مع إشراقة شمس العاشر من ذي الحجة، تجلت لوحة إيمانية مهيبة رسمها المسلمون في مختلف أنحاء العالم، حيث أدوا صلاة عيد الأضحى المبارك بقلوب خاشعة وحناجر تصدح بتكبيرات العيد التي ترددت أصداؤها الموحدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.
وتوافد المصلون بجموع غفيرة إلى المساجد والساحات المفتوحة والملاعب، في مشهد استثنائي يجسد البعد الروحي ووحدة الشعائر الإسلامية، متجاوزين اختلافات اللغات والألوان والأعراق.

وأقام مئات الآلاف من المسلمين صلاة العيد في أجواء مفعمة بالروحانية والبهجة في دول امتدت عبر القارات، بدءا من الكثافة والحضور اللافت في إندونيسيا وباكستان، مرورا بالعمق التراثي في إثيوبيا، ووصولا إلى دول البلقان وأوزبكستان وكازاخستان.
ولم يقتصر هذا المشهد المهيب على دول العالم الإسلامي فحسب، بل برزت الجاليات المسلمة بوضوح في الغرب، حيث توجه أبناء الجاليات الإسلامية في دول مثل إيطاليا وفرنسا وألمانيا وروسيا وهولندا وأوكرانيا واليونان لأداء الصلاة.

ونظمت هذه الجاليات صفوفها في المراكز الكبرى والحدائق العامة لتبادل التهاني وتوزيع الحلوى، في مشهد يعكس تمسكها بهويتها والتنوع الثقافي في أزيائها التقليدية.
وإلى جانب هذه الزوايا الثقافية والتراثية، يفرض البعد الإنساني نفسه بقوة في هذا المشهد العالمي؛ ففي الوقت الذي تعم فيه الاحتفالات الآمنة، تبرز مشاهد التحدي والصمود في الدول التي تعاني من وطأة الحروب والأزمات الممتدة، حيث يصر الأهالي على إقامة صلاة العيد وسط الركام أو داخل مخيمات النزوح، في رسالة عاطفية قوية ومحاولة نبيلة لإدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال وتجاوز قسوة الظروف المعيشية.

يأخذكم هذا التقرير في جولة عالمية ترصد كيف تضافرت هذه الزوايا المتعددة لصناعة مشهد متكامل لعيد الأضحى المبارك، مؤكدة أن هذه الشعيرة تمثل جسرا متينا للتواصل الإنساني والتلاحم الاجتماعي العابر للحدود.

أحيا الفلسطينيون في مناطق متفرقة من قطاع غزة صلاة وخطبة عيد الأضحى في ظل الدمار الواسع الذي خلفته الحرب، وتحت أصوات القصف كان للعيد فرحة بطعم الدم.
وأقيمت الصلوات فوق أنقاض المساجد المهدمة وفي مخيمات النزوح، وسط محاولات حثيثة من الأهالي والمتطوعين لإدخال أجواء العيد والفرحة إلى قلوب الأطفال رغم الظروف المعيشية الصعبة وقسوة المشهد، في رسالة صمود استثنائية.

وفي سوريا، رغم سنوات الحرب الطويلة والأزمات الاقتصادية الخانقة، توافد السوريون إلى المساجد والساحات العامة في دمشق ومختلف المحافظات لأداء صلاة العيد.
وفي قلب العاصمة السورية دمشق، احتضن الجامع الأموي التاريخي حشود المصلين الذين توافدوا لأداء صلاة العيد في وقت مبكر.
وأدى الرئيس أحمد الشرع صلاة العيد في جامع “عبد الله بن عباس” بمدينة حلب، وهي المرة الأولى التي يؤديها بمدينة غير العاصمة دمشق منذ توليه الرئاسة.
وامتزجت الدعوات بالفرج والسلام مع طقوس العيد البسيطة، حيث حرصت العائلات على تبادل التهاني وشراء الحلوى المحلية، في محاولة لتجاوز المآسي ورسم البهجة على وجوه الأجيال الشابة.

وفي إيران، شهدت العاصمة طهران ومدن إيرانية أخرى توافد حشود كبيرة لأداء صلاة عيد الأضحى في المساجد الكبرى والساحات رغم آثار الحرب التي لم تضع أوزارها بعد.
وطغت الأجواء الروحانية على المشهد وسط ترديد التكبيرات الموحدة، وعقب انتهاء الخطبة تبادل المصلون التهاني والتبريكات قبل الانطلاق لأداء شعيرة النحر وتوزيع الأضاحي.

وفي باكستان، اكتظت المساجد التاريخية والساحات المفتوحة بالمصلين، وشهدت مدن إسلام آباد وكراتشي وغيرها حضورا ضخما في الساحات العامة التي امتلأت بملايين المصلين الذين ارتدوا الأزياء التقليدية.
وعقب أداء الصلاة والاستماع إلى خطبة العيد التي ركزت على قيم التضحية والتكافل، انطلق الباكستانيون بحماس لإتمام شعيرة الأضحية في أجواء احتفالية عارمة.

وفي إندونيسيا، قدم المسلمون لوحة بصرية مذهلة، حيث أقيمت صلاة العيد في الساحات العامة والشوارع الرئيسية ومسجد الأزهر الكبير بالعاصمة.
وتميز المشهد بالتنظيم الدقيق وارتداء الرجال قبعات “السونغكوك” السوداء وقمصان “الباتيك” الملونة، مما يعكس تمازجا فريدا بين الشعيرة الدينية والثقافة المحلية.

وفي العراق، شهدت مختلف المدن، وفي مقدمتها بغداد والنجف والموصل، توافد أعداد كبيرة من المصلين إلى المساجد والساحات العامة لأداء صلاة عيد الأضحى.
وامتلأت المساجد التاريخية بالمصلين الذين رددوا تكبيرات العيد في أجواء روحانية مهيبة، قبل أن يتبادلوا التهاني ويشاركوا في طقوس العيد الاجتماعية والعائلية، وسط إجراءات تنظيمية وأمنية واسعة.

وفي روسيا، تجمع المصلون صباح يوم العيد عند محطة مترو “بروسبكت ميرا” وسط انتشار أمني كبير وتنظيم محكم، بعدما ضاق مسجد موسكو الكبير بالأعداد الهائلة من المصلين.
وافترش عشرات الآلاف من المسلمين الروس والمهاجرين سجادات الصلاة في الشوارع المحيطة، في مشهد مهيب يبرز قوة وحجم الوجود الإسلامي في العاصمة الروسية.

في البوسنة والهرسك، وفي قلب القارة الأوروبية، أحيا مسلمو البوسنة والهرسك صلاة العيد في عدد من المساجد التاريخية؛ أبرزها مسجد “غازي خسرو بك” التاريخي بالعاصمة سراييفو.
وعكست الأجواء مزيجا من الروحانية العميقة والتراث البلقاني العريق، حيث صدحت المآذن بالتكبيرات، وتبادل المصلون التهاني في أزقة المدينة القديمة “باشتشاريشيا”، مجسدين نموذجا حيا للتعايش السلمي والتاريخ الإسلامي في أوروبا.

وفي ألبانيا، وفي مشهد استثنائي وثقته اللقطات الجوية، احتشد الآلاف من المسلمين على امتداد الشارع الرئيسي (البوليفارد) وسط العاصمة تيرانا لأداء صلاة عيد الأضحى المبارك.
وتجلت في هذا التجمع الضخم صبيحة العيد صورة مبهرة للتنظيم والوحدة، حيث افترش المصلون سجادات الصلاة جنبا إلى جنب في لوحة بصرية تعكس حيوية وتجذر الهوية الإسلامية في منطقة البلقان.

وفي مصر، كما هي العادة، اتسمت صلاة العيد في مصر بأجواء من الفرحة العارمة التي لا تخطئها العين، واحتشد الملايين في الساحات الكبرى والمساجد التاريخية في مختلف المحافظات.
ويستمتع المصريون بأجواء مميزة حيث تتناثر البالونات الملونة من أسطح المباني والمساجد على الأطفال، وسط تعالي الأناشيد وتوزيع الهدايا في مشهد شعبي مليء بالحياة.

وفي قطر، أقيمت صلاة العيد في مئات المساجد والمصليات، إضافة إلى الملاعب والساحات المفتوحة، مثل ملعب المدينة التعليمية الذي استقطب آلاف المصلين.
وتميز المشهد في الدوحة بالتنظيم وتجمع مختلف الجنسيات من مواطنين ومقيمين جنبا إلى جنب، في لوحة مصغرة لوحدة الأمة الإسلامية، أعقبتها فعاليات ترفيهية عائلية متنوعة.

وفي المغرب، توافد المغاربة إلى المصليات المفتوحة والمساجد مرتدين الزي التقليدي الأصيل، في مشهد يجسد الاعتزاز بالتراث الديني والوطني.
وعقب الصلاة، انطلق المواطنون لتبادل الزيارات العائلية ونحر الأضاحي في أجواء اجتماعية تعكس الترابط الأسري وقيم التضامن المتأصلة في المجتمع المغربي.

وفي ماليزيا، أحيا المسلمون صلاة العيد في مساجدها ذات العمارة الإسلامية الساحرة، مثل مسجد “السلطان صلاح الدين”.
وتوافد المصلون مرتدين الزي الوطني الملايوي “باجو ملايو” للرجال و”باجو كورونغ” للنساء، وتميزت الأجواء بالسكينة، وعقب الصلاة يحرص الماليزيون على إقامة ما يعرف بـ”البيت المفتوح”، حيث تفتح الأبواب لاستقبال الجيران والأصدقاء من مختلف الأديان لتناول الأطعمة التقليدية، في رسالة تسامح وسلام.

وفي السودان، ورغم أصوات الرصاص والظروف الإنسانية القاسية بسبب النزاع الدائر، أصر السودانيون على إقامة صلاة العيد في المساجد التي سلمت من الدمار وفي الساحات العامة.
وارتفعت التكبيرات ممزوجة بالدعوات الصادقة لعودة الأمن والسلام إلى البلاد، وحاول الأهالي، رغم شح الموارد وانعدام الاستقرار، إدخال البهجة على وجوه الأطفال عبر تقاسم ما تيسر من الطعام، في مشهد يجسد أقصى درجات الصمود والتمسك بالأمل.

وفي أستراليا، بحكم موقعها الجغرافي، كان مسلمو أستراليا من أوائل من استقبلوا عيد الأضحى وأدوا صلاة العيد على مستوى العالم، واحتشد عشرات الآلاف في الملاعب الرياضية والحدائق العامة الكبرى في مدن مثل سيدني وملبورن.
وتميز المشهد بالتنوع العرقي الكبير للجالية المسلمة، وعقب انتهاء الخطبة تحولت الساحات إلى مهرجانات عائلية شملت ألعابا ترفيهية للأطفال وأكشاكا للأطعمة، مما يعكس حيوية المجتمع الإسلامي وقدرته على الاحتفال بشعائره في تناغم مع المجتمع الأسترالي.

وفي أفغانستان، ورغم التحديات الاقتصادية والظروف الإنسانية الصعبة، توافد الآلاف من الأفغان إلى المساجد الكبرى والساحات المفتوحة، مثل مسجد عبد الرحمن في العاصمة كابل والمسجد الأزرق التاريخي في مزار شريف، لأداء صلاة عيد الأضحى المبارك.
وتزين المشهد بالزي الأفغاني التقليدي، حيث اصطف المصلون في أجواء تسودها الروحانية والخشوع، وحرصت العائلات، رغم شح الإمكانات، على إحياء شعيرة النحر وتقاسم الأضاحي مع المحتاجين، في تجسيد حقيقي لقيم التكافل الاجتماعي والتضحية التي يحملها العيد.

ويثبت مشهد صلاة عيد الأضحى المبارك في العالم أنه يتجاوز كونه مجرد أداء لشعيرة دينية، ليتحول إلى لوحة إنسانية عالمية نابضة بالحياة، تجمع بين الروحانية العميقة والتنوع الثقافي.
فمن ساحات جاكرتا المنظمة ومساجد إسطنبول العتيقة، مرورا بحدائق أوروبا وملاعب أمريكا التي تحتضن الملايين من أبناء الجاليات، وصولا إلى خيام النزوح في غزة وركام الأزمات في السودان وسوريا؛ تظل تكبيرات العيد خيطا متينا يربط قلوب المسلمين أينما كانوا.
المصدر: الجزيرة