من اللعب إلى اللوشن.. كيف خطف هوس العناية بالبشرة طفولة الصغار؟

في السنوات الأخيرة، تجاوز اهتمام العناية بالبشرة حدود البالغين والمراهقين، ليشمل الأطفال في سن مبكرة، مدفوعا بانتشار مقاطع “روتين العناية بالبشرة” على منصات التواصل الاجتماعي.

ومع تصاعد تأثير هذه المنصات، برزت ظاهرة مقلقة تلفت انتباه الأطباء والأهل، إذ لم يعد انجذاب الأطفال لمستحضرات التجميل بدافع الفضول العابر أو تقليد الكبار وحسب، بل تحول لدى بعضهم إلى روتين يومي متشعب ومكلف، يتضمن أحيانا منتجات صممت أساسا للبالغين.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2القائمة السوداء لمكونات التجميل.. 8 مواد كيميائية عليكِ تجنبها فورا
  • list 2 of 2التعرض المبكر لمواد كيميائية بالبلاستيك يعرّض الأطفال لمخاطر صحية بالغة

end of list

ما هي ظاهرة “كوزموتريكس” لدى الأطفال؟

تشير ظاهرة “كوزموتريكس” أو هوس التجميل إلى الاستخدام المفرط أو غير المناسب للعمر لمستحضرات العناية بالبشرة بين الأطفال والمراهقين، مع ارتباط ذلك بالشعور بالقلق عند عدم الالتزام بالروتين اليومي أو الاعتماد عليه لتحسين المزاج والثقة بالنفس.

ورغم أن المصطلح ليس تشخيصا طبيا رسميا، فإنه يعد مؤشرا على تغير مبكر في علاقة الأطفال بصورة الجسد ومعايير الجمال، وقد يعكس نمطا سلوكيا يحتاج إلى المتابعة الطبية والنفسية.

وتشمل العلامات اللافتة لهذه الظاهرة: الإنفاق المتزايد على المنتجات والوقت الطويل المخصص للروتين والشعور بالاضطراب عند تعذر الالتزام به، بما يعزز الانشغال المفرط بالمظهر على حساب الجوانب الأخرى في حياة الطفل.

Her sister is a great helper freepik
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا رئيسيا في زيادة اهتمام الأطفال والمراهقين بروتينات العناية بالبشرة (فري بيك)

كيف وصلت مستحضرات التجميل إلى أيدي الأطفال؟

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا رئيسيا في زيادة اهتمام الأطفال والمراهقين بروتينات العناية بالبشرة، إذ يتابعون مؤثرين ومؤثرات يعرضون روتينات يومية باستخدام منتجات مخصصة أساسا للبالغين، مثل السيروم ومضادات الشيخوخة والريتينول. هذا الخطاب يعزز فكرة أن العناية بالبشرة ليست جزءا من النظافة فحسب، بل ركنا ضروريا للجمال والثقة بالنفس.

ونبهت تقارير حكومية وصحفية إلى استخدام بعض الشركات لمؤثرين صغار للترويج لهذه المنتجات، مما دفع الجهات التنظيمية في دول مثل إيطاليا إلى فتح تحقيقات في حملات تسويق يخشى أن تشجع الأطفال على الاستخدام المبكر وغير الملائم لمستحضرات التجميل.

إعلان

كما برزت ظاهرة “سيفورا كيدز” (Sephora kids)، حيث يعرض أطفال من “جيل ألفا” روتينات متقدمة للعناية بالبشرة على تيك توك وإنستغرام، وينفقون مصروفهم على مستحضرات التجميل بدلا من الألعاب، حتى أصبحت هذه المنتجات جزءا من هدايا أعياد الميلاد.

وتكشف دراسة حديثة أجريت عام 2025 في قسم الأمراض الجلدية بكلية الطب بجامعة نورثويسترن عن التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي، خاصة منصة تيك توك، في تشكيل اهتمام الأطفال والمراهقين بروتينات العناية بالبشرة.

وحللت الدراسة 100 فيديو يتابعها مستخدمون بين 7 و18 عاما، وأظهرت أن هذه الروتينات غالبا ما تتضمن منتجات مكلفة، مع إهمال استخدام واقي الشمس، وقد تحتوي على مكونات غير مناسبة للبشرة الصغيرة، مسببة للتهيج والحساسية، وهو ما يثير مخاوف الأطباء من تأثير هذا المحتوى الرقمي على السلوكيات الصحية للعناية بالبشرة لدى الأطفال والمراهقين.

 

أضرار حقيقية لا يمكن تجاهلها

بشرة الأطفال حساسة بطبيعتها، والاستخدام المفرط أو غير المراقب لبعض المنتجات الفعالة قد يضعف حاجز الجلد، فيسبب احمرارا وتقشرا وحكة وتحسسا، وقد يصل الأمر إلى التهاب الجلد وتغير لون البشرة وزيادة حساسيتها للضوء.

ويزداد القلق عند استخدام الأطفال منتجات تحتوي على مواد قوية مثل الريتينول وأحماض الألفا هيدروكسي والسيروم المضاد للشيخوخة دون إشراف طبي، إذ صممت هذه التركيبات لبشرة البالغين، مما يعرض الأطفال لمخاطر صحية لا داعي لها.

وتوضح الدكتورة إيما ويدجوورث، استشارية الأمراض الجلدية والمتحدثة باسم مؤسسة الجلد البريطانية، في حديثها لمجلة “التايمز”، أن الترويج لفكرة أن الأطفال بحاجة إلى روتينات معقدة، يؤدي إلى استخدام غير مبرر لمنتجات تسبب التهيج والاحمرار والتقشر، مؤكدة أن هذه المنتجات “ليست ألعابا”، بل تركيبات فعالة تتطلب إشرافا متخصصا.

وتعزز هذه المخاوف نتائج استطلاع شمل 1000 قارئة لمجلة “جيرل توك” للفتيات من سن 7 إلى 11 عاما، إذ أظهرت أن 10٪ من الفتيات في عمر الثامنة يستخدمن كريمات العين، و26٪ من الفتيات تحت سن الثامنة يستخدمن منتجات العناية بالبشرة، وترتفع النسبة إلى 74٪ بين الفتيات اللواتي يبلغن 11 عامًا فأكثر. وتشير رئيسة تحرير المجلة، كلير نورمان، إلى أنها صدمت من مدى حضور مستحضرات العناية بالبشرة في حياة هؤلاء الفتيات الصغيرات.

تأثيرات نفسية تتجاوز سطح الجلد

لا تقتصر مخاطر هوس التجميل على البشرة فحسب، بل تمتد إلى الصحة النفسية والاجتماعية للأطفال والمراهقين. فالتركيز المبكر على المظهر يعزز المقارنات المستمرة مع الآخرين ويزيد القلق المرتبط بالصورة الذاتية، مما يغذي شعورا مبكرا بعدم الرضا عن الشكل الطبيعي.

وقد يقود السعي إلى “بشرة مثالية” إلى علاقة غير صحية مع مفهوم الجمال، ويخلق قلقا طويل المدى مرتبطا بالمظهر والثقة بالنفس. كما يمكن أن تتحول روتينات العناية إلى سلوك قهري هدفه تهدئة التوتر أو تحسين المزاج، فتتجاوز حدود العادة الصحية البسيطة إلى نمط يحتاج إلى انتباه ومتابعة.

أين ينتهي الاهتمام الصحي ويبدأ الهوس؟

ينبغي أن تقتصر العناية ببشرة الأطفال على الأساسيات المناسبة للعمر، مثل تنظيف الوجه بلطف واستخدام واقي الشمس عند الضرورة، مع تجنب المنتجات النشطة كالسيروم والريتينول قبل مرحلة المراهقة. ولا يعني ذلك منع الطفل من الاهتمام بمظهره تماما، بل توضيح الفرق بين العناية الصحية المتوازنة والانشغال المبالغ فيه بالمظهر.

إعلان

في هذه المرحلة العمرية، يكفي روتين بسيط يحمي البشرة ويعزز صحتها، أما الروتينات المعقدة والمتعددة الخطوات فغالبا ما تعكس ضغوطا اجتماعية وتأثيرا لمحتوى رقمي، أكثر مما تعبر عن حاجة طبية حقيقية.

كيف يمكن للأهل التعامل مع الظاهرة؟

يمكن للأهل اتخاذ خطوات عملية للحد من تأثير هوس التجميل على الأطفال، من أهمها:

  • توضيح الفرق بين النظافة والعناية المبالغ فيها

من الضروري شرح أن لكل عمر احتياجاته ومنتجاته المناسبة، وأن الأطفال يحتاجون أساسا إلى غسول لطيف وواقي شمس عند الحاجة، بينما تبقى المنتجات المتقدمة غير ضرورية في هذه المرحلة.

  • تقليل التعرض لمحتوى التجميل الرقمي

الحد من متابعة روتينات العناية بالبشرة على وسائل التواصل يساعد في تقليل المقارنة والضغط النفسي المرتبط بالمظهر. كما أن النقاش المفتوح مع الطفل حول الإعلانات والمؤثرين يساهم في تنمية وعيه النقدي تجاه المحتوى الرقمي.

Streaming youtube make up artist freelancer freepik
ينفق الأطفال مصروفهم على منتجات التجميل بدلا من الألعاب (فري بيك)
  • تعزيز الثقة بالنفس بعيدا عن الشكل الخارجي

تشجيع الطفل على تطوير مهاراته واهتماماته وهواياته يقلل من ارتباط تقديره لذاته بمظهره فقط، ويفتح أمامه مصادر أخرى للشعور بالإنجاز والانتماء.

  • استشارة طبيب الجلدية عند الحاجة

عند ظهور أي مشكلات جلدية، ينبغي الاعتماد على التقييم الطبي بدلا من تجربة منتجات جديدة أو اتباع نصائح عشوائية من الإنترنت، حماية لبشرة الطفل ونفسيته في آن واحد.

في المحصلة، تعكس ظاهرة كوزموتريكس أو هوس التجميل تحولا ثقافيا واضحًا في علاقة الأجيال الجديدة بالجمال وصورة الجسد. ورغم أن الاهتمام بالمظهر جزء طبيعي من النمو، فإن الحفاظ على توازنه يتطلب دورا مشتركا من الأسرة والمدرسة والمجتمع، حتى تبقى العناية بالبشرة سلوكا صحيا بسيطا، لا مصدرا لضغط مبكر على الأطفال.

 

المصدر: الجزيرة