أزمة الممرات البحرية واستهداف “شرق-غرب”.. هل تنفتح بوابة الممرات البرية أمام سوريا؟

تتجه منظومة نقل الطاقة والتجارة العالمية نحو واحدة من أعقد أزماتها الإستراتيجية في الشرق الأوسط، فمع توالي اضطرابات مضيق هرمز والمخاوف المتزايدة من شلل كامل في مضيق باب المندب، جاء الإغلاق الاحترازي لخط أنابيب “شرق – غرب” السعودي إثر تعرضه لاستهدافات بمسيرات ليُعيد رسم خريطة الإمدادات الإقليمية، ويطرح أسئلة حتمية حول البدائل البرية المتاحة، ومدى قدرة سوريا على التموضع مجددا في قلب هذه المعادلة.

وتُلقي هذه التطورات المتسارعة بظلالها على خيارات أمن الطاقة العالمي، محوّلة الجغرافيا البرية السورية من منطقة تحيط بها الأزمات إلى ممر بري بديل يُعاد تقييم جدواه ضمن نقاشات جدية على الصعيدين الإقليمي والدولي.

خريطة توضح بحر العرب والدول المطلة عليه (الهند - باكستان - سلطنة عمان - الصومال- إيران) إضافة إلى توضيح خليج عدن ومضيق هرمز ومضيق باب المندب
خريطة توضح بحر العرب والدول المطلة عليه، إضافة إلى توضيح مضيق هرمز ومضيق باب المندب (الجزيرة)

اختناقات الملاحة البحرية ومأزق البدائل

وتُظهر التطورات الميدانية أن الاعتماد الحصري على الشرايين البحرية المهددة بات يشكل مخاطرة عالية التكلفة.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2تدمر عروس الصحراء السورية.. لماذا يغيب السياح؟
  • list 2 of 2سوريات يحملن السلاح فهل تبدأ المرأة دورا جديدا في الشرطة؟

end of list

وفي هذا السياق، يوضح المحلل السياسي السعودي الدكتور خالد باطرفي أن المنطقة تواجه أزمة أوسع من مجرد اضطراب مؤقت، مؤكدا أن “الممرين يمثلان نقطتي اختناق إستراتيجيتين للتجارة والطاقة، وبالتالي فإن تعرضهما معا للتهديد يرفع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، ويدفع الدول والشركات إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر أمنا واستقرارا”.

وقد جاء استهداف خط “شرق – غرب”، الذي يمثل الشريان البري الأبرز لنقل النفط السعودي نحو البحر الأحمر، ليكشف عن ضرورة تنويع مسارات النقل نفسها، حيث يضيف باطرفي: “اضطراب باب المندب يوضح أن تنويع الموانئ وحده لا يكفي، وأن المطلوب تنويع مسارات النقل نفسها، بحرا وبرا. ومن هنا تكتسب مشاريع الربط البري والسككي مع مضيق هرمز وسوريا وتركيا بعدا إستراتيجيا”.

سوريا في المعادلة الإقليمية

ورغم الفرص المرتقبة، فإن الانعكاسات المباشرة على الاقتصاد السوري تحمل طابعا داهما في المدى القريب، لا سيما في ظل مرحلة التعافي المتزامنة مع التغيرات السياسية الداخلية وسقوط النظام المخلوع.

إعلان

ويسلط مستشار الاقتصاد والاستثمار المختص في الشؤون الدولية، جلال بكر، الضوء على حتمية التأثر السوري بأسعار الطاقة، موضحا أن “الاقتصاد السوري هو جزء من المنظومة الدولية، وسيتأثر مثله مثل باقي الدول، لكنني أعتقد أن وطأة التأثير ستكون أقل لأن سوريا بدأت تنتج من نفطها في الداخل السوري”.

ويتقاطع هذا التوصيف مع قراءة الدكتور باطرفي الذي يؤكد سلبية التداعيات المباشرة على معيشة المواطن وإعادة الإعمار، مشيرا إلى أن “البلاد تمر بمرحلة إعادة بناء تحتاج فيها إلى الطاقة والمواد الخام والمعدات والاستثمارات الخارجية، وأي ارتفاع في أسعار النفط والنقل والتأمين سينعكس على تكلفة الاستيراد والإعمار والمعيشة”.

وصول أول باخرة محملة بالقمح إلى ميناء اللاذقية المصدر: الصفحة الرسمية للوكالة العربية السورية للأنباء - سانا
نشاط ميناء اللاذقية على البحر الأبيض المتوسط (سانا)

الجغرافيا السورية كحل إستراتيجي

وعلى النقيض من سنوات العزلة والانسداد الجيوسياسي، تصعد الرؤى التحليلية التي تشير إلى أن الجغرافيا السورية قادرة على الاستفادة من تذبذب أمن المضائق لتتحول إلى حلقة وصل حيوية.

وفي هذا الصدد، ينوه الأستاذ جلال بكر بأن الانفتاح السياسي الجديد يشكل ركيزة أساسية لصياغة حلول مستدامة، مشيرا إلى أن “الحلول الجغرافية البرية أصبحت متاحة بعد تحرير سوريا وبعد سقوط نظام الطاغية، واليوم أصبحت سوريا منفتحة على أن تكون حلا للمنطقة الإقليمية وحلقة الوصل بين دول الشرق الأوسط وخاصة الخليج وأيضا بالنسبة للاتحاد الأوروبي”.

وحول إمكانية الربط البري مع الخليج والتصدير لأوروبا، يضيف بكر: “من المرجح أن نرى مشاريع إستراتيجية نبدأ الحديث عنها خاصة للتصدير من منطقة الشرق الأوسط ومنطقة البحر المتوسط، لأن المنطقة الجغرافية لسوريا يمكن أن تكون نقطة انطلاق مباشرة إلى المستورد الأوروبي”.

خط نقل النفط من كركوك في العراق إلى بانياس السورية
خط نقل النفط من كركوك في العراق إلى بانياس السورية (الجزيرة)

فلسفة “تعدد الخيارات”

ويوضح الدكتور خالد باطرفي أن الممرات البرية عبر سوريا لا تطرح نفسها كبديل كامل وشامل لخطوط الملاحة البحرية في هرمز وباب المندب، نظرا للضخامة الاستثنائية لحجم التجارة العابرة للمضائق، بل كركيزة لوجستية تُحقق مبدأ “تعدد الخيارات” في مفهوم الأمن الاقتصادي.

وعلى صعيد القطاعات، يرى باطرفي أن مرحلة التعافي تتيح للشركات السعودية فرصاً واعدة للاستثمار في الداخل السوري ضمن مجالات حيوية كمواد البناء، والبتروكيماويات، والصناعات الغذائية والدوائية، والخدمات اللوجستية، موضحا “الأمن الاقتصادي لا يقوم على الاستبدال الكامل، وإنما على تعدد الخيارات، وتستطيع الشركات السعودية أن تستفيد من إعادة إعمار سوريا ومن موقعها بوابة إلى أسواق مجاورة، خصوصا في قطاعات مواد البناء والبتروكيماويات والصناعات الغذائية والدوائية والخدمات اللوجستية والطاقة”.

فرص التجارة الثنائية

ولا تقتصر الفرص على مجرد الترانزيت وعبور الأنابيب، بل تتدفق نحو تجارة المنتجات المباشرة بين سوريا والسوق الخليجية.

وحول هذه الميزة التنافسية القادمة برا، يشرح الدكتور باطرفي أن “ارتفاع تكاليف النقل البحري يمنح المنتج القادم برا من دول الجوار ميزة نسبية، خصوصا في المنتجات الزراعية والغذائية والمنسوجات، لذلك يمكن أن تصبح أحد أهم منافذ الصادرات السورية في مرحلة التعافي”.

إعلان

وفي الاتجاه المقابل، يرى باطرفي أن اتجاه الاستثمار الخليجي نحو الداخل السوري يمثل مكسبا متبادلا حيث “تستطيع الشركات السعودية أن تستفيد من إعادة إعمار سوريا ومن موقعها بوابة إلى أسواق مجاورة، خصوصا في قطاعات مواد البناء والبتروكيماويات والصناعات الغذائية”.

قافلة نفط عراقي إلى مصفاة بانياس على الساحل السوري المصدر سانا
قافلة نفط عراقي إلى مصفاة بانياس على الساحل السوري (سانا)

استحقاقات الداخل السوري

وتظل هذه الآفاق مرتهنة بقدرة المؤسسات السورية على ترسيخ بيئة تشريعية وأمنية قادرة على استيعاب الاستثمارات الكبرى، ويرى بكر ضرورة “الإصلاح التشريعي والمؤسسي”، مؤكدا أنه “يجب على وزارة الاقتصاد أن تعمل مع وزارة العدل على تأسيس الأنظمة والهيكلية لمستوى اقتصادي جديد وليس استهداف القوانين على القوانين القديمة لأن القوانين القديمة التي كانت موجودة في سوريا لا تخدم مصلحة أحد”.

ويحذر بكر من إغفال التخطيط طويل الأمد ، مشيرا إلى أن “استثمارات الطاقة دائما بحاجة إلى استقرار ونظرة طويلة الأمد، ولا يمكن إقامة الاستثمارات اللوجستية الكبيرة بنظرة قصيرة الأمد، وإذا استُخدم هذا الأمر بالشكل الصحيح سيكون إيجابيا”.

وفي المنزع ذاته، يشدد باطرفي على الاستحقاقات الميدانية والتنظيمية التي يطلبها رأس المال، موضحا: “غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب شروطا سورية أساسية: الأمن والاستقرار، واستعادة الدولة سيطرتها على الطرق والمعابر، وتطوير البنية التحتية، وتحديث الأنظمة الجمركية والاستثمارية والمصرفية”.

ويختتم باطرفي قراءته بالإشارة إلى التحول الإستراتيجي المرتقب: “إذا نجحت سوريا في تثبيت استقرارها وإعادة بناء بنيتها التحتية، فقد تتحول من إحدى الدول المتضررة من اضطراب الممرات البحرية إلى أحد المستفيدين من البحث عن بدائل لها”.

إن التوترات المتلاحقة في باب المندب وهرمز واستهداف خطوط الأنابيب تضع الاقتصاد الإقليمي أمام حتمية تنويع طرق الترانزيت، وبينما تدفع سوريا ضريبة قصيرة المدى تتمثل في التضخم وارتفاع التكاليف، فإن النجاح في ترسيخ الأمن وتحديث التشريعات كفيل باستعادة مكانتها الإستراتيجية بوصفها شريانا بريا لا غنى عنه بين الخليج والبحر المتوسط وأوروبا.

 

المصدر: الجزيرة