تشهد أروقة السياسة الدولية حالة من الاحتباس السياسي والجدل عقب تسريب مسودة مذكرة التفاهم المرتقبة بين واشنطن وطهران، والتي تهدف إلى صياغة تهدئة شاملة وإنهاء الحرب.
غير أن هذا المشهد المليء بالتفاؤل الحذر يصطدم بتناقض ظاهري حاد، فبينما ينص المقترح المتداول على وقف شامل وفوري لإطلاق النار على جميع الجبهات، يخرج رئيس ديوان الحكومة الإسرائيلية ليعلن بوضوح أن تل أبيب ليست طرفا مباشرا في هذا الاتفاق.
هذا التباين يضعنا أمام مفارقة بنيوية: كيف يمكن لاتفاق ثنائي بين قوتين دولية وإقليمية أن يفرض هندسة أمنية ملزمة على جبهة مشتعلة مثل لبنان، في حين أن اللاعب على الأرض –إسرائيل– يقف خارج غطاء الاتفاق؟ في هذا التقرير نفكك هذا التناقض من خلال ثلاثة أسئلة:

ما الذي حملته التقارير المسرّبة بشأن نص مذكرة التفاهم المرتقبة؟
تكشف التقارير المتقاطعة والمسرّبة من كواليس التفاوض، لا سيما ما نقلته وسائل إعلام إيرانية وغربية، عن مسودة تفاهم واسعة النطاق تتجاوز الإطار التقليدي للملف النووي، لتشمل حزمة متبادلة من التنازلات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
وعما ورد في المسودة حول لبنان، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أنه سيعلن في المذكرة إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، مؤكدا أن المفاوضات لن تسير قدما إذا لم تنفذ تعهدات الطرف المقابل بمذكرة التفاهم خلال 60 يوما، لافتا إلى أن بلاده لن تتخلى أبدا عن حزب الله.
ويمثل إدراج لبنان في المسودة نقطة تحول جوهرية أصرت عليها طهران لضمان عدم الاستفراد بالساحة اللبنانية، إلا أن المقاربة هنا لا تتعامل مع “هدنة مؤقتة” بل مع صياغة تهدف إلى “إنهاء حالة الحرب” بكامل مفاعيلها، إذ لا تتضمن المسودة عبارة “تمديد وقف إطلاق النار”.
وكشف عراقجي أن إنهاء الحرب في مذكرة التفاهم يشمل أيضا خروج القوات الإسرائيلية من أراضي لبنان المحتلة، قائلا: “أوضحنا ذلك بصراحة”.
إلا أن المعلومات المتوفرة تقول إن قضية انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان أُرجئت إلى المرحلة الثانية، على أن يكون الملف خارج مساحة التفاوض بين إيران وواشنطن، وهو ما يثير تساؤلات حول مصير الأراضي اللبنانية المحتلة، وفقا لمراسل الجزيرة في طهران، عدنان البوريني.
ونقلت صحيفة “إسرائيل هيوم” عن مسؤول رفيع في البيت الأبيض أن نجاح الاتفاق يعتمد على سلوك إيران، وأضاف: “إذا لم يلتزم الإيرانيون بتعهداتهم، فلن أتوقع من الإسرائيليين الامتناع عن التحرك، فإذا أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل، وإذا مولت إيران صواريخ تُطلق على إسرائيل، فسيكون من الواضح أنهم لم يلتزموا ببنود الاتفاق.. نتوقع من إيران أن تكون فاعلا حقيقيا في سبيل السلام”.
ما طبيعة التصريحات الإسرائيلية الأخيرة وكيف ترتبط بمسار التفاهم؟
تتركز المواقف الإسرائيلية على الضغوط الداخلية اليمينية التي تخشى أن يؤدي الاتفاق الأمريكي-الإيراني إلى “تقييد يد الجيش الإسرائيلي” في لبنان.
بالنسبة لإسرائيل يمثل الاتفاق ظاهريا “توحيدا للمسارح”، ومع ذلك ما زالت تقول إنه لن يقيّد جيشها، وأنها ستعارض الانسحاب من الأراضي المحتلة في جنوب لبنان، واعتبرته خيارا غير مطروح على جدول الأعمال، وأفاد مصدر أمني، الجمعة، بأن الجيش الإسرائيلي سيواصل “تفكيك حزب الله” في الجنوب، وأنه يعمل على تفكيك بنيته التحتية.
ومنذ أن بدأت ملامح الاتفاق تتكشف جددت إسرائيل تأكيدها بأنه إذا أطلق حزب الله النار عليها فسترد بضرب الضاحية، وإذا ردت إيران ستهاجمها ولن تقبل بمعادلة وحدة الساحات، ومن حقها أن تتمتع بحرية العمل في لبنان ضد التهديدات الناشئة، وفقا لصحيفة يديعوت أحرونوت.
وتزامنا مع ذروة الحراك التفاوضي بين واشنطن وطهران، برزت تصريحات حادة لوزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي كتب على شبكة إكس: “لن تنسحب إسرائيل من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة، سيواصل الجيش الإسرائيلي الدفاع عن حدودنا ومواطنينا من داخل جبل الشيخ، وجبال لبنان، ومناطق بلادنا في السامرة، ومعظم أراضي غزة، ضد تهديدات القوى والمنظمات الجهادية، كدرس أساسي من أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول”.
من جهة أخرى، طرحت الصحيفة سيناريو آخر، يقول إنه من المحتمل أن يشدد حزب الله، في ضوء الاتفاق بين واشنطن وطهران، مواقفه ويرفض الانسحاب من المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، كما تنص عليه التفاهمات بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة.
وثمة سيناريو آخر مفاده أن إيران قد تفضل في هذه المرحلة أن يتراجع الحزب وينسحب قليلا، حتى يلتقط أنفاسه ويتعافى من الضربات التي تلقاها، لأن استمرار وجوده في جنوب لبنان يعني استمرار الحرب واستنزافه بشكل أكبر.
وتشير الصحيفة إلى أن إسرائيل حتى لو وافقت على الانسحاب، فلن تخرج فجأة، بل سيكون انسحابا تدريجيا ومشروطا، ومع ذلك اعتبرت أن هذا السيناريو مستبعد جدا في الوقت الراهن.

ما كواليس الضغوط الأمريكية على تل أبيب؟
مساء الخميس، اتصل الرئيس دونالد ترمب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حاملا أخبارا لم يكن يرغب الأخير بسماعها، ووفقا لمسؤول أمريكي رفيع، قال ترمب لنتنياهو: “هذا هو الاتفاق، إنه اتفاق رائع، وحان الوقت لإنهاء هذه الحرب”.
أوضح نتنياهو منذ البداية أنه يعتقد أن الحرب يمكن أن تحفّز تغيير النظام في إيران، والآن، قبل أربعة أشهر من الانتخابات، يتهمه منافسوه بتحويل إسرائيل إلى “دولة تابعة” من خلال القبول ببساطة بشروط ترمب للسلام.
وتتجه الأنظار الآن نحو نتنياهو -الذي قد يلعب دور المفسد للاتفاق حتى لو تم تفعيله- ولكن ربما الاتصال كان يحمل رسالة مفادها أن نتنياهو أدرك أنه لا يستطيع منع ترمب من توقيعه، بحسب ما صرح به مسؤول أمريكي لموقع أكسيوس.
وتشكّل الأحداث في لبنان أحد العوامل التي قد تزعزع استقرار الاتفاق، إذ لا تزال القوات الإسرائيلية تنفذ هجمات على لبنان، وبالنسبة لنتنياهو، فإن التوقيع المشترك على اتفاق لإنهاء الحرب دون تحقيق أهدافه المعلنة سيمثل ضربة إستراتيجية وسياسية كبرى ستضعفه في الداخل بشكل أكبر مما سبق.
ومع تصاعد حدة الاشتباكات مع إيران في وقت سابق من هذا الأسبوع، خطط نتنياهو لشن ضربات ضخمة ضد منشآت الطاقة والبنية التحتية، قبل أن يوقفه ترمب في اللحظة الأخيرة، ومنذ تلك اللحظة وجد نتنياهو نفسه خارج الحلقة ومعزولا عن الأحداث إذ بات يتصل بحلفائه في واشنطن للحصول على معلومات استخباراتية حول مفاوضات ترمب، وفقا لمصدر أمريكي مطلع على الأمر.
أما عن المشهد خلف الكواليس، تقول صحيفة أكسيوس إن نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين يتوخون الحذر لعدم انتقاد ترمب علنا، لكنهم في المجالس المغلقة يشككون بشدة في الاتفاق المرتقب.
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، يوم الجمعة، إن ترمب يسعى للتوصل إلى اتفاق بناء على تقييمه للمصالح الأمريكية، لكنّ إسرائيل تتوقع منه التمسك بـ”المبادئ” المشتركة بشأن برنامج إيران النووي والصواريخ و”الوكلاء”.
ويشعر المسؤولون الإسرائيليون بالقلق، لأن وقف إطلاق النار في الاتفاق ينطبق على لبنان، فإن إدارة ترمب ستحد من حرية عملهم ضد حزب الله وتطالب باستشارتها في كل ضربة.
وقال مسؤول أمريكي رفيع يوم الجمعة في إيجاز للصحفيين: “أنا أفهم الشكوك الإسرائيلية، لقد قتل حزب الله الكثير من الإسرائيليين، ولذلك لا نتوقع من أي دولة أن تتنازل عن حقها في الدفاع عن النفس، ما نتوقعه هو أنه إذا تمكنا من جعل الجميع يشاركون في عملية السلام، فإن الجميع سيفعلون الشيء نفسه”، وقال المسؤول إن البيت الأبيض “يشعر بالثقة” في أن الإسرائيليين “سيوافقون في النهاية”.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحا حول مدى استعداد إسرائيل للالتزام بوقف إطلاق النار ووقف الحرب، في ظل تجربة هدنة سابقة خرقها نتنياهو صبيحة اليوم التالي لتوقيعها ليعلن أن إسرائيل غير مشمولة بها؟
المصدر: الجزيرة