الحساء مقابل العصير.. أيهما أفضل لكسر الصيام؟

عند لحظة الإفطار، لا يكون السؤال الحقيقي ماذا نأكل، بل كيف نبدأ. فالجسم الخارج لتوه من ساعات طويلة من الصيام يحتاج إلى إيقاع هادئ يعيد تشغيل الجهاز الهضمي خطوة خطوة، لا إلى صدمة غذائية مفاجئة.

في هذا السياق، تفرض السوائل نفسها خيارا أوليا عند كسر الصيام، لما توفره من ترطيب وتنشيط لطيف للمعدة والأمعاء. لكن يبقى الجدل قائما: هل يؤدي طبق الحساء الساخن الدور نفسه الذي يؤديه كوب من العصير؟ وهل يختلف تأثير كل منهما على الجسم بعد يوم كامل من الامتناع عن الطعام والشراب؟ في السطور التالية، نقترب من الإجابة من منظور فسيولوجي وصحي.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2الإفطار والسحور.. ماذا تأكل في رمضان لتشعر بالدفء؟
  • list 2 of 2الخشاف.. طبق رمضاني مذهل يمنحك 6 فوائد من السحور حتى الإفطار

end of list

لماذا يُنصح بكسر الصيام تدريجيا؟ الفيسيولوجيا العامة للصيام

قد تبدو الوجبة الثقيلة مكافأة مغرية بعد ساعات الصيام الطويلة، إلا أن خبراء التغذية يحذرون من القفز مباشرة إلى الأطعمة الدسمة. فحالة الجوع المتراكم تدفع كثيرا من الصائمين إلى الإفراط في الأكل أو تناوله بسرعة، وهو ما يرهق الجهاز الهضمي فجأة، وقد ينعكس في شكل اضطرابات شائعة مثل آلام المعدة والانتفاخ والغازات والغثيان.

الجسم يمر بتغييرات فسيولوجية في الجهاز الهضمي والأيض أثناء الصيام (بيكسابي)

أثناء الصيام، يمر الجسم بسلسلة من التغيرات الفسيولوجية التي تطال الجهاز الهضمي وعملية الأيض. فمع انخفاض مستويات السكر في الدم ونفاد مخازن الجلوكوز في الكبد، يبدأ الجسم بالاعتماد على الدهون مصدرا أساسيا للطاقة، ما يعني أن التمثيل الغذائي ينتقل إلى نمط مختلف. لذلك يحتاج الجسم إلى بعض الوقت ليعيد ضبط عملياته الأيضية ويعود إلى وضعه الطبيعي بعد ساعات طويلة من الامتناع عن الطعام.

في المقابل، يتراجع خلال الصيام نشاط إفراز إنزيمات الهضم، نتيجة غياب المحفزات الغذائية التي تنشط المعدة والأمعاء. وهذا ما يجعل الجهاز الهضمي أقل جاهزية للتعامل مع وجبة ثقيلة مباشرة عند الإفطار.

ويؤكد خبراء الصحة أن كثيرا من الاضطرابات الهضمية التي تصيب الصائمين عند كسر الصيام تعود إلى البدء بوجبات دسمة، في وقت لم يكن فيه الجهاز الهضمي قد استعاد بعد إفراز الإنزيمات والعصارات اللازمة لهضم الطعام بكفاءة.

الصائم يكون أكثر ميلا للإفراط في تناول الطعام أو التهامه بسرعة (شترستوك)

أظهرت الأبحاث أن توازن الإنزيمات واستجابات الغدد الصماء في الأمعاء، التي تؤدي دورا محوريا في تنظيم هضم الطعام وامتصاصه، يطرأ عليه تغير خلال فترة الصيام. ورغم أن هذا التوازن يبدأ في التعافي جزئيا مع أول وجبة، فإن ذلك يؤكد أن الجهاز الهضمي يحتاج إلى وقت ليستعيد نشاطه الكامل.

إعلان

ومن هنا، لا يكمن الحل في الامتناع عن الطعام، بل في اتباع أسلوب صحي لكسر الصيام، يقوم على خطوات بسيطة تهيئ المعدة تدريجيا، وتمنح الجسم فرصة للتكيف بسلاسة مع العودة إلى الهضم.

تأثير السوائل الساخنة في تهدئة الجهاز الهضمي

تُظهر السوائل الساخنة قدرة واضحة على تهدئة الجهاز الهضمي، حتى وإن اقتصر الأمر على كوب من الماء الدافئ. إذ تساعد الحرارة على تنشيط المعدة والأمعاء وتحفيز حركتهما، ما يسهم في تسهيل عملية الهضم.

ويرى بعض الخبراء أن تأثير السوائل الساخنة قد يكون أعمق من السوائل الباردة، لأنها تساعد على تفكيك بقايا الطعام العالقة في القناة الهضمية، والتي قد يجد الجسم صعوبة في التعامل معها بعد فترة من الخمول.

السوائل الساخنة تظهر قدرة ملحوظة على تهدئة الجهاز الهضمي (غيتي)

وفي السياق ذاته، تشير أبحاث علمية إلى أن السوائل الدافئة تدعم حركة الأمعاء الطبيعية، من خلال تخفيف التشنجات المعوية، وهو ما ينعكس مباشرة على الشعور بالراحة الهضمية. كما خلصت دراسة أجريت عام 2016 إلى أن الماء الدافئ قد يلعب دورا إيجابيا في تحفيز حركة الأمعاء والمساعدة على طرد الغازات، خاصة خلال الفترات التي يكون فيها الجهاز الهضمي بحاجة إلى دفعة لطيفة للعودة إلى نشاطه المعتاد. هذا يفسر لماذا يعد الحساء الساخن خيارا مثاليا لكسر الصيام؛ فهي لا توفر فقط السوائل والمغذيات، بل تساعد المعدة والأمعاء على استعادة نشاطهما تدريجيا، مما يقلل من الشعور بالانتفاخ أو الحرقة بعد الإفطار.

الحساء مقابل العصير: من يفوز علميا؟

لحسم هذا السؤال، يجب أولا النظر إلى المحتوى الغذائي والصحي لكل خيار. الحساء عادة ما يكون غني بالألياف والبروتين والماء، وهي مكونات تساعد على تهدئة الجهاز الهضمي وتسهل حركة الأمعاء قبل تناول وجبة ثقيلة. يوضح موقع جامعة هارفارد أن الألياف هي نوع من الكربوهيدرات التي تمر عبر الجسم دون أن تهضم، على عكس باقي الكربوهيدرات التي تتحول إلى جلوكوز سريع الامتصاص.

تلعب الألياف دورا مهما في تنظيم حركة الأمعاء وتقليل اضطرابات الهضم، كما تساعد على إبطاء امتصاص السكر، مما يزيد الشعور بالشبع لفترة أطول ويقلل التقلبات الحادة في الطاقة.

وعلى الرغم من أن العديد من أنواع الحساء منخفضة السعرات الحرارية، لأنها تتكون في الغالب من الماء، إلا أنها غالبا ما تكون مشبعة جدا. وجدت دراسة نشرت عام 2012 في المجلة الأوروبية للتغذية السريرية أن الأشخاص الذين تناولوا حساء كريميا شعروا بالشبع لفترة أطول من أولئك الذين تناولوا وجبة صلبة.

Traditional Turkish dinner include pilaf (boiled rice), lentil soup, Izmir meat balls with potatoes, sarma, kibbeh (aka icli kofte), dried date fruits. Ramadan iftar (evening meal after fasting).
الأشخاص الذين تناولوا حساء كريميا شعروا بالشبع لفترة أطول من أولئك الذين تناولوا وجبة صلبة (شترستوك)

في المقابل، تكون العصائر، ولا سيما تلك المحضرة بالعصر، منخفضة في محتواها من الألياف في الغالب، إذ تؤدي عملية العصر إلى إزالة معظم الألياف الموجودة في الفواكه والخضراوات، ولا يبقى سوى السائل. وتشير مصادر علمية إلى أن فقدان الألياف في العصائر يحرم الجسم من عنصر أساسي يساعد على تحسين الهضم وتنظيم مستويات السكر في الدم، ما يجعل الامتصاص السريع للسكريات هو الغالب عند كسر الصيام.

وعند الإفطار بالعصير، يرتفع مستوى السكر في الدم بسرعة نتيجة غياب الألياف التي تبطئ امتصاصه، وهو ما قد يفسر شعور بعض الصائمين بهبوط الطاقة بعد وقت قصير. في المقابل، يوفر كسر الصيام بالحساء مزيجا متوازنا من السوائل والألياف والبروتينات الخفيفة، ما يساعد على تهيئة المعدة والأمعاء تدريجيا لاستقبال الطعام، ويضمن عملية هضم أكثر استقرارا وسلاسة.

الحساء المثالي بعد الصيام: نصائح عملية لأقصى استفادة

لتحضير حساء مناسب بعد يوم طويل من الصيام، ينصح باتباع الخطوات التالية:

إعلان

استخدم المرق أساسا للحساء: يمكن الاعتماد على مرق الدجاج أو اللحم، أو مرق العظام الذي استعاد حضوره في السنوات الأخيرة لقيمته الغذائية. ويحضر مرق العظام بغلي العظام على نار هادئة لفترة طويلة، ما ينتج مرقا غنيا بالعناصر المعدنية مثل الكالسيوم والمغنيسيوم، إضافة إلى الكولاجين. ويمكن استخدامه أساسا لمختلف أنواع الحساء أو تناوله بمفرده.

أضف الخضراوات: تعد الخضراوات عنصرا أساسيا في حساء مغذ ومتوازن. ويستحسن التنويع في ألوانها لزيادة القيمة الغذائية، مع اختيار الأنواع المتوافرة أو المفضلة حسب الرغبة.

أدرج مصدرا خفيفا للبروتين: بعد الخضراوات، يمكن إضافة الدجاج أو اللحم حسب التفضيل. وإذا توفر دجاج مطهو مسبقا، يكفي تقطيعه وإضافته مباشرة إلى الحساء للحصول على وجبة خفيفة وسهلة الهضم.

 

المصدر: الجزيرة