تصاعدت وتيرة الدمار والهلع في لبنان على نحو غير مسبوق، مع سلسلة غارات إسرائيلية متزامنة وعنيفة طالت العاصمة بيروت ومناطق واسعة في البلاد، مخلفة مشهدا إنسانيا كارثيا يتسم بالفوضى والضغط الهائل على فرق الإنقاذ والمستشفيات.
وأفادت مراسلة الجزيرة كاترين حنا بأن غارة إسرائيلية استهدفت مقبرة شمسطار قضاء بعلبك بالبقاع، مما أسفر عن عدد كبير من القتلى والجرحى بين المشيعين المدنيين.
وحسب كاترين حنا، كانت الغارة الأعنف، لأنها وقعت أثناء تشييع عدد كبير من سكان البلدة أحد المتوفين من شمسطار داخل المقبرة، ما أدى لوقوع ما وصفتها المراسلة بالمجزرة، حيث وقع 9 قتلى وعدد كبير من الجرحى.
وتزامنت هذه المجزرة مع عدة غارات إسرائيلية استهدفت بلدات قريبة من شمسطار مثل العقيدية الهرمل أو بعلبك، ما أوقع عددا كبيرا من القتلى والجرحى بعضهم من المسعفين، ولفتت حنا إلى أن هذه البلدات لم تكن ضمن المناطق التي طلبت إسرائيل إخلاءها.
ورصدت كاميرا الجزيرة جهود فرق الدفاع المدني اللبناني في انتشال جثامين القتلى والبحث المستمر عن المفقودين إثر غارة إسرائيلية على مبنى في بلدة دورس بمحافظة البقاع جنوبي لبنان.
وضع كارثي
وفي بيروت، بدت العاصمة في وضع كارثي وحالة استنفار شامل، حيث تحولت شوارعها إلى مسارات مفتوحة لسيارات الإسعاف التي تملأ الطرقات، في وقت شُلّت فيه حركة السير في مناطق عدة.
ووفق مشاهدات مراسل الجزيرة في كورنيش المزرعة جوني طانيوس، فإن المنطقة -وهي من أكثر أحياء العاصمة حيوية واكتظاظا- تعرضت لغارة أدت إلى تدمير مبنى بالكامل ومنشأة عبارة عن مستودع حديدي، وسط أضرار واسعة في الأبنية المجاورة واندلاع حرائق.
ويشير المشهد الميداني -حسب طانيوس- إلى عمليات إنقاذ معقدة، حيث تعمل الجرافات على رفع الأنقاض بحثا عن ضحايا محتملين، في ظل استمرار تصاعد الدخان ووجود مواد مشتعلة، بينما دعت فرق الصليب الأحمر المواطنين إلى التبرع بالدم مع امتلاء المستشفيات بالمصابين.
وتوقعت وزارة الصحة سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، في وقت لا تزال فيه الأرقام الدقيقة غير متاحة بسبب حجم الغارات والدمار الذي خلفته، وسط ترقب إعلان حصيلة نهائية قد تكون من الأعلى خلال يوم واحد منذ بداية التصعيد.
ذعر وإرباك
وفي منطقة المنارة بالعاصمة، رصدت مراسلة الجزيرة ميساء الفطناسي حالة من الذعر والإرباك بين السكان، بعد استهداف مبان سكنية وتجارية، مما أحدث حالة عارمة من الذعر والهلع بين المدنيين والنازحين، خاصة في منطقة شارع الحمرا.
وأشارت الفطناسي إلى أن هذه الهجمات تأتي لتؤكد مخاوف اللبنانيين من تحول الثقل العسكري الإسرائيلي نحو الجبهة اللبنانية عقب اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، مشددة على أن كثافة الغارات وتوقيتها يبعثان برسالة إسرائيلية مفادها أنه لا مكان آمن في عموم الأراضي اللبنانية.
وتُبرز شهادات الميدان عنصر المفاجأة، إذ وقعت الغارات دون إنذارات مسبقة، وفي وقت لم يكن فيه السكان يتوقعون استهداف هذه الأحياء، خصوصا بين النازحين الذين كانوا في مراكز إيواء قريبة عندما دوّت الانفجارات.
أما في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، فقد أشارت الفطناسي إلى تدفق متواصل للجرحى والمصابين، حيث تصل سيارات الإسعاف تباعا محملة بعشرات الجرحى من مناطق مختلفة تعرضت للقصف، مما جعل المستشفى من أكثر المراكز الطبية اكتظاظا نظرا لقربه من مواقع الاستهداف.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن عدد الضحايا قد يكون مرتفعا للغاية، خصوصا أن الغارات استهدفت مناطق سكنية مكتظة وفي أوقات الذروة، وهو ما يزيد من احتمالات سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
الأعنف منذ 1982
وعلى مستوى أوسع، يوضح مدير مكتب الجزيرة في لبنان مازن إبراهيم أن ما جرى يمثل تصعيدا غير مسبوق، إذ تجاوز عدد الغارات الـ100 خلال دقائق معدودة، مستهدفة كامل الجغرافيا اللبنانية من الجنوب إلى البقاع مرورا ببيروت وجبل لبنان.
ويؤكد مازن إبراهيم أن ما جرى يُعد الأعنف منذ اجتياح عام 1982، إذ لم تشهد بيروت خلال حرب 2006 استهدافا بهذه الكثافة وفي قلب العاصمة، مشيرا إلى أن ما حدث يعكس تصعيدا كبيرا في مستوى العمليات.
وأسفر القصف الإسرائيلي غير المسبوق على مختلف أنحاء لبنان عن مئات القتلى والجرحى منذ فجر اليوم الأربعاء، بالتزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ الضربة الكبرى على لبنان منذ بدء الحرب، بعد ساعات من الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لمدّة أسبوعين.
المصدر: الجزيرة