“الحجرية” في حسابات الحرب.. لماذا تتجاوز أهميتها حدود جغرافيا تعز؟

أعادت التطورات العسكرية التي شهدتها مديريات منطقة ما يُعرف بالحُجرية، جنوب غربي محافظة تعز اليمنية، مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، رسم ملامح الصراع في واحدة من أكثر مناطق اليمن أهمية من الناحيتين الجغرافية والتاريخية.

فمع تقارير عن دخول قوات الحوثيين مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين، والتقدم في مناطق محيطة بها، برزت تساؤلات بشأن أسباب التراجع العسكري.

قصص مقترحة

list of 4 items

  • list 1 of 4خريطة المواجهات والاشتباكات الميدانية بمحيط مدينة تعز
  • list 2 of 4حصار طرق ومعارك مرتفعات.. لماذا يسعى الحوثيون لتطويق تعز؟
  • list 3 of 4جمود عملياتي وكر وفر.. كيف قرأ خبير عسكري خريطة معارك اليمن؟
  • list 4 of 4معركة الجغرافيا في اليمن.. لماذا يتأجل حسم مأرب وتشتعل جبهة تعز؟

end of list

ولا تقتصر أهمية ما جرى على تغير السيطرة على مواقع وطرق رئيسية؛ إذ تمثل الحجرية عمقا سكانيا وسياسيا لمدينة تعز، وممرا حيويا يربط أجزاء من المحافظة بالمناطق الجنوبية.

وبينما أفادت تقارير إعلامية بدخول الحوثيين التربة في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، وتحدثت مصادر أخرى عن انسحابات من مواقع في ريف تعز الجنوبي، تظل طبيعة السيطرة على مجمل المنطقة بحاجة إلى تأكيد بعيدًا عن الروايات المتضاربة.

تمتلك محافظة تعز موقعا إستراتيجيا يربط شمال البلاد بجنوبها ويشرف على ممرات حيوية قريبة من مضيق باب المندب
تمتلك محافظة تعز موقعا إستراتيجيا يربط شمال البلاد بجنوبها ويشرف على ممرات حيوية قريبة من مضيق باب المندب (غيتي)

أكثر من جغرافيا عسكرية

وتكتسب الحُجرية أهميتها من موقعها في جنوب تعز، ومن تاريخ طويل من التفاعل التجاري والتعليمي والسياسي، جعلها إحدى أبرز مناطق إنتاج النخب اليمنية الحديثة.

ويرى الكاتب والباحث السياسي اليمني ياسين التميمي أن المنطقة من أقدم مناطق الاستقرار البشري في اليمن، وأن ذُبحان، التي يرتبط بها اسم “تربة ذبحان”، شكلت مركزا تاريخيا بارزا في إقليم المعافر، الذي ارتبطت به هوية الحجرية الجغرافية والتاريخية.

لكنّ التميمي يركز بصورة خاصة على دور المنطقة في التاريخ اليمني المعاصر، معتبرا أن الهجرة إلى عدن، ثم إلى الخارج، أسهمت في تشكيل نخبة واسعة من السياسيين والعسكريين والمثقفين والتجار وأصحاب المهن.

الكاتب اليمني ياسين التميمي YASEEN AL-TAMIMI @yaseentamimi68 المصدر:حسابه على إكس https://x.com/yaseentamimi68
الكاتب والباحث السياسي اليمني ياسين التميمي (مواقع التواصل)

وبحسب قراءته، لم تكن الهجرة مجرد وسيلة لتحسين الظروف المعيشية، بل قناة لاكتساب التعليم والخبرات التجارية والإدارية والاحتكاك بالأفكار والتيارات السياسية الحديثة. وقد انعكس ذلك على طبيعة المجتمع المحلي، وعلى إسهام أبنائه في مؤسسات الدولة والحياة السياسية والثقافية في اليمن.

إعلان

ويستشهد التميمي في حديث للجزيرة نت بتجربة السياسي والأديب اليمني أحمد محمد نعمان، الذي عاد إلى المنطقة وأسهم في تأسيس مدرسة في إطار مبكر من جهود نشر التعليم، وبالدور الذي أدته المدارس في الحجرية في تكوين أجيال من المتعلمين، قبل ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962 وبعدها.

كما يشير إلى شخصيات سياسية وعسكرية ارتبطت بالمنطقة، من بينها عبد الله عبد الوهاب نعمان، ومحمد أحمد نعمان، وعبد الرقيب عبد الوهاب، الذي تولى رئاسة هيئة الأركان العامة خلال مرحلة مبكرة من عمر الجمهورية.

وفي تقدير التميمي، أسهم أبناء الحجرية في تشكيل جانب مهم من النخب العسكرية والسياسية في شمال اليمن وجنوبه، كما كان لهم حضور بارز في الحياة الاقتصادية والإدارية للمدن اليمنية، ولا سيما تعز وعدن.

وتساعد هذه الخلفية على تفسير الحساسية السياسية التي تحيط بالتحولات العسكرية في المنطقة؛ فالحجرية، وفق هذه القراءة، ليست مجرد مساحة ريفية محيطة بمدينة تعز، وإنما مجال اجتماعي له امتداد في مؤسسات الدولة وشبكات التجارة والتعليم والعمل السياسي.

عمق إستراتيجي ونقطة ضعف

ومنذ اندلاع الحرب عام 2015، احتفظت مناطق من الحجرية بأهمية عسكرية بوصفها عمقا للقوات الحكومية والمقاومة المناهضة للحوثيين، فضلا عن دور الطرق التي تمر عبرها في ربط تعز بالمناطق الجنوبية.

وتتوزع المنطقة على عدد من المديريات والعزل، أبرزها الشمايتين والمواسط والمعافر والصلو وحيفان، فيما ترتبط محاورها الغربية والجنوبية بمناطق الوازعية والمقاطرة والقبيطة وممرات الوصول إلى لحج. وتختلف الحدود الإدارية المتداولة للحجرية بحسب الاستخدام التاريخي والاجتماعي للمصطلح، الذي لا يطابق بالضرورة نطاقا إداريا رسميا واحدا.

وتبرز مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين، بوصفها محورا مهمّا في شبكة الطرق والتجمعات السكانية جنوب تعز. كما أن السيطرة على المرتفعات والطرق المحيطة بها يمكن أن تؤثر في حركة القوات والإمدادات، وفي قدرة الأطراف المتحاربة على الربط بين الجبهات.

ومع ذلك، فإن وصول المواجهات إلى التربة، إذا استقرت السيطرة الحوثية فيها وفي محيطها، يضع خطوط الاتصال بين تعز ولحج وعدن أمام ضغوط إضافية، ويرفع المخاطر على حركة المدنيين والبضائع والإمدادات.

في تفسيره للتراجع، يربط التميمي بين طبيعة التوازنات السياسية في الحجرية وبين ما يصفه بضعف التحصين العسكري للمنطقة خلال السنوات الماضية.

ويقول إن الحياة الحزبية في الحجرية أعادت تشكيل العلاقات داخل المجتمع، بحيث تراجعت الروابط التقليدية لمصلحة انتماءات سياسية وفكرية حديثة. لكنه يرى أن هذا التحول، الذي أسهم تاريخيا في تشكيل الحياة العامة، تحول في مراحل الصراع إلى عامل استقطاب حاد بين القوى المحلية.

ويضع التميمي مرحلة ما بعد ثورة فبراير/شباط 2011 ضمن السياق الذي تصاعدت فيه الحساسيات بين المكونات السياسية في تعز. وبحسب تقديره، انعكست هذه التباينات على العلاقة بين مدينة تعز والحجرية، وعلى انتشار القوات العسكرية في المنطقة.

ويخلص التميمي إلى أن المنطقة بقيت، وفق قراءته، أقل تحصينا مما تقتضيه أهميتها الإستراتيجية، وأن التدابير العسكرية التي اتُخذت في المرحلة الأخيرة لم تكن كافية لوقف التقدم الحوثي، وفق رؤيته.

إعلان

خارج حدود الحُجرية

ويتجاوز تحليل التميمي الخلافات المحلية إلى قراءة تاريخية أوسع للعلاقة بين النخب اليمنية ومراكز النفوذ الإقليمي. ويقدم هذه القراءة في إطار اعتقاده بأن التوجهات السياسية والفكرية لبعض تلك النخب اصطدمت بمصالح قوى إقليمية وبنية الحكم التي تشكلت بعد الثورة.

ولا تنحصر أهمية التطورات في تغيير خطوط المواجهة داخل ريف تعز؛ إذ ترتبط المنطقة بشبكة طرق تصل المدينة بالمناطق الجنوبية، وتؤدي دورا في نقل البضائع والوقود والأدوية وحركة السكان.

ومن شأن السيطرة على الطرق والمرتفعات المحيطة بالتربة أن ترفع كلفة النقل والإمداد، وتحد من خيارات الحركة المتاحة للقوات الحكومية والمدنيين، خصوصا إذا أصبحت بعض المسارات عرضة للقصف أو الاشتباكات أو نقاط التفتيش والقيود العسكرية.

كما يمكن أن ينعكس استمرار المواجهات على النشاط التجاري والخدمات الأساسية، ويزيد مخاطر النزوح من القرى والمناطق المتاخمة لخطوط القتال.

وعلى المستوى العسكري، فإن تغير السيطرة على محاور جنوب تعز وغربها قد يفرض إعادة توزيع القوات الحكومية والمقاومة، ويؤثر في الترابط بين جبهات المحافظة والمناطق الساحلية. لكنّ امتداد هذه التداعيات إلى الساحل الغربي أو باب المندب يظل مرتبطا بتطورات إضافية.

كما تظل حماية المدنيين وضمان استمرار وصول المساعدات والخدمات الأساسية ضرورة ملحة، بصرف النظر عن تغير خطوط السيطرة. كما أن تقييم حجم الأضرار الإنسانية يتطلب بيانات موثوقة عن النزوح وحالة الطرق والخدمات، بدل الاكتفاء بالتقديرات السياسية أو العسكرية.

وتشهد محافظة تعز، جنوب غربي اليمن، تصعيدا عسكريا مستمرا بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي، وسط مواجهات في عدد من الجبهات، بالتزامن مع مساعٍ حوثية وحديثهم عن تقدم نحو المدينة والسعي للسيطرة على المرتفعات والممرات الحيوية وتهديد طرق الإمداد المؤدية إلى المدينة.

وسبق أن توزعت المواجهات في مختلف جبهات تعز (الشرقية، الغربية، والشمالية) وسط اشتباكات عنيفة وقصف مدفعي، وتخوض القوات الحكومية المسنودة بالأهالي مواجهات للتصدي للتقدم الحوثي، وسط غارات جوية استهدفت آليات وتحركات للجماعة في عدد من المواقع.

 

المصدر: الجزيرة