أكثر من 80% من أطعمة الأطفال فائقة المعالجة.. هل صُممت لتسبب الإدمان؟

ما الذي يجعل بعض الأطعمة عصية على المقاومة إلى حد قد يصل إلى الإدمان؟ هل يكمن السر في الجمع بين الدهون والسكريات والملح والسعرات الحرارية في لقمة واحدة؟ “بالطبع لا”، تقول الكاتبة المتخصصة في الصحة لدى “سي إن إن” ساندي لاموت، مشيرة إلى أن وصفات الجدات لطالما جمعت هذه المكونات وغيرها، ويُقبل الجميع عليها بشغف خلال التجمعات العائلية، لكن ذلك لم يجعل أحدا مدمنا على طعام جدته، كما لو كان مدمنا على السجائر.

وتكمن الإجابة في أن الجدات لا يستعنّ بخبراء متخصصين في ضبط نسب السكريات والملح والدهون والنكهات ومحسّنات القوام، بهدف ابتكار “قنبلة من النكهات المثالية” المكثفة والمبهجة والمحفزة على الإدمان، والتي سرعان ما يتلاشى تأثيرها لتدفع ملايين الأشخاص إلى طلب المزيد، بحسب أستاذة علم النفس في جامعة “ميشيغان” آشلي غيرهارت، المشاركة في وضع “معايير جامعة ييل لإدمان الطعام”.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2فلسطين في كتب الأطفال.. حكايات تقاوم النسيان وتحفظ ذاكرة أصحاب الأرض
  • list 2 of 2عمالقة ديترويت يتراجعون.. هل فقدت أمريكا معركة السيارات العالمية؟

end of list

خلطة إدمانية تستهدف الأطفال

غيرهارت التي قادت مراجعة بحثية مهمة شملت 300 دراسة أُجريت في 36 دولة، وأظهرت أن الأغذية الفائقة المعالجة يمكن أن تسبب الإدمان، تقول “لا يصاب الناس بالإدمان من أكل التفاح أو الأرز البني، لكنهم يعانون من منتجات صناعية صُممت خصيصا لتؤثر في الدماغ بوتيرة سريعة ومكثفة ومتكررة، مثل المخدرات”.

ومع تزايد الأدلة بشأن طبيعة هذه المنتجات، يتنامى الاهتمام بخطورتها، ليس فقط لاحتمال تسببها في الإدمان، وإنما أيضا بسبب تسويقها المكثف للأطفال وما قد يرتبط باستهلاكها من تفاقم للأمراض المزمنة لديهم.

فقد وجد علماء التغذية في جامعة تكساس أن أكثر من 80% من الأطعمة المخصصة للأطفال على رفوف البقالة هي أطعمة فائقة المعالجة، نصفها يتجاوز المستويات الموصى بها من السكر أو الصوديوم أو الدهون أو السعرات الحرارية.

أكثر من 80% من الأطعمة المخصصة للأطفال هي أطعمة فائقة المعالجة
أكثر من 80% من الأطعمة المخصصة للأطفال هي أطعمة فائقة المعالجة (بيكسلز)

استغلال شركات الأغذية لدوافع البشر البدائية

في العصور القديمة كان الحصول على الملح والسكر والدهون جزءا من صراع البشر من أجل تأمين احتياجاتهم الأساسية والبقاء. أما اليوم، فلم يعد العثور على هذه العناصر يمثل تحديا، إذ أصبحت الأطعمة الغنية بها متاحة على نطاق واسع، ويمكن طلبها بسهولة عبر الإنترنت لتصل إلى باب المنزل.

إعلان

ومع ذلك، لا تزال شركات الأغذية تستفيد من هذه الاستجابات البيولوجية المتجذرة لدى الإنسان تجاه الملح والسكر والدهون، وتوظفها عند تطوير تركيبات منتجاتها الغذائية، بحسب أستاذ طب الأسرة والمجتمع في جامعة توماس جيفرسون الأمريكية إيفان فورمان.

فقد وجدت أبحاث -نُشرت في عام 2023- أن أكثر من 70% من الأطعمة الفائقة المعالجة تندرج ضمن ما يُسمى “الأطعمة المفرطة الطعم”، وهي تركيبات من السكر والصوديوم والدهون التي لا توجد في الطبيعة.

وتُظهر الأبحاث أن المزيد من الناس في الولايات المتحدة -على سبيل المثال- تم تشخيصهم طبيا بأنهم “مدمنون” للأطعمة الفائقة المعالجة، وذلك وفقا لمقياس جامعة ييل لإدمان الطعام، الذي يتضمن عناصر صارمة لقياس الرغبة المستمرة، ومحاولات التوقف الفاشلة المتكررة، والضعف أمام إغراء الأكل.

وعلى الصعيد العالمي، يعاني 12% من الأطفال إدمان الأغذية الفائقة المعالجة، وهي أرقام آخذة في التزايد، وفقا لما ذكرته غيرهارت، التي أسهمت أبحاثها في صياغة قانون جديد بولاية كاليفورنيا، يهدف إلى استبعاد أكثر هذه الأغذية ضررا من مليارات الوجبات المدرسية بحلول عام 2035.

المكونات الأكثر إدمانا

أجرت الدكتورة غيرهارت دراسة، سألت فيها 1600 بالغ أمريكي عن خياراتهم في تناول الطعام، فأظهرت الإجابات أن أكثر من 90% من المنتجات الأعلى تسببا في الإدمان كانت “أطعمة فائقة المعالجة مليئة بالسكريات والدهون”.

ومن هذه الأطعمة، البسكويت والكعك والدونات والحلوى والفطائر والبيتزا ورقائق البطاطس، وغيرها من الوجبات الخفيفة، وشطائر الإفطار وأجنحة الدجاج وخبز الثوم والمعكرونة بالجبن، واللازانيا.

إضافة إلى بعض الأطعمة الأقل معالجة لكنها تسبب الإدمان بشدة، مثل الكرواسون والتوست الفرنسي وشطائر الجبن المشوي والبطاطس المشوية مع الزبدة.

وتوضح غيرهارت أن ارتباط هذه الأطعمة بالإدمان ليس مفاجئا، إذ تحتوي أكثرها إدمانا على تركيبات مرتفعة من الدهون والكربوهيدرات والنشويات والحبوب المكررة، وهو ما يمنحها كثافة عالية من الطاقة، ويزيد كمية السعرات الحرارية في كل غرام، لتصبح أكثر إغراء وصعوبة في مقاومتها.

وأوضحت غيرهارت أن الأطعمة الإدمانية ليست مقتصرة على ما يُسمى الأطعمة السريعة مثل البرغر والبطاطس المقلية. فعلى سبيل المثال، هناك وجبات أخرى مثل شطائر الخبز الأبيض ولحم الديك الرومي والجبن الأمريكي الفائق المعالجة ورقائق البطاطس والفواكه المعلبة في شراب ثقيل.

وأضافت غيرهارت “إنهم يستخدمون دقيقا مكررا ومعالجا للغاية، يتحول بسرعة إلى جلوكوز في الجسم، مما يرفع مستويات السكر في الدم. ويفعل النشا الشيء نفسه في البطاطس”.

وبعد نشوة الأكل السريعة، يحدث انخفاض كبير في مستويات السكر في الدم، ينتج عنه شعور بالجوع، يؤدي إلى الإفراط في الأكل.

تزيد الأطعمة الفائقة المعالجة من خطر الإصابة بالسمنة بنسبة 55%
تزيد الأطعمة الفائقة المعالجة من خطر الإصابة بالسمنة بنسبة 55% (فريبيك)

مخاطر إدمان الأطعمة الفائقة المعالجة

يشير الخبراء إلى تزايد الأضرار الصحية للأطعمة الفائقة المعالجة، حيث قد يؤدي تناول المزيد منها إلى:

  •  زيادة خطر الإصابة بالسمنة بنسبة 55%.
  • ارتفاع الوفيات الناجمة عن أمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 50%.
  • زيادة خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني بنسبة 40%.
  • زيادة خطر التدهور المعرفي والسكتة الدماغية.
  • ارتفاع احتمال الإصابة بسرطانات الجهاز الهضمي العلوي.

ليس كل من يتناول الأطعمة الفائقة المعالجة معرّضا للإدمان

توضح غيرهارت أن تناول الأطعمة الفائقة المعالجة لا يحولك تلقائيا إلى مدمن، وليس كل من يستهلك هذه الأطعمة يصاب بمشاكل إدمانية، لكن الأبحاث تُظهر أن كثيرا من الناس يعانون “الانجذاب الإدماني” لهذه المنتجات.

إعلان

ووفقا للخبراء، فإن الإدمان يتأثر بالجينات والتوتر والحالة النفسية والبيئة والتعرض لإعلانات الأطعمة الجذابة.

وعندما تأكل وأنت لا تشعر بالجوع، أو بعد الشعور بالشبع، أو تخفي الطعام وتتناوله بمفردك، وتفشل مرارا في التقليل من هذه الأطعمة، رغم الخمول أو الصداع أو تقلبات المزاج أو زيادة الوزن، فهذه كلها إشارات على وجود مشكلة.

وتضيف غيرهارت “إذا بدأ طعام معيَّن يشغل مساحة كبيرة في تفكيرك، أو يثير رغبات شديدة لديك، وأصبحت تشعر بصعوبة متزايدة في السيطرة على هذا الأمر، فقد تكون هذه علامات تحذير مهمة”.

لكنها توصي مبدئيا بقراءة ملصقات الأطعمة بعناية، خاصة تلك التي تحتوي على عناصر غذائية مرتبطة بسلوك إدماني، مثل الكربوهيدرات المكررة والدهون المشبعة.

 

المصدر: الجزيرة