الحر القائظ في فرنسا يتحول من مشكلة مناخية إلى معضلة سياسية

بينما يطارد سكان باريس فرصة الغطس في نهر السين وتلقف الرذاذ المنبعث من برج إيفل أو ملامسة المياه الباردة في النوافير من أجل الوقاية من ضربة شمس محتملة، تتزايد اهتمامات الساسة في الدفع بأزمة الحر المتفاقمة على أجنداتهم الانتخابية، في ظل القلق المتنامي من التداعيات الصحية والاقتصادية ومن ارتباك الخدمات في المرافق العامة.

ومثل الأعوام السابقة يكافح معظم الفرنسيين في المدن الكبرى للتعايش مع موجات حر متتالية مستنزفة للجهد في العمل وفي التنقل وفي التقاط الأنفاس أيضا.

فمع سقوط 3 قتلى من المسنين بسبب مشكلات صحية تحت وطأة الحر، واضطرار السلطات إلى إغلاق أو تعديل الجداول الدراسية لنحو 2700 مدرسة في أنحاء فرنسا، بات النقاش بين السياسيين وحتى العلماء يحوم حول كيفية التعايش مع الحر الموسمي بدل الجدل النمطي حول الحد على المدى المتوسط والبعيد من الاحتباس الحراري.

epa13052287 Youths jump from a bridge to cool off in the Canal Saint-Martin, in Paris, France, 20 June 2026. An intense heatwave is gripping Western and Central Europe, pushing temperatures far above seasonal norms for mid-June. EPA/YOAN VALAT
مجموعة من الشباب يقفزون من جسر بقناة سان مارتان في باريس (الأوروبية)

تردد سياسي

ومع أن أثر الحر لم يكن خافيا عن الحملات الانتخابية المبكرة لمرشحي الرئاسة، بما في ذلك التجمع الانتخابي لزعيم “حزب الجمهوريين” اليميني المحافظ برونو ريتايو، إلا أن الحزب لا يضع عمليا مقاومة الحر كأولوية انتخابية مقابل ملفات السكن والعمل والأجور والهجرة، وكل ما تضمنه خطابه هو العودة إلى التسويق لـ”بيئة يمينية”، وهي مقاربة لتيار اليمين تقوم على “بيئة الحلول”، لكن لم يقدم الحزب برنامجا واضحا لها حتى الآن.

ويعرض غابريال أتال، مرشح حزب “النهضة”، على استحياء مشروعه المقاوم لآثار التغير المناخي عبر العزل الحراري لنحو 40 ألف مدرسة، لكن هذا المشروع يواجه انتقادات بسبب التعقيدات اللوجيستية واستنزافه لآجال غير محددة، مما يجعله حلا بعيد المنال على المدى المتوسط.

وفي المقابل التزم إدوارد فيليب، رئيس الوزراء السابق والمرشح الرئاسي المعلن، الصمت نفسه، إذ لم يدل بأي تعليق على موجة الحر الحالية. كما لا تظهر الطموحات البيئية لحزبه “آفاق” إلا في خريطة طريق موجزة تدعو إلى “وضع سياسة فعالة لإزالة الكربون من الاقتصاد، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وزيادة الاستثمار في تطوير قطاعي الطاقة والزراعة”.

إعلان

أسبقية اليمين المتطرف ومرونة الخضر

على عكس اليمين المحافظ، كان لليمين المتطرف في فرنسا بقيادة حزب “التجمع الوطني” أسبقية في طرح حلول مباشرة لأزمة الحر، تركّز على الإسراع بتعميم أنظمة التكييف أسوة بدول الجوار المطلة على حوض البحر المتوسط، وتحديدا إيطاليا وإسبانيا.

وفي برنامج حواري على قناة “فرانس إنفو”، دافع فرانك أليسيو، عضو البرلمان عن التجمع الوطني، عن خطة الحزب التي عرضتها قبل عام ماري لوبان لتكييف المباني العامة، عبر توفير أجهزة تكييف للمدارس والمستشفيات ومراكز رعاية المسنين ووسائل النقل العام، كخطوة أولى لحماية الفئات الأكثر تضررا من موجات الحر الشديد.

A person cools off from a water fountain in the Parc Monceau as temperatures rise in Paris during a second heatwave affecting a large part of France, June 19, 2026. REUTERS/Alice Sacco
شخص يبرد نفسه بمياه نافورة في حديقة مونسو مع ارتفاع درجات الحرارة بباريس (رويترز)

ويركّز الحزب في دفاعه عن خطة التكييف التي لا مفر منها في تقديره لمواجهة درجات حرارة لا تُطاق، على نقاط رئيسية من بينها:

  • أنظمة التكييف يجري تطبيقها في العديد من البلدان الأخرى، بما في ذلك بلدان الجنوب العالمي.
  • توفر قيمة مضافة من حيث الإنتاجية، في مراكز العمل، لا سيما في مجال الرعاية الصحية.
  • توفر مصادر الطاقة في فرنسا بما في ذلك الطاقة النووية.
  • تكييف الهواء في الصيف يُشبه استخدام التدفئة في الشتاء.
  • تكييف الهواء لا يتعدى نسبة 1% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وفق الحزب.

ومع ارتفاع درجات الحرارة، يبدي “حزب الخضر” أيضا مواقف أكثر مرونة تجاه الجدل حول “تكييف الهواء”، حيث تقر زعيمة الحزب مارين تونديلييه، أن هناك أماكن لم يعد يمكن فيها الاستغناء عن تكييف الهواء مثل المدارس والمباني العامة. ولكن لا يزال الحزب متحفظا من فكرة تعميم التكييف على المباني الخاصة على نطاق واسع في المدن.

وبدل ذلك يفضّل الحزب المضي قدما في نضاله السياسي والاجتماعي من أجل المطالبة بمنح العمال إجازات مناخية، في أحدث مقترح لنظام الضمان الاجتماعي البيئي الذي يقترحه الحزب بهدف تغطية المخاطر الجديدة، التي لم تكن موجودة عند إنشاء نظام الضمان الاجتماعي عام 1945.

عوائق لوجيستية

وعلى الرغم من النقاش السياسي المفتوح والعلني لمعضلة ظل مسكوت عنها لسنوات، فإن الأسئلة تحوم حول مدى جاهزية الحكومة نفسها لتبني نظام التكييف الذي بات ضرورة ملحة، لا سيما في المقاطعات الجنوبية المطلة على حوض المتوسط، حيث يمكن أن تلامس درجات الحرارة 40 درجة خلال موجات الحر.

ووفق بيانات وكالة الطاقة الدولية يبلغ متوسط أوروبا للمنازل المجهزة بالمكيفات حوالي 20%. وبينما ترتفع هذه النسبة لتصل إلى ما بين 50 و60% في كل من إيطاليا وإسبانيا واليونان فإنها تنخفض إلى 25% في فرنسا.

وعلى عكس الحماس السياسي، تشير صحيفة لوموند، في تحليل لها، إلى عوائق موضوعية أمام مشروع توسيع التكييف، من أهمها:

  • افتقاد الاستقرار الحكومي الكبير الذي شهدته فرنسا السنوات الأخيرة.
  • الموارد لم تواكب متطلبات التكيف مع تغير المناخ.
  • تراجع موازنة صندوق المناخ الأخضر من 2.4 مليار يورو في عام 2024 إلى 837 مليون يورو في عام 2026، مع تجميد ما يقرب من 20% منها مؤخرا.

وبالإضافة إلى حالة من الشعور العام بعدم الجاهزية، تشير الصحيفة كذلك إلى قضية سياسية أخرى تعيق التقدم في مشروع التكييف العام، ترتبط بتباين الاهتمام بين المسؤولين المنتخبين في المناطق البلدية، رغم أنهم يمثلون الخطوط الأمامية عند اندلاع موجات الحر.

أوروبا تتصبب عرقا

لا تقف المعضلة عند فرنسا، فأوروبا كلها تتصبب عرقا. وحتى يوم الاثنين مثلا كانت درجات الحرارة أبعد ما تكون عن معدلاتها المعتادة، حيث بلغ متوسط درجة الحرارة العظمى 24 مئوية، أي بزيادة قدرها 4.1 درجة مئوية عن المعدل المعتاد خلال الفترة من 1961 إلى 1990.

إعلان

ويقول الخبراء إن هذه المعدلات الدول الأوروبية أمام تحدٍّ حيوي للدخول في نمط جديد من الإسكان مخالف للتخطيط العمراني السائد بدافع التكيف مع تغير المناخ، على الرغم من الكلف الاقتصادية المتوقعة.

وفي هذا الصدد، أوضح رئيس شركة “أليانز تريد” العالمية لتأمين الائتمان في ألمانيا والنمسا وسويسرا، ميلو بوغارتس، أن الحر الشديد لم يعد مجرد ظاهرة جوية قصيرة الأجل، بل تحول إلى صدمة اقتصادية هيكلية.

ويتمثل التحدي، وفق رئيس الشركة، في أن أوروبا صُممت تاريخيا للتعامل مع البرد، وما زالت حتى اليوم غير مستعدة جيدا لمواجهة الحر، رغم أن موجاته لم تعد ظاهرة جديدة في السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، بيّن الخبير الاقتصادي في “أليانز ريسيرش” حازم كريشين أن الولايات المتحدة والشرق الأوسط وآسيا تُعد أكثر تقدما في هذا المجال، نظرا لأن الحر يشكل جزءا أساسيا من التخطيط العمراني والاقتصادي فيها منذ عقود، ولذلك تنتشر فيها أجهزة التكييف بشكل واسع.

وبحسب الأرقام التي وردت في دراسة قدمها كريشين، فإن نحو 90% من المنازل في الولايات المتحدة مزودة بأنظمة تكييف، بفارق كبير عن أوروبا، فضلا عن أن العديد من المباني الأوروبية صُممت هندسيا للاحتفاظ بالحرارة بدلا من تصريفها.

وأكد كريشين في ختام قراءته لنتائج الدراسة أن التحول الأخضر والتكيف مع التغير المناخي أصبحا الآن من القضايا المحورية في السياسة الاقتصادية للدول، ويتجاوزان بكثير مجرد نطاق القضايا البيئية التقليدية.

وشدد على أن الدول التي ستتحرك وتتقدم بشكل أسرع في مجالات تطوير البنية التحتية وحماية الشركات والعاملين من تبعات الإجهاد الحراري، ستكون في موقع اقتصادي أفضل وأكثر تنافسية مستقبلا.

 

المصدر: الجزيرة