تعد شركات التكنولوجيا بمستقبل تتغير فيه طريقة استخدامنا للأنظمة بفضل الذكاء الاصطناعي، فبدلا من الإمساك بالهاتف أو الحاسوب والضغط على الأزرار للتحكم فيه، يصف المستخدم ما يرغب به إلى مساعد الذكاء الاصطناعي ليقوم هو مباشرة بكل ما يحتاج إليه دون أدنى تدخل من المستخدم.
وفقا لذلك تتحول تطبيقات المساعد الشخصي من مجرد تطبيقات صوتية قادرة على البحث عن بعض المعلومات وأداء بعض الوظائف المبسطة، إلى وكلاء ذكاء اصطناعي متكاملين يعملون داخل نظام التشغيل الخاص بك ويتحكمون به بشكل مباشر دون تدخل منك.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وعدت شركة آبل بهذا التغيير منذ عامين عندما كشفت عن خطتها لتقديم مزايا “آبل إنتليجنس” (Apple Intelligence)، ثم عادت لتقديم المزايا نفسها مجددا هذا العام خلال مؤتمر المطورين تحت اسم “سيري إيه آي”، كما وعدت “إنفيديا” أيضا بالأمر ذاته بعد التعاون مع “مايكروسوفت” من خلال شريحتها المدمجة الجديدة “آر تي إكس سبارك” والحواسيب التي تعتمد عليها، وحتى غوغل قدمت الوعد ذاته مع “جيميناي” في نظام تشغيل أندرويد 17 في مؤتمرها السنوي للمطورين.
ولكن هل تنجح مساعي هذه الشركات في دمج مزايا الذكاء الاصطناعي ضمن أنظمتها؟
وكيل يسكن نظام التشغيل
ولا يختلف ما تحاول آبل أو غوغل القيام به عن مفهوم وكلاء الذكاء الاصطناعي التقليديين، إذ إن أي وكيل ذكاء اصطناعي يكون قادرا على التحكم في الحاسوب أو الهاتف والقيام بعدة وظائف مختلفة طالما كانت هذه الوظائف متاحة من قبل النظام، كما أن بعض الوكلاء قادرون على محاكاة التصرفات البشرية في الحاسوب لأداء الوظيفة المطلوبة منهم في نهاية المطاف.
ويكمن الفارق الوحيد بين تقنية وكلاء الذكاء الاصطناعي من الشركات المستقلة مثل “أوبن كلو” أو “هيرمس” وبين “سيري إيه آي” ووكلاء الذكاء الاصطناعي المدمجين في نظام التشغيل هو أن الأخير قادر على القيام بأي شيء تقريبا داخل النظام، فالشركة المطورة له هي الشركة المطورة للنظام نفسه.
ويؤكد تقرير نشره موقع “تيك كرانش” التقني الأمريكي أن “سيري إيه آي” يأتي قادرا على الوصول إلى الإنترنت بحثا عن المعلومات فضلا عن إمكانية الوصول إلى معلوماتك الشخصية وصورك وتطبيقاتك وقراءة الأمور الموجودة في الشاشة أمامك لمساعدتك على أداء ما تحتاج إليه.
ولا يختلف ما يقوم به “جيميناي إنتليجنس” كما أطلقت عليه غوغل عما تقوم به “سيري إيه آي”، فهو قادر أيضا على البحث عبر الإنترنت وفي معلوماتك الشخصية، إلى جانب إمكانية أتمتة المهام المختلفة عبر التطبيقات من خلال توجيه أمر واحد إلى الهاتف ليبدأ بتنفيذ الخطوات المختلفة وفق ما جاء في بيان الشركة الرسمي عبر موقعها.
ويكشف تقرير صحيفة “وول ستريت جورنال الأمريكية عن توجه مماثل من “إنفيديا” في شريحة “آر تي إكس سبارك”، فبدلا من جعل وكيل ذكاء اصطناعي أو مساعد واحد بالذكاء الاصطناعي في النظام، فإن التحديثات القادمة لنظام “ويندوز” ستتيح للمستخدم أي عدد من وكلاء الذكاء الاصطناعي من خلال واجهة سهلة.
ويستطيع هؤلاء الوكلاء التحكم في نظام “ويندوز” والتنقل فيه وأداء الوظائف المختلفة التي يتطلبها المستخدم دون أي تدخل منه، بطريقة سهلة وسريعة للغاية.
السر في الحوسبة
وتُعد قوة الحوسبة والعتاد المستخدم في كل الأجهزة الجديدة إحدى نقاط الاختلاف أيضا بين وكلاء الذكاء الاصطناعي المدمجين في الأنظمة وبين وكلاء الذكاء الاصطناعي التقليديين، إذ إن “آبل” أكدت أن بعض هواتفها فقط ستحصل على المزايا الكاملة من “سيري إيه آي”، بينما لن يحصل عليها البعض الآخر، وكذلك الأمر مع “ويندوز” فهذه المزايا تعمل أفضل على الحواسيب التي تملك شريحة “آر تي إكس سبارك”.
ويمكن تبسيط أثر هذا الفارق في نقطة مباشرة رئيسية، هي بدلا من أن يعمل وكيل الذكاء الاصطناعي عبر الإنترنت ويحتاج المستخدم لخطوات معقدة لتثبيته والبدء في استخدامه، يمكنه القيام بذلك مباشرة من داخل نظام التشغيل نفسه في البيئة المحلية على حاسوبه.
ويؤكد تقرير الصحيفة الأمريكية أن معالجات “آر تي إكس سبارك” قادرة على تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي كاملة بحجم يصل إلى 120 مليار معيار محليا دون الحاجة لاستضافتها عبر الإنترنت.

يضمن هذا الأمر للمستخدمين الحفاظ على خصوصيتهم داخل بيئة التشغيل التي اختاروها وعدم مشاركة بياناتهم مع أي شركة ذكاء اصطناعي خارجية، فضلا عن ترك مفهوم الاشتراك في خدمات الذكاء الاصطناعي لصالح النماذج المحلية.
ويتمتع وكلاء الذكاء الاصطناعي المبنيون داخل النظام بميزة إضافية تجعلهم يتفوقون على الأنواع الأخرى من وكلاء الذكاء الاصطناعي، فلأن الوكيل يأتي مصمما من الشركة التي تصنع النظام نفسه ومخصصا لنوع واحد من العتاد، فإنه يعمل بكفاءة أكبر ويصبح مصمما ليعمل بكفاءة مع النظام والعتاد معا في آن واحد.
ويجعل هذا وكيل الذكاء الاصطناعي يعمل بشكل أفضل ويتعامل مع النظام بشكل أفضل ويقلل نسبة الخطأ، فضلا عن عدم وضع حمل زائد على نظام التشغيل أو العتاد في كل مرة يتم تشغيل الوكيل فيها.
وتُعد هذه نقطة تفوق لصالح وكلاء الذكاء الاصطناعي المبنيين داخل النظام، إذ تستطيع الشركات الترويج وتوزيع وكلاء الذكاء الاصطناعي الخاصين بها دون الحاجة إلى الترويج لوكيل الذكاء الاصطناعي كأنه منتج منفصل، ويؤكد تقرير منفصل من “بيزنس ستاندرد” بأن المستخدمين يثقون أكثر في المنتجات التي تأتي مدمجة داخل أنظمتهم.
الوجه الآخر: ما الذي يخسره المستخدم في المقابل؟
ورغم المزايا العديدة التي تحاول شركات التقنية الترويج لها بوضع وكلاء الذكاء الاصطناعي داخل النظام، إلا أن هذا الأمر يثير بعض المخاوف المتعلقة بالخصوصية كما أشار تقرير موقع “ساينتفك أمريكان” الإخباري الأمريكي بشأن “سيري إيه آي”.
ويعود السبب في ذلك إلى أن وكيل الذكاء الاصطناعي المبني داخل النظام لديه القدرة والصلاحيات للوصول إلى الأشياء التي لا يتم مشاركتها عادة مع وكلاء الذكاء الاصطناعي أو قد تختار عدم مشاركتها مثل بيانات موقعك والبيانات المسجلة في هاتفك مهما كان نوعها سواء كانت صورا خاصة أو رسائل خاصة أو حتى بيانات صحية.
ويمثل هذا الأمر نقطة اعتراض مباشرة لمحبي الخصوصية والباحثين عن حماية بياناتهم، فالأمر أشبه بمنح الشركات سطوة أكبر على بياناتنا وجعلهم قادرين على اتخاذ بعض القرارات بالنيابة عن المستخدم.
تقدم حقيقي أم سطوة إضافية؟
وكانت الشركات جميعا استعرضت قدرات تقنية مبهرة لأنظمة ووكلاء الذكاء الاصطناعي خاصتها، ولكن السؤال الحقيقي يظل، هل تستطيع الشركات تقديم ما وعدت به فعلا؟ فآبل مثلا وعدت سابقا بمثل هذه المزايا في عام 2024، ولكنها لم تطرحها حتى اليوم.
كما أن تطوير آبل وغوغل ومايكروسوفت لتقنيات وكلاء الذكاء الاصطناعي يطرح تساؤلا جوهريا حول مقدار القوة التي نمنحها لمثل هذه الشركات التي تملك أنظمة التشغيل والعتاد الذي يعتمد عليه المستخدم بشكل يومي.
لذلك يظل السؤال الحقيقي، هل تقدم تقنية وكلاء الذكاء الاصطناعي المبنيين داخل النظام اختلافا حقيقيا؟ أم تكون مجرد أداة لتعزيز سطوة الشركات التقنية على المستخدمين؟
المصدر: الجزيرة