هرمز بين مسارين إيراني وعُماني.. ما الذي تشتهيه السفن؟

في محاولة لتفسير عودة التوتر إلى قلب مضيق هرمز بعد نحو 10 أيام من إبرام مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، يشير محللون إلى ظهور مسارات مختلفة تتنافس في إدارة حركة الملاحة في المضيق.

وتبادلت الولايات المتحدة وإيران القصف -منذ يوم الجمعة الماضي- عقب يوم من إعلان سلطنة عُمان تحديد ممر جديد في هرمز، وهي الخطوة التي لقيت ترحيبا خليجيا وأمريكيا، وأثارت غضب طهران التي حذّرت من عبور السفن خارج المسارات التي حددتها.

وتشهد الساحة السياسية والدبلوماسية الإقليمية والعالمية حراكا مكثفا لإعادة تنظيم الملاحة في هرمز، وضمان استمرار تدفق النفط والغاز دون عوائق أو رسوم إضافية، وسط تباين في المواقف بشأن آليات إدارة هذا الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة الطاقة العالمية.

ويحدّ مضيق هرمز إيران من الشمال وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة من الجنوب، ويبلغ عرضه حوالي 50 كيلومترا، بينما يبلغ نحو 33 كيلومترا عند أضيق نقطة فيه، ورغم عدم اتساعه فإنه عميق بما يكفي لاستيعاب أكبر ناقلات النفط في العالم.

***داخلية*** حركة مرور الناقلات عبر مضيق هرمز 24 يونيو إلى 26 يونيو
حركة مرور الناقلات عبر مضيق هرمز بين 24 و26 يونيو/حزيران الجاري (الجزيرة)

استياء إيراني من ممر عُمان

ونقلت صحيفة فايننشال تايمز عن دبلوماسي إيراني قوله إن بلاده أبدت استياءها من قيام مسقط بفتح ممر للسفن العابرة، الأمر الذي سيقلّص سيطرة طهران على هذا الممر الحيوي.

وأضاف الدبلوماسي أن الوسطاء يُجرون اتصالات مع البلدين سعيا لاحتواء التصعيد وإبقاء المسار التفاوضي قائما.

وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأحد أن المضيق سيظل تحت الإشراف والإدارة الكاملة لبلاده، خلال الـ30 يوما القادمة، مضيفا أنه وبعد إزالة العوائق ستعود الأمور لسابق عهدها، مشيرا إلى أنه لا مسؤولية لأي جهة في عمل المضيق، وأي شيء غير ذلك يخالف مذكرة التفاهم مع واشنطن.

إعلان

أما سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز فقال إن بلاده ستواصل استهداف البنية التحتية العسكرية الإيرانية، إذا هددت طهران حركة الملاحة البحرية في المضيق.

وكانت بحرية الحرس الثوري الإيراني حذرت -الخميس الماضي- من إبحار السفن خارج المسارات التي تحددها إيران في مضيق هرمز، مشيرة إلى أن أي ممر جديد يُعلن عنه دون ⁠⁠⁠⁠تنسيق معها يُعد “أمرا مرفوضا وينطوي على خطورة بالغة”.

وجاء التحذير الإيراني عقب إعلان سلطنة عُمان إتاحة استخدام ممر بحري مؤقت لجميع السفن الراغبة في عبور مضيق هرمز بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، وفقا لما نقلته وكالة الأنباء العُمانية.

إيران وعُمان.. حركة العبور

وفي مسعى لإبقاء إدارة المضيق ضمن مسؤوليات إيران حصرا، اعتبر التلفزيون الإيراني أن أكثر الممرات “أمانا” للسفن الداخلة إلى الخليج يقع جنوبي جزيرة هرمز، وللسفن الخارجة جنوبي جزيرة لارك على الساحل الإيراني.

في حين أفادت شبكة “سي إن إن”، بأن عدة سفن تجارية كبرى عبرت بالفعل الجزء الجنوبي من مضيق هرمز متجهة إلى موانئ الخليج، في مؤشر إضافي على استعداد المزيد من السفن لاستخدام مسار ملاصق للساحل العماني.

وذكرت الشبكة الأمريكية أن من بين السفن التي دخلت الخليج -أمس الأحد- ناقلتان للنفط واثنتان للغاز المسال، كما عبرت سفينة حاويات المضيق عبر المسار نفسه.

وفيما لم يرد على وجه التحديد عدد السفن التي مرّت عبر المسار الإيراني، أفاد مركز المعلومات البحرية المشترك بأنه -خلال الـ72 ساعة الماضية- شهد هرمز ازديادا في حركة مرور السفن عبر الممر الجنوبي العماني، وأيضا الشمالي الخاضع لسيطرة إيران.

وتنقل “سي إن إن” عن الرئيس التنفيذي لشركة ماريسكس للاستشارات في مجال المخاطر البحرية، ديميتريس مانياتيس، قوله إن الواقع في مضيق هرمز “يسبب ارتباكا كبيرا فيما يتعلق بالإبحار الآمن”، مضيفا أن “البيئة الحالية خطيرة للغاية”.

ما الذي تقوله مذكرة التفاهم؟

وبموجب مذكرة التفاهم التي أبرمت في 17 يونيو/حزيران الجاري، وافقت إيران على أنها “ستقوم بوضع ترتيبات وتبذل قصارى جهدها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية -دون أي رسوم ولمدة 60 يوما فقط- من الخليج العربي إلى بحر عُمان والعكس”.

ورغم أن الاتفاق ينص على ضرورة استئناف الحركة التجارية على الفور، فإنه يقر أيضا بوجوب إزالة الألغام التي زُرعت أثناء الصراع أولا، مشيرا إلى أن “عمليات إزالة الألغام من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستبدأ في غضون 30 يوما”.

كما ينص الاتفاق على إجراء مناقشات بين إيران وعُمان ودول الخليج الأخرى بشأن الترتيبات المستقبلية لإدارة الملاحة عبر الممر المائي. ومع ذلك، فإن الاتفاق لا يحدد ما سيحدث بعد فترة الـ60 يوما الأولية.

لماذا تفضل شركات الشحن المسار العُماني؟

وفق شركة “ويندوارد” لتحليل المعلومات البحرية، فإن أكثر من نصف السفن المغادرة للخليج استخدمت الطريق الجنوبي بالقرب من سلطنة عُمان، في مؤشر على زيادة الإقبال على هذا المسار رغم التهديد الإيراني.

وذلك عائد لجملة أسباب من وجهة نظر شركات الشحن:

  • تجنّب رقابة الحرس الثوري

إذ تُلزِم طهران السفن بالحفاظ على الاتصال مع البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني أثناء عبورها الممر المائي.

إعلان
  • الشرعية الدولية

حظي إعلان مسقط بإنشاء ممر مؤقت للسفن في هرمز بترحيب من المجلس الوزاري الخليجي، وذلك خلال اجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية في المنامة الخميس الماضي.

وكانت سلطنة عُمان أعلنت إتاحة استخدام الممر البحري المؤقت لجميع السفن الراغبة، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية.

ومساء الأربعاء، نشر الحساب الرسمي لمركز الأمن البحري بسلطنة عُمان -على منصة “إكس”- خريطة إرشادات للسفن الراغبة في عبور الممر العُماني في المضيق.

  • خطر الألغام

ولا يزال الممر الرئيس وسط المضيق مسدودا بقرابة 80 لغما بحريا زرعتها إيران وتنتظر اكتمال عملية التطهير بموجب الاتفاق المؤقت، مما يجعل العبور من الممر العُماني وقرب الساحل الجنوبي خيارا مفضلا بعيدا عن هذه المساحة الملغومة.

  • العقوبات الأمريكية

وتخشى شركات الشحن -إذا امتثلت لمطالب الحرس الثوري واستخدمت المسار الإيراني- من خطر العقوبات الغربية في حال انهيار الاتفاق، وفق شبكة “سي إن إن”.

وتنقل الشبكة عن ماناتيس -من شركة ماريسكس- قوله إن “شركات الشحن العالمية ترغب في تجنب التعامل مع الإيرانيين خشية تعرضهم لعقوبات أمريكية في المستقبل”، مضيفا أن “الناس حذرون للغاية من الإدارة الأمريكية الحالية، لأنها أعلنت سابقا أن أي دفع رسوم مرور للنظام الإيراني قد يكون سببا لفرض عقوبات أمريكية”.

تحديات قائمة في هرمز

رغم ذلك، تشير شركات شحن إلى أن عدم وضوح المسار الأمثل في مضيق هرمز يعرقل جهود عودة الملاحة في الشريان الحيوي إلى مستويات ما قبل الحرب، إذ كان يعبر المضيق ما بين 120 و140 سفينة يوميا.

ووفق “سي إن إن”، فإن شركات الشحن ترى أن ما اتُّفق عليه بين قادة إيران والولايات المتحدة لا ينعكس على أرض الواقع، مشيرة إلى أن ما وصفوه بالغموض يدفع العديد من مالكي شركات الشحن إلى انتظار فترة طويلة من العبور الآمن قبل السماح لسفنهم بالإبحار مجددا.

وفي اليوم الذي سبق التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، علّقت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة جهود إجلاء مئات السفن وآلاف البحارة من مضيق هرمز، عقب تعرض سفينة لهجوم في خليج عُمان.

وفي السياق، أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض سفينة شحن لإصابة بمقذوف مجهول، بينما ذكرت شبكة بلومبيرغ أن عددا من السفن تراجعت عن مواصلة الإبحار باتجاه المضيق من خليج عُمان.

ورغم ذلك، لا تزال شركات إدارة المخاطر البحرية متفائلة بحذر بشروع السفن في الإبحار بعد شهور من حالة عدم اليقين، وهو الواقع الذي يفرض الاختيار بين طرق متنافسة وتحمل تكاليف أعلى بكثير.

 

المصدر: الجزيرة