اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي الليبية صور قيل إنها تُظهر بوابة منزل رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في طرابلس مغلقة باللحام، في مشهد لافت أضاف بعدا جديدا إلى موجة الاحتجاجات المتصاعدة التي تشهدها العاصمة.
وتزامن انتشار المشاهد مع تصعيد ميداني غير مسبوق تشهده العاصمة، تمثل في عصيان مدني شامل، وإغلاق طرق ومؤسسات حكومية، وتوقف مرافق حيوية من بينها الطيران والكهرباء، احتجاجا على تردّي الخدمات وسط موجة حر خانقة وانقطاعات متكررة للتيار الكهربائي.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وقد رأى كثيرون في الحادثة امتدادا مباشرا للاحتجاجات إلى عتبة منزل رئيس الوزراء نفسه.. فهل طال الغضب الشعبي منزل الدبيبة فعلا؟
كيف انتشر الادعاء؟
بدأت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي بتداول صور تظهر تجمعا لعدد من المحتجين أمام مبنى في طرابلس، بينما تغلق بوابته الحديدية باللحام، إذ قدمت المشاهد على أنها توثق إغلاق منزل رئيس الحكومة.
وتتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة مسار انتشار الصور وأبرز الحسابات التي تداولتها، وتبين أن حسابا يسمى “متمردو العاصمة طرابلس” كان من أوائل الحسابات التي تداولت المشاهد في هذا السياق.
وتظهر الصور المنشورة في الأول من أغسطس/آب الجاري لحظة قفل الباب من قِبلِ أحد الشبان عبر ماكينة لحام الحديد، كما توثق تعليق لافتات تؤكد أن المبنى مغلق من قبل “أهالي طرابلس وسوق الجمعة إلى حين إسقاط الحكومة”.
وخط المحتجون أيضا على باب المبنى عبارات باللون الأحمر، من بينها: “الشعب يريد إسقاط الحكومة”.
انخراط صحف محلية
ثم بدأت حسابات لناشطين بارزين وصفحات إخبارية يتابعها مئات الآلاف من المستخدمين على فيسبوك بتداول الصور على نطاق واسع، مع ادعاء بأن المشاهد تعود لإغلاق منزل الدبيبة في حي “النوفليين” بالعاصمة طرابلس.
ثم انخرطت صحف ليبية -مهتمة عادة بأخبار شرق ليبيا- في نشر الصور مرفقة بالادعاء نفسه، مما أعطاها مصداقية إضافية لدى المتابعين، إذ حظيت بتفاعل واسع على منصات التواصل.
الموقع الجغرافي يثير الشكوك
وبالبحث في تقارير سابقة، تبين أن منزل رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة يقع قرب البحر في حي الأندلس الراقي غرب طرابلس بالمنطقة الساحلية، بينما يقع حي النوفليين وسط أو شرق طرابلس، ما يشير إلى تباعد نسبي بين الموقعين، إذ تصل المسافة بينهما إلى نحو 10 كيلومترات.
لكن هذه المعطيات وحدها لم تكن كافية للحسم، في وقت أكدت فيه تقنيات البحث العكسي أن المشاهد حديثة النشر.
وأظهر التحليل البصري أن واجهة المبنى متواضعة ولا توجد فيها أي حراسات أمنية، ولم يعترض أحد طريق المحتجين، كما بدت على الواجهة آثار أعمال صيانة توحي بأنها لمبنى حكومي أو مؤسسة لا لمنزل سكني خاص، وهو ما أثار شكوكا إضافية حول صحة الادعاء.
الأرشيف يكشف الحقيقة
وبتعميق البحث عبر المصادر المفتوحة، عثر الفريق على صورة أرشيفية لواجهة المبنى نفسها على “خرائط غوغل” يعود تاريخها إلى يناير/كانون الثاني 2022.
وتؤكد لوحة السيارة الظاهرة على يمين الصورة أن المشهد التقط في ليبيا، في حين يبدو أن المبنى أنشئ حديثا في ذلك الوقت، استنادا إلى المباني حديثة البناء المحيطة به.

وذكر ناشر المحتوى آنذاك أن المبنى يعود لـ”محفظة ليبيا”، وعبر البحث ظهرت نتيجة “محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار”، وهي مؤسسة استثمارية ليبية ذات شخصية اعتبارية، يقع مقرها في شارع سعيد السراج حي النوفليين في طرابلس، وهو ما يتطابق مع الموقع الجغرافي الظاهر في الصور المتداولة.
كما تتطابق الصور الأرشيفية مع صور تعود لعام 2024 من داخل المبنى، من حيث لون الجدران وشكل النوافذ، وهو ما يؤكد أن المشاهد المتداولة التقطت أمام مبنى يعود للمؤسسة الاستثمارية في طرابلس، ولا علاقة له بمنزل رئيس الحكومة، استنادا إلى التحليل البصري والمكاني للموقع.
زوايا أخرى تدحض الادعاء
كما نشرت الصفحة الرسمية لـ”حراك أبناء سوق الجمعة” مقاطع فيديو من زوايا أخرى من نفس الموقع الذي التقطت فيه الصور بتاريخ 31 يوليو/تموز الماضي.
وذكرت الصفحة أن الصور المتداولة تعود لمقر محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار، ولا علاقة لها بمنزل رئيس الحكومة، مما يدحض الرواية المتداولة تماما، ويؤكد أنها مضللة واستغلت في سياق خاطئ لتأجيج الأوضاع في ظل موجة الاحتجاجات الراهنة.
إعادة فتح المؤسسات
وأظهرت مشاهد نشرتها حسابات ليبية، الأحد، إعادة فتح عدد من المؤسسات الحكومية في طرابلس، بعد أيام من إغلاقها تزامنا مع دعوات إلى العصيان المدني احتجاجا على تردي الخدمات والانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي.
ووثق مقطع فيديو جرافة وهي تزيل سواتر ترابية كانت قد وضعت لإغلاق مداخل عدد من المباني الحكومية وتعطيل الوصول إليها، وذلك في محيط مبنى الأكاديمية الوطنية للتدريب والتطوير التابعة لهيئة الرقابة الإدارية.
وأكد حراك “أهالي وشباب تاجوراء”، في بيان على فيسبوك، أن قرار إعادة فتح المؤسسات التي أغلقت جاء استجابة لمطالب المواطنين وحرصا على تغليب المصلحة العامة، مشددين على أن هذه الخطوة لا تعني التراجع عن مطالبهم.
المصدر: الجزيرة