لم يعد الحديث عن الإيجابية يقتصر على تشجيع الناس على التفاؤل، بل تحوّل لدى كثيرين إلى معيار أخلاقي غير معلن يُفترض فيه أن يظل الإنسان متماسكا ومبتسما، قادرا على تحويل أي خسارة إلى فرصة، مهما قست الظروف.
هذا الخطاب، الذي تتصدره كتب التنمية الذاتية ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي، بات يواجه انتقادات متزايدة من باحثين في علم النفس، يحذرون من أن الإفراط في الترويج للتفكير الإيجابي قد ينقلب من وسيلة دعم إلى مصدر ضغط نفسي واجتماعي. فالمشكلة، بحسب هؤلاء، لا تكمن في التفاؤل نفسه، بل في ما يُعرف علميا بـ “الإيجابية السامة”، حين تتحول الإيجابية إلى التزام دائم، ويُنظر إلى المشاعر السلبية على أنها ضعف أو إخفاق شخصي، بدلا من كونها استجابة إنسانية طبيعية.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
الإيجابية السامة
يستخدم مصطلح “الإيجابية السامة” في علم النفس لوصف نمط من التعامل العاطفي يقوم على إنكار المشاعر السلبية أو التقليل من شأنها عبر فرض لغة تفاؤل قسري في جميع الظروف، بما في ذلك المواقف التي تتطلب الحزن أو الغضب أو الاعتراف بالألم.
وهذا التوصيف توضحه الدكتورة ساشا هاينز، الحاصلة على دكتوراه في علم النفس التنموي، في مقال تحليلي نشرته على منصة “سايكولوجي توداي” (Psychology Today) الرائدة عالميا في مجال الصحة النفسية والعلوم السلوكية.
وترى هاينز أن الإيجابية السامة ليست شكلا صحيا من التفاؤل، بل هي “تجنب عاطفي” يمنع الفرد من معالجة مشاعره الحقيقية، ويخلق شعورا إضافيا بالذنب عند الفشل في الحفاظ على صورة نفسية إيجابية.
وتشير هاينز إلى أن علم النفس الحديث لا يصنف المشاعر إلى “جيدة” و”سيئة”، بل يتعامل معها بوصفها استجابات طبيعية للسياق، وأن قمع المشاعر السلبية لا يؤدي إلى زوالها، بل إلى ظهورها لاحقا على شكل قلق مزمن أو إنهاك نفسي.
وهذا الطرح تدعمه أبحاث أكاديمية أخرى، منها دراسة تحليلية نشرت على ببمد (PubMed) المتخصص في الأبحاث الطبية ويتبع للمكتبة الوطنية الأميركية للطب (NLM)، وتشير إلى أن تجاهل المشاعر السلبية أو التقليل منها يرتبط بزيادة مستويات التوتر وضعف التكيف النفسي، لا العكس.

لماذا لا تنجح نصائح النجاح مع الجميع؟
في موازاة صعود خطاب الإيجابية، انتشرت نصائح النجاح الفردي التي تفترض أن الإرادة والتفكير الإيجابي كفيلان بتجاوز أي عائق. غير أن باحثين في علم النفس والسلوك التنظيمي يرون أن هذا الطرح يتجاهل عوامل أساسية تتحكم في حياة الأفراد.
وفي هذا السياق، تناقش هارفارد بزنس ريفيو (Harvard Business Review)، وهي مجلة تصدر عن دار النشر التابعة لكلية هارفارد للأعمال في أكثر من مقال، فكرة أن النجاح لا يقود بالضرورة إلى الرضا النفسي.
ويستند هذا الطرح إلى مفهوم “وهم الوصول” (Arrival Fallacy)، الذي صاغه الدكتور تال بن شاحار، أستاذ علم النفس الإيجابي في جامعة هارفارد سابقا. ويشير بن شاحار إلى أن الاعتقاد ببلوغ هدف معين سيؤدي إلى سعادة دائمة هو اعتقاد غير مدعوم علميا، لأن الرضا النفسي عملية مستمرة لا نتيجة نهائية.
وتوضح التحليلات المنشورة في هارفارد بزنس ريفيو أن التركيز المفرط على الإنجاز قد يؤدي إلى دائرة لا تنتهي من الأهداف الجديدة، من دون شعور حقيقي بالاكتفاء، خصوصا عندما تقاس قيمة الفرد بقدرته على “النجاح” وفق معايير عامة لا تراعي اختلاف الظروف أو القدرات.
كما ينتقد باحثون هذا النوع من النصائح لأنه ينقل المسؤولية كاملة إلى الفرد، متجاهلا السياقات الاقتصادية والاجتماعية، مثل الفقر أو عدم تكافؤ الفرص أو الأزمات الصحية، وهي عوامل تؤكد الدراسات أنها تؤثر مباشرة في فرص النجاح وجودة الحياة.

من تطوير الذات إلى صناعة عالمية
هذا الخطاب التحفيزي لم يبقَ في حدود النصيحة، بل تحوّل إلى صناعة متكاملة. ففي تحليل نشرته مجلة ذي أتلانتيك (The Atlantic)، تناولت الكاتبة إلينور كومينز تطور كتب التنمية الذاتية، مشيرة إلى أن هذا المجال بدأ تاريخيا كخطاب أخلاقي في القرن 19، قبل أن يتحوّل في العقود الأخيرة إلى سوق تجارية تقدر قيمتها بعشرات مليارات الدولارات سنويا.
وترى كومينز أن المشكلة لا تكمن في كتب تطوير الذات بحد ذاتها، بل في تسويق “التحوّل الشخصي” بمنتج جاهز وقائم على وصفات عامة وسريعة وغالبا من دون سند علمي واضح أو مع تجاهل الفروق الفردية والسياقات النفسية والاجتماعية.
وهذا النقد يتقاطع مع ما طرحه الكاتب الأميركي ستيف ساليرنو في كتابه “شام: كيف جعلت حركة المساعدة الذاتية أميركا عاجزة” (SHAM: How the Self-Help Movement Made America Helpless)، الذي يجادل بأن جزءا من هذه الصناعة يعيد إنتاج الإحباط بدل معالجته، عبر تحميل الأفراد مسؤولية مشكلات معقّدة لا يمكن حلّها بالإرادة الفردية وحدها.
آثار نفسية تتجاوز النوايا الحسنة
رغم أن ثقافة التحفيز والإيجابية غالبا ما تطرح بنوايا حسنة، تشير الأدبيات النفسية الحديثة إلى أن الإلحاح على التفاؤل الدائم – من دون إتاحة مساحة للمشاعر الصعبة – قد يؤدي إلى قمع الانفعالات الحقيقية وارتفاع مستويات الضغط النفسي.
ويستخدم في هذا السياق مصطلح “الإيجابية السامة” لوصف التركيز المفرط على الجوانب الإيجابية، حتى في المواقف التي تستدعي الحزن أو القلق، وهو ما قد يدفع الأفراد إلى الشعور بالذنب أو الإحراج عند التعبير عن معاناتهم.
وتشير دراسات منشورة في المجلة الدولية لعلم النفس الهندي (International Journal of Indian Psychology) إلى أن هذا النمط من الخطاب قد يضعف استعداد الأفراد لطلب الدعم النفسي ويشجع على إخفاء المشاعر بدلا من التعامل معها بواقعية.

بين الإيجابية والواقعية
لا يدعو النقد العلمي لهذا التوجه إلى التشاؤم أو الاستسلام، بل إلى إعادة الإيجابية إلى حجمها الطبيعي بوصفها أداة دعم لا التزاما دائما. وتظهر أبحاث منشورة في مجلات نفسية محكمة، من بينها دراسات متاحة عبر قاعدة بيانات ببمد (PubMed)، أن الأفراد الذين يتبنون نهج قبول المشاعر والأفكار السلبية دون إنكار أو قمع يتمتعون على المدى الطويل بصحة نفسية أفضل ومستويات أقل من القلق والاكتئاب ورضا أعلى عن الحياة مقارنة بمن يحاولون تجاهل هذه المشاعر.
ويؤكد الباحثون أن هذا التوازن بين الإيجابية والواقعية يعزز المرونة النفسية، ويمنح الأفراد قدرة أكبر على التكيف مع الضغوط، بدلا من الاكتفاء بشعارات تحفيزية قد تبدو مريحة ظاهريا لكنها تفتقر إلى العمق الإنساني.
المصدر: الجزيرة