اتفاق طهران وواشنطن يشق صف المحافظين في إيران

تصاعدت في إيران مواقف التيار المحافظ والمتشدد الرافض أو المتحفظ على الاتفاق الأخير بين طهران وواشنطن، في وقت يحاول فيه الرئيس مسعود بزشكيان تثبيت رواية رسمية تقول إن مسار التفاوض جرى بتنسيق كامل مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وبدعم من المجلس الأعلى للأمن القومي.

حيث صرّح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مساء اليوم الأربعاء، بأن كل الإجراءات التي اتُّخذت في مسار المفاوضات جاءت في إطار السياسات المعتمدة للبلاد، مضيفا: “لو أن المرشد كان قد أصدر توجيها بعدم عقد مفاوضات لما عقدنا أي مفاوضات”.

وكان بزشكيان قال، في لقاء مع أعضاء جمعية مدرسي الحوزة العلمية في قم، إن جميع مراحل المفاوضات جرت ضمن السياسات العامة للنظام وبالتنسيق المستمر مع المرشد، متهما “بعض التيارات” بالعمل، بالتوازي مع عمليات نفسية معادية، على تخريب صورة فريق التفاوض والتشكيك في القرارات الوطنية.

وجاءت لهجة بزشكيان العالية لأن الانتقادات لم تعد محصورة في ملاحظات على بنود الاتفاق، بل اتخذت في جزء منها طابع التشكيك بشرعية الفريق المفاوض، واتهامه بالتفريط بأوراق القوة التي تقول طهران إنها راكمتها خلال الحرب. ولذلك حاول الرئيس إعادة النقاش إلى مربع المؤسسات، عبر التأكيد أن الاتفاق لم يكن قرارا حكوميا منفردا، بل مر عبر قنوات القرار العليا.

أبرز المواقف التنظيمية جاء من جبهة “بايداري”، وهي من أكثر التيارات المحافظة تشددا في إيران. فقد أصدرت الجبهة بيانا قالت فيه إنها حذرت قبل توقيع التفاهم من “الأبعاد الخفية” و”تهديدات هذا النوع من الاتفاق”، مؤكدة أنها ستراقب “بدقة وحساسية” تنفيذ جميع بنوده، خصوصا وقف إطلاق النار الدائم، ورفع الحصار البحري، وإزالة العوائق النفطية والبنكية. كما أكدت أنها ستطالب بالخروج الفوري من التفاهم في حال حصول أي خرق من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل.

“أسوأ من اتفاق أوباما”

أما صحيفة كيهان، القريبة من التيار المحافظ المتشدد، فتبنت خطابا أكثر حدة. ففي مقال بعنوان “التفاهم لا يعمل”، اعتبرت الصحيفة أن ما وصفته بتكرار نقض العهد من جانب واشنطن يجعل التزام إيران بالاتفاق من طرف واحد أمرا غير مبرر. وقالت إن “تفاهم إسلام آباد” تحول، وفق قراءتها، إلى وثيقة بلا ضمان، وإن واشنطن تستخدم الاتفاقات أداة تكتيكية لشراء الوقت واحتواء قوة خصومها. وفي مقال آخر، دعت الصحيفة إلى ترك طاولة المفاوضات والرد على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر “لغة القوة” وإغلاق مضيق هرمز.

إعلان

ويشكل هرمز أحد أبرز محاور الاعتراض المحافظ. فالمتشددون يرون أن الاتفاق قد يحول ورقة ميدانية اكتسبتها إيران خلال الحرب إلى بند تفاوضي قابل للتنازل. ومن هنا ترفض هذه الأوساط تنفيذ أي التزام إيراني قبل تحقق التزامات أمريكية ملموسة، خصوصا في ما يتعلق برفع الحصار البحري، وتحرير الأموال، ووقف العمليات في لبنان.

ولم تقتصر الانتقادات على الصحافة والتيارات السياسية، فقد نشرت كيهان بيانا قالت إنه صادر عن أكثر من ألفي أستاذ في الجامعات والحوزات، طالبوا فيه فريق التفاوض بعدم عقد أي جولة جديدة قبل تنفيذ الولايات المتحدة تعهداتها. واعتبر البيان أن بعض المسؤولين لم يدركوا، بحسب تعبيره، “تحول ميزان القوة” بعد الحرب، وأنهم أخطؤوا حين افترضوا أن الشعب لا يتحمل استمرار الحرب وأن كلفة المقاومة أعلى من كلفة التسوية.

داخل البرلمان، برز النائبان أمير حسين ثابتي ومحمود نبويان بوصفهما من أبرز الأصوات المحافظة المتحفظة بشدة على الاتفاق والمقربة من تيار “جبهة بايداري” وزعيمه ممثل المرشد في مجلس الأمن القومي سعيد جليلي. فقد كتب ثابتي، النائب عن طهران، أن “العدو يسعى إلى تدمير إيران، سواء عبر الحرب أو عبر التفاوض”، معتبرا أن من يعتقدون أن الاتفاق مع الولايات المتحدة سيعيد واشنطن إلى حدودها “لم يفهموا بديهيات الأحداث الأخيرة”. كما عنونت وكالة فارس مادته بعبارة “اتفاق أسوأ من الاتفاق النووي 2015″.

أما نبويان، نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، فوصف الاتفاق بأنه خسارة، قائلا إن إيران بهذا الاتفاق قالت للعدو “تعال واجلس على صدورنا”.

خلاف أم توزيع أدوار؟

إلى جانب السياسيين والنواب، انتقل الاعتراض إلى منابر إعلامية قريبة من الخطاب الرسمي أو شبه الرسمي، فقد دعا أحد مذيعي هيئة الإذاعة والتلفزيون إلى إغلاق مطار مهر آباد حتى لا يسافر المسؤولون إلى سويسرا للتفاوض، وذلك في سياق ما وصفته بسلسلة هجمات على فريق التفاوض.

ويكتسب السجال حساسيته من موقف المرشد نفسه، فالحكومة تستند إلى موافقته على مسار الاتفاق لتأكيد شرعيته، بينما يستخدم المنتقدون عبارته التي قال فيها إنه كان له “رأي آخر”، لكنه أجاز التفاهم بعد أن تحمل بزشكيان المسؤولية، للقول إن التفويض كان مشروطا لا مفتوحا، وبذلك لم يكن الخلاف بشأن تفسير موافقة المرشد بقدر ما هو خلاف على بنود التفاهم.

وقد يفاقم هذا السجال هشاشة التماسك الداخلي بعد الحرب، خصوصا أن الاتهامات الموجهة إلى فريق التفاوض لا تتعلق بالكفاءة فقط، بل تمس قضايا مثل دماء الحرب، ومحور المقاومة، ومضيق هرمز، والسيادة الوطنية. ومن هنا يبدو تحذير بزشكيان محاولة لمنع انتقال الخلاف من مستوى النقد السياسي إلى مستوى التخوين وفتح شقوق أوسع داخل القاعدة الاجتماعية المؤيدة للنظام.

أما سؤال ما إذا كان التصعيد مجرد توزيع أدوار أم خلافا حقيقيا، فلا تبدو الإجابة أحادية، حيث يرى مراقبون أن رفع سقف الاعتراض الداخلي قد يمنح المفاوض الإيراني ورقة ضغط أمام واشنطن، لكنه في الوقت نفسه يعكس خلافا فعليا داخل معسكر السلطة. فدخول “بايداري” و”كيهان” ونواب مثل ثابتي ونبويان على خط الهجوم وتكرار موقفهم تجاه الاتفاق النووي عام 2015 ووزير الخارجية آنذاك محمد جواد ظريف يشير إلى أن الانتقادات لم تعد هامشية، بل باتت جزءا من معركة أوسع حول حدود التفاوض وكلفة الاتفاق.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة