أعلنت وزارة الدفاع الروسية تحرير مواطنين اثنين -أحدهما روسي والآخر أوكراني- كانا محتجزين لدى “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبطة بتنظيم القاعدة منذ يوليو/تموز 2024، وذلك إثر “عملية خاصة” نفذها “الفيلق الأفريقي” التابع لموسكو داخل الأراضي المالية، في تطور يضفي ثقلا إضافيا على الحضور العسكري الروسي المتنامي في منطقة الساحل الأفريقي، في ظل استمرار الحرب المفتوحة بين موسكو وكييف.
وكشفت الوزارة، في بيان نشرته على منصات التواصل، أن المحرَّرَين هما: أوليغ غريتا (روسي من مواليد 1962)، ويوري يوروف (أوكراني من مواليد 1970)، ويعملان موظفين في شركة روسية للاستكشاف الجيولوجي، وقد اختُطفا في منطقة مبانغا بإقليم تيلابيري جنوب غرب النيجر، الحدودية مع كل من مالي وبوركينا فاسو، وهي منطقة تنتشر فيها مناجم الذهب وتشهد تمدد الجماعات المسلحة.
ونقلت وكالة تاس الروسية عن الوزارة أن الفحص الطبي الأولي الذي أجراه أطباء روس في مستشفى الفيلق الأفريقي، كشف عن إصابة المختطفين بأمراض متعددة وإنهاك جسدي شديد، مشيرة إلى نقلهما إلى موسكو على متن طائرة عسكرية بغرض العلاج وإعادة التأهيل.
وكانت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” قد نشرت في أغسطس/آب 2024 تسجيلا مصورا يظهر الرجلين، وأعلنت فيه مسؤوليتها عن اختطافهما.
ولم تفصح موسكو عن الطبيعة الميدانية للعملية، إن كانت اقتحاما مسلحا أم نتاج تسوية تفاوضية، فيما لم يصدر عن باماكو بيان رسمي يوضح حجم مشاركة القوات المالية، رغم أن التنسيق الأمني بين الجانبين قائم في إطار اتفاقية التعاون العسكري الموقعة عام 2019.

الفيلق الأفريقي وريث فاغنر
يعد “الفيلق الأفريقي” الوريث الفعلي لمجموعة “فاغنر” شبه العسكرية في أفريقيا، إذ أنشأته وزارة الدفاع الروسية عام 2023 عقب مقتل يفغيني بريغوجين مؤسس فاغنر بتحطم طائرته، ليتولى الفيلق عملياتها القارية تحت سلطة حكومية مباشرة. وبحسب تقرير حديث لخدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي، فإن نحو 2500 عنصر روسي كانوا منتشرين في مالي مطلع عام 2026، لدعم العمليات القتالية ضد المتمردين الإسلاميين والانفصاليين، مما يجعل الحضور الروسي في مالي الأكبر من نوعه داخل الساحل.
غير أن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي لفتت -في تقرير نشر في فبراير/شباط الماضي- إلى أن العنف المسلح لم يتراجع رغم الدعم الروسي، بل إن “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” فرضت منذ سبتمبر/أيلول 2025 حصارا على باماكو، واستهدفت قوافل الوقود القادمة إليها.

البعد الأوكراني وصمت كييف
وتكتسب العملية بعدا رمزيا لافتا، إذ أعلنت موسكو إنقاذ مواطن أوكراني ضمن عمليتها في ظل الحرب المفتوحة بين البلدين منذ فبراير/شباط 2022، لكن كييف التزمت الصمت حتى الآن. واعتبرت صحيفة واشنطن تايمز الأمريكي أن غياب أي تأكيد من كييف بشأن وضع يوروف يعكس عمق القطيعة الدبلوماسية والتوترات المستمرة بين البلدين، حتى حين يتعلق الأمر بإنقاذ مواطنين من نزاعات إقليمية مشتركة.
كما تأتي العملية في لحظة سياسية مكثفة، إذ وجّه الرئيس فلاديمير بوتين قبل أيام دعوات إلى قادة “تحالف دول الساحل” للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية الثالثة، فيما عقد وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف اجتماعا للجنة الحكومية المشتركة مع مالي في موسكو، في مؤشر على تشعّب حزمة التعاون المتجاوزة للبعد الأمني.
وقد تراكمت هذه الخطوات فوق مسار بدأ منذ سلسلة الانقلابات بين 2020 و2023، حيث أطاحت المجالس العسكرية في باماكو وواغادوغو ونيامي بحكومات موالية لباريس، وارتدت إلى موسكو بحثا عن شريك أمني بديل. وتبعا لذلك، انسحبت القوات الفرنسية تباعا من الدول الثلاث، وغادر أكثر من ألف جندي أمريكي النيجر عام 2024 تحت ضغط المجلس العسكري.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن احتجاز الرجلين قرابة عامين داخل منطقة يعمل فيها آلاف الجنود الروس، يطرح تساؤلات جدية حول قدرة “النموذج الروسي” على توفير بيئة مستقرة للاستثمارات الروسية ذاتها، فضلا عن المدنيين الماليين الذين لم يشهدوا تراجعا في العنف منذ وصول موسكو إلى بلادهم.
المصدر: الجزيرة