لم يعد داء السكري مجرد مرض مزمن يمكن التعامل معه بوصفه مشكلة فردية تخص المريض وحده، بل أصبح واحدا من أكبر التحديات الصحية في العالم.
فبحسب منظمة الصحة العالمية، ارتفع عدد المصابين بالسكري من نحو 200 مليون شخص عام 1990 إلى 830 مليونا عام 2022، أي أن عدد المصابين زاد بأكثر من ثلاثة أمثال خلال نحو ثلاثة عقود.
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
وتشير المنظمة إلى أن انتشار المرض يتسارع في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل بوتيرة أكبر مقارنة بالدول مرتفعة الدخل، وهو ما يجعل السكري عبئا صحيا واقتصاديا مضاعفا في المجتمعات الأقل قدرة على تحمل تكاليف العلاج والمتابعة المنتظمة.
وفي عام 2021، تسبب السكري وأمراض الكلى المرتبطة به في أكثر من مليوني وفاة، كما ساهم ارتفاع مستوى السكر في الدم في نحو 11% من الوفيات المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
وتؤكد أرقام الاتحاد الدولي للسكري لعام 2025 حجم المشكلة؛ إذ تشير إلى أن 589 مليون بالغ بين 20 و79 عاما يعيشون مع السكري، بما يعادل 11.1% من هذه الفئة العمرية، أو شخصا واحدا تقريبا من كل 9 بالغين.
والأخطر أن أكثر من 4 من كل 10 مصابين لا يعرفون أنهم يعيشون مع المرض، ما يعني أن ملايين الحالات قد تظل بلا تشخيص إلى أن تظهر المضاعفات.
أمام هذا الواقع، لم تعد الأبحاث العلمية تبحث فقط عن أدوية تخفض سكر الدم، بل تتجه إلى أسئلة أعمق: كيف نحمي الخلايا المنتجة للإنسولين؟ كيف نمنع تلفها؟ وهل يمكن أن نستبدلها أو نعيد تشغيلها أو نزرعها داخل الجسم بطريقة آمنة وطويلة الأمد؟

جل حيوي قد يمهد لطريق جديد
في واحدة من التجارب اللافتة، أعلن باحثون من جامعة جنيف والمستشفيات الجامعية في جنيف عن تقدم علمي في مجال علاج السكري من النوع الأول، ضمن المشروع الأوروبي فانغارد (VANGUARD).
ونشرت النتائج في مجلة تريندس إن بايوتكنولوجي (Trends in Biotechnology) تحت عنوان “تركيبات غدية وعائية قابلة للزرع لتوصيل الإنسولين على نطاق سريري واسع”.
الفكرة تقوم على تطوير هيدروجيل مبتكر يسمى “أمنيوجيل” Amniogel، مستخلص من الغشاء الأمنيوسي البشري، وهو الغشاء الداخلي المحيط بالجنين. ويعمل هذا الجل كبيئة حيوية حاضنة للخلايا المنتجة للإنسولين بعد زرعها، بما يمنحها حماية أفضل وفرصة أكبر للبقاء والعمل داخل الجسم.
في السكري من النوع الأول، يهاجم الجهاز المناعي خلايا بيتا في البنكرياس، وهي الخلايا المسؤولة عن إنتاج الإنسولين. ولذلك يحتاج المرضى غالبا إلى حقن الإنسولين يوميا مدى الحياة. أما زراعة خلايا منتجة للإنسولين فتواجه عقبات كبيرة، أبرزها ضعف بقاء الخلايا المزروعة، وصعوبة تكوين أوعية دموية تغذيها، واحتمال مهاجمتها من الجهاز المناعي.
هنا تظهر أهمية “أمنيوجيل”. فالتقنية الجديدة لا تزرع الخلايا وحدها، بل تضعها داخل بيئة حيوية مصممة لمساعدتها على تكوين شبكة دقيقة من الأوعية الدموية، بما يضمن وصول الأكسجين والغذاء إليها، ويحسن قدرتها على الاستجابة لتغيرات مستوى السكر في الدم.
وبحسب الباحثين، نجحت هذه التركيبات بعد زرعها في فئران مصابة بالسكري في الحفاظ على مستويات طبيعية لسكر الدم لمدة وصلت إلى 100 يوم، وهي مدة المتابعة في التجربة، متفوقة على طرق زراعة تقليدية اعتمدت على الخلايا وحدها أو على تركيبات أقل تطورا.
لكن رغم أهمية النتيجة، فإنها لا تعني أن العلاج أصبح جاهزا للمرضى. فما زالت التقنية بحاجة إلى دراسات إضافية للتأكد من قدرتها على العمل لسنوات، وإثبات أمانها، وتوسيع حجم الزرعات بما يناسب جسم الإنسان، فضلا عن ضمان حمايتها من الهجوم المناعي على المدى الطويل.
حين تفشل الخلية في “ترتيب” البروتين
مسار آخر لا يقل أهمية يركز على ما يحدث داخل الخلايا المنتجة للإنسولين نفسها. فإنتاج الإنسولين لا يتم بصورة مباشرة، بل يبدأ من بروتين سابق يسمى “البروإنسولين”، يحتاج إلى أن يطوى أو يتشكل بطريقة دقيقة داخل الخلية قبل أن يتحول إلى إنسولين فعال.
وعندما تفشل هذه العملية، تتراكم بروتينات غير مطوية أو مشوهة داخل الخلية، ما يسبب ضغطا عليها ويضعف قدرتها على أداء وظيفتها. ومع تقدم السكري، خاصة النوع الثاني، تصبح خلايا بيتا أقل قدرة على مواكبة الطلب المتزايد على الإنسولين، وقد تتعرض للإجهاد ثم التلف.
في هذا السياق، نشر علماء من معهد سانفورد بورنهام بريبيس للاكتشاف الطبي وجامعة ميشيغان نتائج جديدة في دورية بروسيدنغز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسز (Proceedings of the National Academy of Sciences) في يونيو/حزيران الجاري، كشفت تفاصيل أعمق عن كيفية إدارة خلايا بيتا لعملية “طي” البروإنسولين.
وتشير النتائج إلى أن تحسين هذه العملية قد يساعد مستقبلا في حماية الخلايا المنتجة للإنسولين من الضرر. فالعلاجات الشائعة اليوم تركز غالبا على خفض السكر في الدم، إما عبر مساعدة الأنسجة على امتصاص مزيد من الغلوكوز، أو زيادة إفراز الإنسولين، أو تقليل إنتاج السكر من الكبد. لكنها لا تعالج بالضرورة الخلل الداخلي الذي يصيب خلايا بيتا نفسها.
ويبرز في هذه الدراسة بروتين يعرف باسم بي آي بي (BiP)، يعمل كمنظم أساسي في عملية طي البروإنسولين. وإذا تمكن الباحثون من فهم كيفية ضبط نشاط هذا البروتين والشركاء الجزيئيين المحيطين به، فقد يفتح ذلك الباب أمام علاجات مبكرة تحافظ على صحة خلايا بيتا قبل أن تتدهور وظيفتها بشكل كبير.
هذه النتائج لا تقدم دواء جاهزا، لكنها تطرح اتجاها علاجيا مختلفا: بدلا من التعامل مع سكر الدم فقط بعد ارتفاعه، يمكن مستقبلا محاولة حماية مصنع الإنسولين نفسه داخل البنكرياس.
السيماغلوتيد الفموي.. نتائج من الحياة اليومية
بعيدا عن التجارب المختبرية، أظهرت دراسة فنلندية واسعة على مستوى البلاد أن دواء السيماغلوتيد الفموي، المستخدم لدى البالغين المصابين بالسكري من النوع الثاني، ارتبط بتحسن واضح في عدد من المؤشرات الأيضية في الممارسة الطبية اليومية.
ونشرت الدراسة في مجلة ديابيتيس، أوبيسيتي أند ميتابوليزم (Diabetes, Obesity and Metabolism)، وشملت أكثر من 7000 بالغ مصاب بالسكري من النوع الثاني، بدأوا علاج السيماغلوتيد الفموي بين أبريل/نيسان 2021 وديسمبر/كانون الأول 2023.
وأظهرت النتائج أن استخدام الدواء ارتبط بتحسن في التحكم بمستويات السكر في الدم، وانخفاض وزن الجسم، وتحسن عدد من مؤشرات الدهون، إضافة إلى انخفاض إنزيم ناقلة الألانين الأمينية (ALT)، وهو أحد المؤشرات المرتبطة بوظائف الكبد.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها جاءت من “العالم الحقيقي” وليس فقط من بيئة التجارب السريرية المحكمة. كما شملت فئات عمرية متنوعة، بينها كبار السن الذين لا يمثلون دائما بصورة كافية في التجارب الدوائية.
ومع ذلك، يظل السيماغلوتيد علاجا ضمن خطة طبية يحددها الطبيب، وليس بديلا عن المتابعة أو النظام الغذائي أو النشاط البدني. كما أن استخدامه يجب أن يخضع لتقييم الحالة الصحية لكل مريض، خاصة في ظل وجود أمراض أخرى أو أدوية متعددة.

جينات كانت خارج دائرة الضوء
في اتجاه مختلف، كشفت دراسة من مختبر جاكسون (JAX) عن عشرات الجينات غير المتوقعة التي ترتبط بقوة بالسكري من النوع الثاني. ونشرت النتائج في The EMBO Journal)، مستندة إلى خريطة جينية مفصلة لخلايا البنكرياس من أشخاص أصحاء، وآخرين في مرحلة ما قبل السكري، ومصابين بالمرض.
حلل الباحثون نحو 246 ألف خلية بنكرياسية من 48 متبرعا بشريا، وتمكنوا من تمييز 14 نوعا مختلفا من الخلايا داخل جزر البنكرياس. وسعى الفريق إلى فهم كيف تتغير استجابة الجينات ونشاطها مع تقدم المرض، وكيف ينعكس ذلك على قدرة الخلايا على تنظيم سكر الدم.
وأظهرت الدراسة أن المصابين بالسكري من النوع الثاني يفقدون نحو 25 إلى 30% من خلايا بيتا، وهي الخلايا المسؤولة أساسا عن إنتاج الإنسولين. كما حدد الباحثون 511 جينا يتغير نشاطها في خلايا بيتا لدى المصابين بالمرض، ثم قلصوا القائمة عبر تحليلات جينية وبروتينية وأيضية إلى 58 جينا مرشحا قد يكون لبعضها دور سببي في خلل خلايا بيتا.
ومن بين الجينات التي برزت في الدراسة GRAMD2B وPDZK1. ويبدو أن الجين الأول يرتبط بإفراز الإنسولين والحفاظ على كتلة خلايا بيتا، وكانت مستوياته أقل باستمرار لدى مرضى السكري من النوع الثاني. وعندما حذف الباحثون الجين نفسه في الفئران، ظهرت مشكلات في ضبط الغلوكوز، ما جعله مرشحا مهما للدراسات المستقبلية.
أما الجين PDZK1)، فرغم أن حذفه في الفئران لم يؤد إلى اضطراب مماثل في التحكم بالغلوكوز، فإن تقليل مستوياته في جزر البنكرياس البشرية ارتبط بزيادة موت الخلايا. كما أشارت الدراسة إلى مسارات مرتبطة بعملية أيض فيتامين أ، قد تكون مهمة في قدرة خلايا بيتا على مقاومة الإجهاد والبقاء.
قيمة هذه النتائج أنها لا تنظر إلى السكري من النوع الثاني باعتباره مجرد مقاومة للإنسولين أو زيادة في الوزن، بل تكشف جانبا أدق يتعلق بمصير خلايا البنكرياس نفسها، وبالجينات التي قد تحدد قدرتها على البقاء أو الانهيار.
الخلايا الجذعية.. أمل كبير بشروط صعبة
في السكري من النوع الأول، يمثل فقدان خلايا بيتا المشكلة الأساسية. لذلك تنشط أبحاث عديدة حول استخدام الخلايا الجذعية لإنتاج خلايا شبيهة بجزر البنكرياس قادرة على إفراز الإنسولين.
وفي يونيو/حزيران 2025، عرضت الجمعية الأمريكية للسكري نتائج دراستين حول علاجات مشتقة من الخلايا الجذعية، من بينها علاج يعتمد على خلايا جزرية مشتقة من خلايا جذعية من متبرع، وآخر يستخدم خلايا جذعية معدلة وراثيا بهدف تقليل خطر مهاجمة الجهاز المناعي لها.
ووفق ما أعلنته الجمعية، أظهرت دراسة فورورد (FORWARD) التي قيمت العلاج في إكس 880 (VX-880) لدى بالغين مصابين بالسكري من النوع الأول نتائج مشجعة؛ إذ استعاد المشاركون إفراز الإنسولين الداخلي، وتراجعت حاجتهم إلى الإنسولين الخارجي بدرجة كبيرة، وتمكن 10 من أصل 12 مشاركا تلقوا الجرعة الكاملة من الاستغناء عن الإنسولين الخارجي ضمن فترة المتابعة المعلنة.
لكن هذه النتائج الواعدة تأتي مع قيود مهمة. فالعلاج ما زال قيد التطوير، ويحتاج إلى متابعة أطول وعدد أكبر من المشاركين، كما أن بعض هذه العلاجات يتطلب استخدام أدوية مثبطة للمناعة لمنع رفض الخلايا المزروعة. ولهذا تسعى الأبحاث الحديثة إلى تطوير خلايا معدلة وراثيا قادرة على الإفلات من الهجوم المناعي، مع الحفاظ على معايير السلامة.
وقال مسؤولون وباحثون في الجمعية الأمريكية للسكري إن علاجات الخلايا الجذعية قد تغير مستقبل رعاية السكري من النوع الأول، لكنها لا تزال في مرحلة انتقالية بين الوعد العلمي والتطبيق الواسع. فالهدف ليس فقط إنتاج خلايا تفرز الإنسولين، بل جعلها تعمل بأمان داخل الجسم لسنوات دون أن تتحول إلى عبء جديد على المريض.
بين الوعد العلمي والواقع الطبي
تكشف هذه الدراسات أن أبحاث السكري تتحرك في أكثر من اتجاه: أدوية أكثر فعالية في الحياة اليومية، ومواد حيوية تحمي الخلايا المزروعة، وفهم أعمق لخلل البروتينات داخل خلايا بيتا، وخرائط جينية تكشف أهدافا علاجية جديدة، وخلايا جذعية قد تعيد للجسم جزءا من قدرته الطبيعية على إنتاج الإنسولين.
لكن الطريق لا يزال طويلا. فنجاح تجربة على الفئران لا يعني بالضرورة نجاحها في البشر، والنتائج المبكرة في عدد محدود من المرضى تحتاج إلى تجارب أكبر وأطول. كما أن علاج السكري لا يعتمد على دواء واحد أو تقنية واحدة، بل على منظومة تشمل الوقاية، والتشخيص المبكر، والمتابعة، وتغيير نمط الحياة، وتوفير العلاج بتكلفة عادلة.
ومع ذلك، فإن ما يحدث في المختبرات اليوم يحمل رسالة واضحة: المعركة ضد السكري لم تعد تقتصر على خفض الرقم الذي يظهر في جهاز قياس السكر، بل تمتد إلى فهم أعمق للخلايا والجينات والبروتينات والأنسجة. ومن هذا الفهم قد تأتي علاجات أكثر دقة، وأطول أثرا، وربما أقل اعتمادا على حقن الإنسولين اليومية في المستقبل.
المصدر: الجزيرة