فوق مقاطعة بوتومايو الملبّدة بغيوم التوتر في جنوب غربي كولومبيا، لا يكسر صمت الأدغال سوى أزيز مروحيات “بلاك هوك” وهي تشق طريقها فوق مساحات خضراء شاسعة، تبدو للناظر كجنانٍ غنّاء، لكن أغصان الموز والكاكاو المنتشرة هناك تخفي وراءها حقيقة صادمة.
وفي توصيف أشبه بأفلام الإثارة والحركة، استهلت مجلة إيكونوميست البريطانية تقريرها الميداني بمشهد مروحيتين تحلِّق إحداهما على ارتفاع منخفض فوق بلدة فيلاغارسون في بوتومايو لتشتيت الانتباه، بينما تهبط الأخرى، محدثة دوامات هوائية عنيفة تطيح بشجيرات الكوكا المحيطة.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
ويقفز من المروحية نحو 12 عنصرا من “كوماندوز الغابة”، وهي وحدة نخبوية في شرطة مكافحة المخدرات الكولومبية. ويتقدمون بحذر حاملين بنادقهم الهجومية نحو هدفهم، وهو كوخ خشبي متوارٍ بين أشجار الموز.
مهمتهم -وفق المجلة- تدمير مختبرات تديرها العصابات في المناطق الواقعة على الحدود مع دولتي الإكوادور والبيرو، حيث يُنتج قرابة 70% من كوكايين العالم.
وتجبر العصابات بعض المزارعين على تصنيع عجينة الكوكا، مهددة إياهم بالقتل، وتُجنِّد أبناءهم كمقاتلين في صفوفها، بينما يزرع آخرون الكوكا ببساطة لأنها أكثر ربحية.
نجاحات ضئيلة للشرطة
ورغم كثافة عمليات الشرطة تلك، فإن “إيكونوميست” تقول إنها لا تحقق سوى مكاسب مؤقتة في مواجهة شبكة إنتاج وتهريب تتسم بمرونة عالية.
تأتي هذه المداهمات ضمن إستراتيجية ثلاثية تنتهجها الحكومة اليسارية في كولومبيا، بقيادة الرئيس غوستافو بيترو، لمكافحة تهريب المخدرات. وتركّز الإستراتيجية على تشديد الرقابة على شحنات الكوكايين في الموانئ، وملاحقة كبار المتورطين وتسليمهم، وتدمير مرافق التصنيع.
وأشارت المجلة إلى أن هذه الإستراتيجية تواجه انتقادات حادة، لا سيما من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي هدد بجعل “مصانع الكوكايين” هدفا قادما لعملياته العسكرية بعد فنزويلا.
هذا التوتر الدبلوماسي -برأي إيكونوميست- بلغ ذروته مع سحب واشنطن صفة “الحليف” من كولومبيا في حرب المخدرات.
إيكونوميست: جذور المشكلة أعمق من أن تُحل بالغارات والمتفجرات، فطالما ظل الطلب العالمي على الكوكايين قائما، واستمرت هشاشة الدولة في مناطق الأطراف، ستبقى كولومبيا عالقة في حرب استنزاف لا نهاية واضحة لها.
إنتاج هائل
أسفرت العمليات العسكرية عن ضبط 2840 طنا من الكوكايين خلال المدة منذ تولي الرئيس اليساري بيترو السلطة في عام 2022 وحتى نهاية العام الماضي، وهي كمية تزيد بمقدار 61%، مقارنة بما حققته الحكومة اليمينية السابقة خلال فترة مماثلة.
غير أن هذه الأرقام تكشف، في الواقع، عن الحجم الهائل للإنتاج، الذي توسّع بالتوازي مع اتساع رقعة زراعة الكوكا. فقد بلغ إنتاج الكوكايين في كولومبيا مستوى قياسيا وصل إلى 3001 طن في عام 2024، بحسب مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 13% عن العام السابق، وأكثر من ضعف الكمية المسجلة في عام 2021، أي قبل تولي بيترو السلطة، ويشير منتقدون إلى هذا الارتفاع بوصفه دليلا على فشل سياسات الرئيس، وفق التقرير الميداني.
فشل برامج استبدال المحاصيل
ويبرز التقرير التناقض المركزي في الحرب على المخدرات: فكل مختبر يُدمَّر يُعاد بناؤه بسرعة، وكل ضربة أمنية تقابلها توسعة في زراعة الكوكا. أما مزارعو هذه النبتة، فيقفون بين مطرقة الدولة وسندان العصابات، محرومين من بدائل اقتصادية حقيقية، في ظل فشل برامج استبدال المحاصيل التي لم تشمل سوى جزء محدود من الأراضي المزروعة.
سياسيا، تواجه بوغوتا ضغوطا متزايدة من واشنطن، فالرئيس ترمب، الذي عاد إلى تصعيد لهجته ضد المخدرات، لوّح بإجراءات عقابية ضد كولومبيا، وانتقد بشدة تشكيك بيترو في تقارير الأمم المتحدة وعرقلته عمل مكتبها المعني بالمخدرات. كما امتدت التداعيات إلى الجوار الإقليمي، مع فرض الإكوادور رسوما أمنية على الواردات الكولومبية.
وخلصت إيكونوميست إلى أن جذور المشكلة أعمق من أن تُحل بالغارات والمتفجرات. فطالما ظل الطلب العالمي على الكوكايين قائما، واستمرت هشاشة الدولة في مناطق الأطراف، ستبقى كولومبيا عالقة في حرب استنزاف لا نهاية واضحة لها، حيث يُطفأ حريق هنا ليشتعل آخر في مكان آخر.
المصدر: الجزيرة