من منزلك إلى عملك.. سيارتك تتجسس عليك وتكشف تفاصيل حياتك

لم تعد السيارات الحديثة مجرد وسائل للنقل، بل تحولت إلى منصات رقمية تجمع معلومات تفصيلية عن مستخدميها، بدءا من المواقع التي يزورونها والمسافات التي يقطعونها، وصولا إلى سرعات القيادة وطريقة استخدام المكابح والتطبيقات المتصلة بالمركبة.

ورغم أن كثيرا من هذه البيانات يُجمع لتشغيل أنظمة الملاحة والسلامة والخدمات الذكية، فإن بعضها قد ينتقل إلى شركات خارجية تعمل في مجالات الإعلان وتحليل البيانات والتأمين، دون أن يكون السائق على دراية كاملة بحجم المعلومات التي تشاركها سيارته.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2حصاد الأسبوع: 1015 حصانا من جاغوار وعودة أسطورة سيتروين
  • list 2 of 2أضواء تحذيرية في سيارتك.. ماذا تعني ومتى يجب التوقف فورا؟

end of list

وكشفت دراسة أمريكية حديثة، نُشرت نتائجها في 29 سبتمبر/أيلول 2026، عن نطاق واسع لتبادل البيانات بين السيارات المتصلة بالإنترنت وشركات التكنولوجيا. وأظهرت أن 19 سيارة من أصل 21 شملها الاختبار اتصلت بجهة خارجية واحدة على الأقل، بينما نقلت بعض التطبيقات المرتبطة بالسيارات بيانات يمكن استخدامها للتعرف على أصحابها.

وتعيد هذه النتائج طرح تساؤلات بشأن خصوصية السائقين، والجهات التي تصل إليها بياناتهم، ومدى قدرتهم على التحكم فيها أو منع استخدامها لأغراض لا ترتبط بتشغيل السيارة.

كيف تجمع سيارتك معلوماتك؟

تعتمد السيارات الحديثة على مجموعة من أجهزة الاستشعار والكاميرات وأنظمة الاتصال التي تتيح لها مراقبة أدائها والتواصل مع الخدمات الخارجية.

وتؤدي وحدة الاتصال المثبتة داخل السيارة دورا رئيسيا في هذه العملية، إذ تسمح بإرسال البيانات عبر الشبكات الخلوية، وتشغيل خدمات مثل طلب المساعدة في حالات الطوارئ، والتحكم عن بعد، وتحديث البرامج عبر الإنترنت.

أما نظام المعلومات والترفيه، فيتيح الاتصال بالهواتف الذكية وشبكات الإنترنت وتطبيقات الملاحة والموسيقى والخدمات الأخرى.

وهكذا تستطيع السيارة تبادل البيانات عبر أكثر من قناة، بعضها يعمل بصورة مستقلة عن الهاتف المحمول، مما يجعل التحكم الكامل في المعلومات المتداولة أكثر تعقيدا.

إعلان

ولا تقتصر البيانات التي يمكن جمعها على المعلومات الفنية المتعلقة بالمحرك والبطارية واستهلاك الطاقة، بل قد تشمل سرعة القيادة والتسارع والفرملة الحادة وأوقات استخدام السيارة.

كما تستطيع بعض الأنظمة تسجيل الموقع الجغرافي والمسارات المتكررة والأماكن التي تتوقف عندها المركبة، وهي معلومات قد تكشف كثيرا من تفاصيل الحياة اليومية لصاحبها.

وتضاف إلى ذلك بيانات تعريفية، مثل رقم تعريف المركبة (VIN)، وعنوان البريد الإلكتروني ورقم الهاتف، فضلا عن البيانات التي تصل إليها التطبيقات المرافقة وفقا للصلاحيات الممنوحة لها.

أنظمة الاتصال والملاحة في السيارات الحديثة تتيح جمع بيانات متنوعة عن المركبة ومستخدمها
أنظمة الاتصال والملاحة في السيارات الحديثة تتيح جمع بيانات متنوعة عن المركبة ومستخدمها (بيكسلز)

دراسة تكشف حجم تبادل البيانات

أجرى باحثون من جامعة نورث إيسترن الأمريكية، بالتعاون مع مؤسسة كونسيومر ريبورتس (Consumer Reports)، دراسة شملت 21 سيارة من 19 علامة تجارية، إلى جانب 30 تطبيقا للهواتف الذكية مرتبطا بهذه السيارات.

وراقب الباحثون حركة البيانات الصادرة عن المركبات والتطبيقات، لمعرفة الجهات التي تتصل بها وأنواع المعلومات التي يمكن أن تنتقل خارج أنظمة الشركات المصنعة.

وأظهرت النتائج أن 19 سيارة من أصل 21 أجرت اتصالات عبر شبكة واي فاي مع جهة خارجية واحدة على الأقل.

لكن النتائج الأكثر إثارة للقلق ظهرت في التطبيقات المرافقة، إذ تبين أن 28 تطبيقا من أصل 30 اتصلت بشركة خارجية واحدة على الأقل تعمل في الإعلان أو التحليلات، بينما أرسلت 7 تطبيقات بيانات تعريفية شخصية إلى جهات خارجية.

وشملت هذه البيانات أسماء أصحاب السيارات أو أرقام تعريف المركبات أو مواقعها الجغرافية الدقيقة، بحسب التطبيق وطبيعة الاتصال المرصود.

وكانت شركات تكنولوجيا كبرى، من بينها غوغل وأمازون ومايكروسوفت وميتا، ضمن الجهات التي رُصدت اتصالات معها.

ومع ذلك، فإن رصد اتصال مع شركة خارجية لا يعني بالضرورة انتقال جميع بيانات القيادة إليها أو استخدامها لأغراض إعلانية، إذ قد يرتبط بعض الاتصالات بخدمات تقنية تقدمها تلك الشركات.

بياناتك قد تصل لشركات التأمين

تكمن حساسية هذه المعلومات في إمكانية ربطها بهوية السائق واستخدامها لتكوين صورة عن سلوكه خلف المقود. فبيانات السرعة والتسارع والفرملة والمواقع الجغرافية قد تساعد في تقييم أنماط القيادة، وهي معلومات يمكن أن تستفيد منها شركات التأمين عند تحديد مستوى المخاطر وأقساط التأمين.

وتقدم قضية شركة جنرال موتورز الأمريكية مثالا بارزا على المخاوف المرتبطة بهذه الممارسات.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، أصدرت اللجنة أمرا نهائيا يحظر على جنرال موتورز مشاركة بيانات مواقع السائقين وسلوكهم مع وكالات التقارير الاستهلاكية لمدة 5 سنوات.

كما ألزمها الأمر، الذي يمتد سريانه إلى 20 عاما، بتوفير إجراءات تعزز الشفافية وتحكم المستهلكين في بياناتهم، بما في ذلك الحصول على موافقة صريحة قبل جمعها أو استخدامها أو مشاركتها، مع استثناءات محددة.

ولم تتوقف القضية عند هذا الحد، إذ أعلنت سلطات ولاية كاليفورنيا في الثامن من مايو/أيار 2026 التوصل إلى تسوية مع جنرال موتورز بقيمة 12.75 مليون دولار، على خلفية بيع بيانات المواقع والقيادة المتعلقة بمئات الآلاف من سكان الولاية إلى وسيطين للبيانات، بالمخالفة لقوانين الخصوصية.

إعلان

وتضمنت التسوية، التي أُعلنت خاضعة لموافقة المحكمة، قيودا على بيع هذه المعلومات واستخدامها والاحتفاظ بها.

تجمع التطبيقات المرتبطة بالسيارات معلومات عن المركبة ومستخدميها، وقد تنقل بعضها إلى شركات متخصصة في الإعلانات وتحليل البيانات (مولدة بالذكاء الاصطناعي).
تجمع التطبيقات المرتبطة بالسيارات معلومات قد تنقل بعضها إلى شركات متخصصة (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

تسريب يكشف مواقع 800 ألف سيارة

لا تقتصر المخاطر على بيع البيانات أو مشاركتها لأغراض تجارية، بل تمتد إلى احتمال تعرضها للاختراق أو الكشف غير المصرح به.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، كُشفت مشكلة أمنية مرتبطة بشركة كاريد (Cariad)، الذراع البرمجية لمجموعة فولكس فاغن الألمانية، أدت إلى تعريض بيانات نحو 800 ألف سيارة كهربائية للكشف.

وارتبطت المشكلة ببيانات مخزنة على خدمات سحابية بصورة غير مؤمنة بما يكفي، مما أتاح إمكانية الوصول إلى معلومات عن مواقع المركبات وبعض بيانات مستخدميها.

وشملت السيارات المتأثرة طرازات تابعة لفولكس فاغن وعلامات أخرى بالمجموعة، بينما تضمنت المواقع المكشوفة بيانات يمكن أن تكشف تحركات أشخاص، من بينهم سياسيون ورجال شرطة.

وسلطت الواقعة، التي كشف تفاصيلها نادي كايوس للحاسوب (Chaos Computer Club) الألماني، الضوء على حساسية البيانات التي تحتفظ بها السيارات المتصلة بالإنترنت، حتى عندما لا يكون جمعها موجها لأغراض تجارية.

وتزداد حساسية هذه المعلومات عند ارتباطها برقم تعريف المركبة (VIN)، الذي يميز كل سيارة عن غيرها ولا يمكن تغييره بسهولة، على عكس بعض المعرفات الرقمية المستخدمة في الهواتف والتطبيقات.

وعندما يرتبط هذا الرقم باسم المالك أو عنوانه أو سجل تحركاته، يصبح من الممكن ربط بيانات متفرقة بمركبة محددة، وربما بأشخاص يستخدمونها.

ماذا يمكن أن تكشف سيارتك عن حياتك؟

قد تبدو بيانات الرحلات اليومية معلومات عادية إذا نُظر إلى كل رحلة بصورة منفصلة، لكن جمعها وتحليلها على مدى طويل يمكن أن يكشف تفاصيل شخصية حساسة.

فالمواقع التي تتوقف عندها السيارة بصورة متكررة قد تساعد على تحديد مكان إقامة مستخدمها وعمله، بينما تكشف أوقات المغادرة والعودة عن نمط حياته اليومي.

كما يمكن ربط هذه المعلومات ببيانات أخرى متاحة لدى شركات الإعلان أو وسطاء البيانات لبناء ملفات تعريف أكثر تفصيلا عن الأشخاص وعاداتهم واهتماماتهم.

وتزداد المخاطر إذا وصلت هذه المعلومات إلى جهات غير مصرح لها، إذ قد تُستغل لمعرفة أوقات غياب الأشخاص عن منازلهم أو تتبع تحركاتهم.

ومن جهة أخرى، يفرض الاتصال الدائم بالإنترنت تحديات تتعلق بالأمن السيبراني، لأن وجود ثغرات في برمجيات السيارة أو خدماتها المتصلة قد يتيح الوصول غير المصرح به إلى بعض أنظمتها.

لكن جمع بيانات القيادة أو حدوث تسريب للمعلومات لا يعني بالضرورة إمكانية التحكم عن بعد في وظائف السيارة الحيوية، إذ يعتمد ذلك على طبيعة الثغرة والأنظمة المتأثرة ومستوى الحماية المطبق.

تتبادل السيارات الحديثة البيانات عبر شبكات الاتصال والأقمار الصناعية والخدمات السحابية، مما يثير مخاوف متزايدة بشأن خصوصية السائقين وأمن معلوماتهم (مولدة بالذكاء الاصطناعي).
تتبادل السيارات الحديثة البيانات عبر شبكات الاتصال والأقمار الاصطناعية والخدمات السحابية (مولدة بالذكاء الاصطناعي)

من يحمي خصوصية السائقين؟

تختلف القواعد المنظمة لجمع بيانات السيارات واستخدامها بين الدول، لكن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اتخذا خطوات للحد من بعض الممارسات التي قد تنتهك خصوصية المستخدمين.

ففي الاتحاد الأوروبي، تخضع معالجة البيانات الشخصية للائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، التي تفرض وجود أساس قانوني للمعالجة، وتمنح الأفراد حقوقا تتعلق بالوصول إلى بياناتهم وتصحيحها وحذفها والاعتراض على بعض أوجه استخدامها، وفقا للشروط القانونية.

وقد تصل الغرامات عن بعض المخالفات الجسيمة إلى 20 مليون يورو (نحو 21.6 مليون دولار) أو 4% من إجمالي الإيرادات السنوية العالمية للشركة، أيهما أعلى.

كما يفرض التشريع الأوروبي رقم 2019/2144 ضوابط محددة على بعض أنظمة السلامة، ومنها أنظمة التحذير من نعاس السائق وتشتت انتباهه. وتقضي هذه الضوابط بألا تحتفظ الأنظمة ببيانات تتجاوز ما يلزم لأداء وظيفتها، وأن تُعالج المعلومات ضمن أنظمة مغلقة، مع منع إتاحتها لأطراف خارجية وفق الشروط المنصوص عليها في التشريع.

إعلان

أما في الولايات المتحدة، فتمنح قوانين الخصوصية في ولايات مثل كاليفورنيا المستهلكين حقوقا تتعلق بمعرفة البيانات التي تجمعها الشركات، وطلب حذفها، والاعتراض على بيعها أو مشاركتها في حالات معينة.

ورغم هذه الحماية، لا تزال القواعد متفاوتة بين الدول والولايات، كما أن الضوابط الخاصة ببعض وظائف السيارة لا تعني بالضرورة حظر جمع البيانات عبر جميع الأنظمة الأخرى.

كيف تحمي خصوصيتك داخل السيارة؟

رغم صعوبة منع جميع عمليات جمع البيانات في السيارات الحديثة، يمكن للسائق اتخاذ إجراءات تحد من المعلومات التي يشاركها مع الشركة المصنعة والجهات الخارجية.

وتبدأ الخطوة الأولى بمراجعة إعدادات الخصوصية داخل شاشة السيارة، والبحث عن الخيارات المتعلقة بمشاركة الموقع الجغرافي وسجل الرحلات وبيانات القيادة والخدمات التحليلية، وتعطيل ما لا يحتاج إليه المستخدم، متى كان ذلك متاحا.

كما ينبغي مراجعة التطبيقات المرتبطة بالسيارة على الهاتف المحمول، وحذف التطبيقات غير الضرورية، وتقييد صلاحيات الوصول إلى الموقع وجهات الاتصال والبيانات الأخرى.

ومن المفيد أيضا الانتباه إلى الخدمات الاختيارية التي تعتمد على مراقبة أسلوب القيادة، ومعرفة ما إذا كانت البيانات المرتبطة بها تُستخدم لأغراض أخرى، مثل تحليل المخاطر أو تقديم عروض التأمين.

ويمكن للمستخدم، حيث تسمح القوانين وسياسات الشركات، تقديم طلب رسمي للحصول على نسخة من بياناته أو حذفها أو الاعتراض على بيعها ومشاركتها.

أما عند بيع السيارة أو إعادتها بعد فترة تأجير، فمن الضروري حذف الهواتف المقترنة وحسابات المستخدمين والعناوين المحفوظة وسجل الملاحة، مع إجراء إعادة ضبط المصنع لنظام المعلومات والترفيه، وفصل ارتباط المركبة بالتطبيقات والحسابات الشخصية.

وينبغي التأكد أيضا من إلغاء الخدمات المرتبطة بالمالك السابق، لأن إعادة ضبط الشاشة وحدها قد لا تحذف البيانات المخزنة لدى الشركة المصنعة.

ولا توفر هذه الإجراءات حماية مطلقة، لكنها تساعد على تقليل كمية المعلومات الشخصية التي يمكن جمعها أو مشاركتها.

هل تحتاج السيارات إلى ملصقات للخصوصية؟

مع تزايد اعتماد السيارات على البرمجيات والخدمات المتصلة، ظهرت دعوات إلى إلزام الشركات بإبلاغ المستهلكين بصورة أوضح عن البيانات التي تجمعها مركباتهم وكيفية استخدامها.

ومن بين المقترحات إدراج معلومات الخصوصية ضمن الملصقات التعريفية للسيارات الجديدة، على غرار الملصقات التي توضح استهلاك الوقود والتجهيزات.

وورد هذا التوجه ضمن مسودة توصيات لمجلس استشاري معني بإنترنت الأشياء في الولايات المتحدة، تضمنت الدعوة إلى توضيح ما إذا كانت السيارة تجمع بيانات شخصية، وما إذا كانت تُباع لجهات خارجية، وإمكانية رفض مشاركتها. ويظل هذا مقترحا، وليس التزاما قانونيا عاما مفروضا على الشركات.

وتكشف نتائج الدراسات والإجراءات التنظيمية الأخيرة أن خصوصية السائق أصبحت جزءا من قضايا ملكية السيارة واستخدامها، ولم تعد مسألة تقتصر على الهاتف الذكي أو الحاسوب.

فالمستهلك الذي يعرف تكلفة الوقود والصيانة والتأمين يحتاج أيضا إلى معرفة نوع البيانات التي تجمعها سيارته، والجهات التي تتلقاها، والخيارات المتاحة للتحكم فيها.

ومع اتساع الاعتماد على السيارات المتصلة بالإنترنت، تزداد أهمية هذه المعلومات عند اتخاذ قرار الشراء، حتى لا يحصل السائق على تقنيات أكثر تطورا مقابل تنازله عن جانب من خصوصيته دون علم واضح.

 

المصدر: الجزيرة