

ولهذا، فإن الحفاظ على هذه الفنادق لا يعني فقط حماية مبانٍ قديمة، بل حماية جزء من ذاكرة العاصمة نفسها؛ ذاكرة لا تزال تنبض بالحياة كلما فُتح باب أحد تلك الفنادق، أو دوّى جرس استقبالها، أو جلس أحد أصحابها يستعيد، كما يفعل فؤاد جورج، أسماء الزوار الذين مروا من هنا، وتركوا في المكان شيئا منهم، وحملوا معهم شيئا من عمّان.
المصدر: الجزيرة