“نيران الشرق الأوسط لم تعد حبيسة الجغرافيا”، هذه هي المعادلة الجديدة التي فرضتها أوزار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فبينما كانت العواصم الأوروبية تحاول صياغة موقف موحد اخترقت المسيّرات الإيرانية أجواء الاتحاد الأوروبي لضرب قواعد بريطانية في قبرص، في حين كانت أنظمة الناتو في تركيا تسابق الزمن لاعتراض صواريخ باليستية عابرة للحدود.
اليوم، وبعد دخول الحرب أسبوعها الثاني، تخرج رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين لتقول بصراحة لم يعهدها الدبلوماسيون: “إن فكرة أننا نستطيع ببساطة الانسحاب من هذا العالم الفوضوي ليست سوى وهْم”.
هذا التصريح لا يعكس أزمة عابرة، بل يؤشر على انزلاق القارة “العجوز” نحو تورط عسكري مباشر، بدا واضحاً في استنفار أساطيل فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا في شرق المتوسط والخليج، مما يضع أوروبا أمام سؤال وجودي: هل باتت المشاركة في الحرب قدَراً لا مفر منه لحماية سيادتها المهددة؟
التصدع الأطلسي .. انقسام العواصم
لم تنجح العواصم الأوروبية في الحفاظ على “وحدة الصف” أمام تسارع الأحداث منذ فجر 28 فبراير/شباط الماضي، فبينما تحول موقف لندن من التشكيك إلى “الانخراط الحتمي”، اختارت مدريد الصدام المباشر مع واشنطن، بينما بقيت برلين في منطقة رمادية تحكمها المخاوف الاقتصادية.
في تحول دراماتيكي في موقف بريطانيا، أعلن رئيس الوزراء كير ستارمر أن ما كان يعتبره “حربا غير شرعية” بات اليوم ضرورة لدفاع الحلفاء عن أنفسهم، ومنح ستارمر الضوء الأخضر للولايات المتحدة لاستخدام قواعد “فيرفورد” و”دييغو غارسيا” لضرب “مدن الصواريخ” الإيرانية المحصنة تحت الجبال، معتبرا أن تدمير هذه الترسانة قبل إطلاقها هو “غرض دفاعي محدود”.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس -الذي استقبله الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في البيت الأبيض– اختار لغة دبلوماسية حذرة، فهو يدعم “حق الدفاع عن النفس” ويسمح للقوات الأمريكية بالوصول لقواعد محددة، لكنه يرفض “إعطاء المحاضرات” لحلفائه رغم شكوكه العميقة في قدرة العمل العسكري على تغيير النظام الإيراني، ومخاوفه من انفجار أزمتيْ لاجئين وطاقة جديدة في القارة.
برزت إسبانيا كأشرس المعارضين، حيث رفضت فتح قواعدها لشن الضربات على إيران، مما أشعل غضب ترمب الذي هدد بفرض “حظر تجاري كامل” على مدريد، ورغم محاولات البيت الأبيض الإيحاء بتراجع إسبانيا عن موقفها فإن مدريد نفت ذلك رسميا، متمسكة برفضها الانجرار خلف مواجهة تعتبرها غير مدروسة العواقب.
وفي قلب العواصف السياسية، برز الموقف الفرنسي-الإيطالي كنموذج للمفارقة الأوروبية، فبينما وصف وزير الدفاع الإيطالي كروزيتو في البرلمان الضربات بأنها “انتهاك للقانون الدولي”، لم يتردد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إرسال درة التاج العسكري الفرنسي حاملة الطائرات “شارل ديغول” إلى البحر المتوسط، بذريعة حماية السيادة الأوروبية في قبرص، مما يعكس حالة “الاستنفار” التي طغت على لغة المعارضة السياسية.

نيران الحرب تصل الجغرافيا الأوروبية
لم يعد الحديث عن امتداد النزاع مجرد تحذيرات دبلوماسية في أروقة بروكسل (المركز الإداري الفعلي للاتحاد الأوروبي ومقر حلف الناتو)، بل تحول إلى دويّ انفجارات وصواريخ باليستية وطائرات مسيرة أثبتت أن حدود الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو باتت في مرمى النيران الإيرانية، لتنتقل الأزمة من التهديد السياسي إلى الاختراق الميداني.
والبداية كانت من قبرص التي تعرضت لهجوم بطائرة مسيرة استهدفت قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري جنوب البلاد، لتكون أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي يطالها الهجوم منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
أما تركيا فلم تكن بعيدة عن هذه النيران، ولم تقف على هامش الحرب المشتعلة في الإقليم، إذ أعلنت وزارة الدفاع التركية أن أنظمة الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في شرق المتوسط أسقطت صاروخا باليستياً أطلِق من إيران ودخل أجواء تركيا.
ورغم أن شظايا الصاروخ سقطت بمنطقة مفتوحة في مدينة غازي عنتاب جنوبي تركيا، ولم يسفر الحادث عن أي إصابات أو خسائر بشرية، فإن أنقرة رفعت مستوى جاهزيتها العسكرية تحسبا لأي تطورات قد تمسّ أمنها القومي، إذ تتابع التحركات العسكرية في المنطقة، لاسيما بعد سلسلة خطوات اعتبرتها مؤشرا على تصاعد الحضور العسكري الغربي قرب محيطها الحيوي.
هذه السلسة من التطورات دفعت تركيا أيضا -اليوم الاثنين- إلى نشر 6 مقاتلات من طراز “إف 16” ومنظومات دفاع جوي في جمهورية شمال قبرص التركية لضمان أمنها.
وعقب الهجوم وتصاعد الأحداث، استنجد الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس بدول الاتحاد الأوروبي. وعلى إثر ذلك، أعلنت كل من بريطانيا واليونان وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا أنها سترسل قوات بحرية.
ومع تسارع وتيرة التهديدات، تحولت جزيرة قبرص إلى “خلية نحل” عسكرية ودبلوماسية؛ ففي خطوة تعكس جدية الاستنفار، رست الفرقاطة الألمانية “إف جي إس نوردراين – فيستفالن” في ميناء ليماسول يوم الأحد، لتكون أولى طلائع القوة البحرية الضاربة التي تدفع بها برلين لحماية العمق الأوروبي.
هذا التحشيد الميداني تزامن مع حراك سياسي عالي المستوى، حيث حطت طائرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قبرص اليوم الاثنين، في زيارة تحمل دلالات “الردع” أكثر من “التضامن”.
ومن المقرر أن تحتضن مدينة بافوس الساحلية قمة ثلاثية طارئة تجمع ماكرون بنظيره القبرصي خريستودوليدس ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، لرسم “خطوط حمراء” جديدة في المتوسط، وتنسيق عمل السفن الحربية الفرنسية واليونانية التي بدأت بالفعل في الانتشار حول الجزيرة، في محاولة لفرض مظلة حماية جوية وبحرية تمنع تحول قبرص إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية كبرى.
وفي خطوة تعكس حجم الارتباك الميداني، قررت لندن -اليوم الاثنين- إلغاء خطط إرسال حاملة طائرات بريطانية إلى شرق المتوسط والخليج، في خطوة فسرها مراقبون بأنها محاولة لتجنب استنزاف القدرات البحرية الملكية أمام الصواريخ الإيرانية، أو ربما خشية تحويلها إلى هدف إستراتيجي سهل للمسيرات الانتحارية التي اخترقت أجواء قبرص.
تلاشي وهم الانكفاء
وحذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين من أن القارة بدأت تدفع الثمن فعليا؛ فقد قفزت أسعار النفط لتقترب من 120 دولارا، وارتفع الغاز بنسبة 30% مع توقف الملاحة في مضيق هرمز.
هذا الصراع يطرح أسئلة وجودية حول مستقبل النظام الدولي. وفي ظل هذا الانشغال، يحاول الاتحاد الأوروبي جاهدا حماية جبهته الشرقية بتقديم قرض بـ90 مليار يورو لأوكرانيا، في محاولة لمنع تحول كييف إلى “ضحية منسية” لنيران الشرق الأوسط المشتعلة.
وهي خطوة قرأها محللون على أنها تؤكد المخاوف من أن تصبح أوروبا “عاجزة” عن إدارة جبهتين مشتعلتين في آن واحد، في ظل نظام دولي يعيد تشكيل نفسه بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
وفي خطابها أمام سفراء الاتحاد الأوروبي، قطعت فون دير لايين الشك باليقين بشأن تداعيات الحرب، مؤكدة أن “نزوح السكان” وتعطل التجارة واستهداف الشركاء في قبرص وتركيا، جعل من امتداد النزاع “واقعا ملموسا” لا يمكن الفرار منه.
وشددت على أن وهم “الانكفاء والانسحاب” من هذا العالم الفوضوي قد تبدد، تاركا التكتل الذي يضم 27 دولة أمام أسئلة وجودية تتعلق بمكانته في نظام دولي باتت قواعده تتهاوى تحت وقع القذائف.
وقالت فون دير لايين لسفراء الاتحاد الأوروبي قبيل اتصال ستجريه مع قادة من الشرق الأوسط: “نشهد حاليا نزاعا إقليميا أصبح امتداد تداعياته واقعا اليوم”.
وباتت حركة الملاحة في مضيق هرمز شبه متوقفة، علما بأن خُمس إمدادات العالم من النفط الخام وكمية كبيرة من الغاز تمر منه، وقالت “إن فكرة أنه يمكننا ببساطة الانكفاء والانسحاب من هذا العالم الذي تسوده الفوضى ليست سوى وهْم”.
المصدر: الجزيرة