من بريكس إلى أفريقيا.. كيف تصوغ الصين حضورها في الجنوب العالمي؟

تقدّم الصين نفسها شريكا في التنمية وصوتا مدافعا عن توسيع حضور دول الجنوب في إدارة الشؤون الدولية، مستندة إلى موقعها -وفق خطابها الرسمي- كأكبر دولة نامية، وإلى تقاطع مصالحها مع دول تسعى إلى التصنيع وتحسين فرصها في التجارة والتمويل.

يستمد هذا التوجه مبرراته من فجوة بين الوزن السكاني والاقتصادي للدول النامية ومستوى مشاركتها في الحوكمة العالمية، ويربط التناول الإعلامي هذه الفجوة باختلالات التنمية والحاجة إلى مؤسسات أكثر تمثيلا واستجابة لأولويات الجنوب.

حصة الدول الأفريقية من التجارة الدولية والقيمة المضافة في قطاع التصنيع غير كافية، مما يستدعي بشكل عاجل التكامل التجاري والاستثماري لتعزيز التصنيع والتنمية الاقتصادية

بواسطة جيانغ تشنغ هوا

وتتحرك بكين عبر طرح قضايا التنمية داخل المؤسسات القائمة، وبناء قدرة جماعية على المشاركة من خلال أطر التعاون بين الدول النامية، ففي منظمة التجارة العالمية، تدفع بمقترح لتكامل التجارة والاستثمار وتربطه بالتصنيع الأفريقي، بينما تشارك عبر “بريكس الموسعة” في إطار يمنح المصالح المشتركة قنوات للتنسيق والتمويل.

قصص مقترحة

list of 4 items

  • list 1 of 4من قمة إلى أخرى.. الصين تصوغ عالما مواتيا لتفوقها
  • list 2 of 4هل تنتقل الصين من خطاب الإصلاح الدولي إلى بناء منظومة نفوذ؟
  • list 3 of 4“بريكس” بين الهند والصين.. هل يقود تقاربهما الجنوب العالمي؟
  • list 4 of 4خطة الاختراق الكبير.. هكذا تنسج بكين بصمت خيوط النظام العالمي الجديد

end of list

ويتقاطع السعي إلى تعزيز موقع الصين شريكا تنمويا مع مطلب توسيع تمثيل دول الجنوب، فيما تمنح المشروعات الصناعية وتبادل الخبرات هذا الخطاب مضمونا عمليا.

In this pool photograph distributed by the Russian state agency Sputnik, (L-R) Brazil's Foreign Minister Mauro Vieira, UAE's Supreme Council for National Security Secretary-General Ali Mohamed Hammad Al Shamsi, Indonesia's President Prabowo Subianto, Egypt's President Abdel Fattah al-Sisi, Russia's President Vladimir Putin, India's Prime Minister Narendra Modi, China's President Xi Jinping, South Africa's President Cyril Ramaphosa, Iran's President Masoud Pezeshkian and Ethiopia's Prime Minister Abiy Ahmed pose for a family photo during the 18th BRICS Summit in New Delhi.
قادة ومسؤولون من دول مجموعة “بريكس” يلتقطون صورة جماعية خلال القمة الـ18 في نيودلهي (الفرنسية)

الصناعة بوابة الشراكة

يتجسد هذا التصور في اجتماع نظمته الصين وزامبيا ورواندا بمنظمة التجارة العالمية في جنيف يوم 29 أكتوبر/تشرين الأول، ونقلت وكالة الانباء الصينية “شينخوا” عن جيانغ تشنغ هوا، نائب وزير التجارة، قوله إن ضعف الحصة الأفريقية في التجارة الدولية والقيمة المضافة الصناعية يستدعي تعزيز التصنيع عبر تكامل التجارة والاستثمار، مشيرا إلى استعداد الصين لتبادل خبراتها واستثمار فرصة إصلاح المنظمة لدفع أجندتها التنموية.

إعلان

وتبرز زامبيا مثالا على ربط الاستثمار بإعادة توظيف الموارد المحلية، إذ أوردت “شينخوا” في تقريرها مشروعا صينيا يتجاوز استثماره 500 مليون دولار، بطاقة سنوية تبلغ 300 ألف طن من اليوريا، لتحويل الفحم إلى أسمدة.

ويربط التقرير المشروع بتحوّل البلاد من استيراد الأسمدة إلى تصديرها بشكل يجمع الصناعة باحتياجات الزراعة وفرص التجارة.

وفي رواندا، أسهمت استثمارات مصانع صينية في تشغيل نحو 10 آلاف شخص ووصول الملابس المصنعة محليا إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية.

ويضيف الاستثمار قيمة إلى مورد محلي في الحالة الزامبية، بينما يوسّع التشغيل والتصدير في الحالة الرواندية، وتلتقي التجربتان في تقديم الشراكة الصينية مدخلا لتطوير القدرة الإنتاجية.

ويمتد هذا الطرح إلى البيئة المحيطة بالمصنع، فقد نقلت “شينخوا” عن تشن هاو، نائب مدير مكتب التعاون الاقتصادي الدولي بوزارة التجارة الصينية، عرضا لمشروعات الطرق والموانئ والمطارات والمناطق الصناعية، إلى جانب مشروعات 38 مدرسة مهنية وتقنية في 23 دولة أفريقية.

BEIJING, CHINA - JULY 01: A boy runs by a portrait of Chinese president and party Chairman Xi Jinping, as he visits the Museum of the Communist Party on the 105th anniversary of the founding of the organization in 1921, on July 1, 2026 in Beijing, China. Various events were marked across the country, and at the main event held at the Great Hall of the People, Chinese president and Party Chairman Xi Jinping referred to the party in his speech as the "most magnificent epic" of the Chinese nation. (Photo by Kevin Frayer/Getty Images)
صبي يمر بجوار صورة الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارته لمتحف الحزب الشيوعي في بكين (غيتي)

التنظيم واستمرارية التنفيذ

تصل هذه المشروعات بين الاستثمار وشروط استمراره، إذ تربط شبكات النقل الإنتاج بالأسواق، ويوفر التدريب المهارات، وتتيح المناطق الصناعية تكامل الأنشطة، ومن هنا ينتقل سؤال التنمية إلى قدرة المؤسسات على إدارة الموارد ومتابعة التنفيذ؛ وهي المساحة التي تطرح فيها الصين خبرتها التنظيمية.

ويربط تقرير نشره موقع شبكة الصين الإخباري بين الانضباط الحزبي ومكافحة الفساد واستمرارية تنفيذ الخطط، وتقوم حجته على أن التنظيم والرقابة والمساءلة تدعم تحويل التوجهات السياسية إلى عمل مؤسسي عبر مستويات الإدارة المختلفة.

ويأخذ هذا التوجّه بعدا سياسيا خارجيا من خلال التبادل الحزبي، حيث نقل التقرير عن جونسون نكيتيا، رئيس حزب المؤتمر الوطني الديمقراطي في غانا، تقديره للقواعد الثماني التي أقرّها المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني لتحسين أسلوب عمل القيادة وتعزيز صلتها بالجمهور، ودورها في تحسين السلوك ومكافحة الفساد، عقب زيارة وفد حزبه إلى الصين.

كما نقل عن وزير النقل والطرق والتنمية الحضرية السريلانكي بيمال راتناياكي، عضو المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الشعبية، قوله إن حزبه ترجم القواعد الثماني وتفاصيلها التنفيذية ومنظومة اللوائح الحزبية الصينية إلى اللغة المحلية وعممها للدراسة.

BEIJING, CHINA - SEPTEMBER 5: Chinese President Xi Jinping (C) and leaders from African nations prepare to pose for a group photo prior to the Forum on China-Africa Cooperation (FOCAC) at The Great Hall of People on September 5, 2024 in Beijing, China. The diplomatic forum between China and African nations is held once every three years and is taking place in Beijing from September 4 through 6. (Photo by Adek Berry - Pool/Getty Images)
شي جين بينغ وقادة من دول أفريقية في صورة جماعية قبل انعقاد منتدى التعاون الصيني الأفريقي في بكين (غيتي)

من وزن اقتصادي إلى التأثير

على المستوى الدولي، ترى صحيفة بكين اليومية أن تطور “بريكس الموسعة” يعكس انتقال دول الجنوب من تنامي الوزن الاقتصادي إلى بناء القدرة على التعاون والمشاركة في الحوكمة العالمية.

وتربط الصحيفة هذا الانتقال بالمصالح العملية في الصناعة والتجارة والطاقة والتكنولوجيا، وبالاجتماعات متعددة المستويات وآليات التمويل، ومنها بنك التنمية الجديد، إذ تمنح المؤسسات التعاون الاستمرارية، وتوفر قنوات لتحويل المطالب التنموية إلى مبادرات مشتركة.

إعلان

ويحتل استيعاب الاختلاف مكانة أساسية في هذا التصور، فتباين النظم والأولويات الوطنية يجعل التشاور واحترام الخيارات أساسا للعمل الجماعي، وتبقى “بريكس” إطارا تتقاطع داخله أدوار الصين وسائر الدول الأعضاء، ويكتسب فاعليته من قدرته على تنظيم مصالحهم المتفاوتة.

تشير التقارير الصحفية الصينية إلى أن الدور الذي تنشده بكين يقوم على وصل المطالب التنموية بأدوات الإنتاج والتنفيذ والمشاركة الدولية، فهي تستخدم منبر منظمة التجارة العالمية لإدراج تكامل التجارة والاستثمار ضمن نقاش التنمية، وتشارك عبر “بريكس” في توسيع قنوات التمويل والتنسيق.

ويمنحها الجمع بين المشروعات والخبرة والتحرك المؤسسي أساسا لتقديم نفسها صوتا مدافعا عن دول الجنوب داخل فضاء تتعدد فيه الأولويات.

وفي ضوء هذه القراءة، ترتبط القيمة الأعمق لهذا الحضور بمساعدة الدول النامية على التعبير عن مصالحها والمشاركة في صياغة القرارات التي تمسها، مستندة إلى قدرات إنتاجية ومؤسسية تعزز استقلال خياراتها.

 

المصدر: الجزيرة