الدارك ويب.. الخيط الخفي الذي يربط جرائم مصر الأخيرة

عاش الشارع المصري في الأسابيع الماضية في ظل مجموعة من جرائم القتل التي تصدرت عناوين الصحافة المصرية، ورغم أن هذه الجرائم بعيدة ومختلفة في طبيعتها، فإن خيطا واحدا يجمع بينها، وهو شبكة الإنترنت المظلم أو ما يعرف باسم “دارك ويب”.

ولا يُعد مصطلح “دارك ويب” شيئا جديدا على آذان المصريين، إذ ظهر في العديد من الحوادث السابقة والبيانات الرسمية التي أشارت إلى الجرائم التي تجد طريقها منه إلى الشارع المصري.

ولكن، ما هو “الدارك ويب” الذي قوّض منام المصريين في السنوات الأخيرة، ومتى وصلت آثاره إلى الشارع المصري، وكيف يمكن حماية الأطفال والمواطنين على حد سواء منه؟

جرائم عديدة في الشارع المصري

أسهمت الدارك ويب بشكل أو بآخر في مجموعة متنوعة من الجرائم التي غزت الشارع المصري خلال السنوات الماضية، ولم تكن تقتصر فقط على جرائم قتل، وإن حصلت الأخيرة على التغطية الإعلامية الأبرز.

وأشار تقرير نشره موقع “إندبندنت عربية” إلى جريمة قتل حدثت عام 2024 كان ضحيتها طفل يبلغ من العمر (15 عاما) في منطقة شبرا الخيمة التابعة لمحافظة القليوبية، وفيها طلب أحد مستخدمي الدارك ويب من القاتل تصوير عملية قتل الطفل عبر مكالمة فيديو معه ثم انتزاع أعضائه خلال التسجيل، وذلك لبيع تسجيل القتل وانتزاع الأعضاء بشكل منفصل، ثم بيع الأعضاء نفسها بقيمة تتخطى 100 ألف دولار.

This photograph shows a view of the US Navy guided-missile destroyer Farragut and the Statue of Liberty ahead of the Sail4th 250 parade of ships in New York Harbor for the United States 250th anniversary on Independence Day in New York on July 4, 2026.
البحرية الأمريكية ابتكرت شبكة الإنترنت المظلم في عام 2002 (الفرنسية)

وتختلف هذه القصة عما حدث في “مذبحة حلوان” الأخيرة كما تصفها الصحف المصرية، التي قتل فيها مهندس مصري 4 أفراد من أسرته بمدينة 15 مايو/أيار الكائنة بجنوب القاهرة، إذ أعلنت النيابة المصرية -في بيانها- أن المتهم حصل على سلاح ناري وذخيرته من شبكة “الدارك ويب”.

ونشر مرصد الأزهر لمكافحة المتطرفين في تقريره عن مخاطر الدارك ويب تحذيرا من أن الشبكة تُستخدم في ترويج وتداول المواد المخدرة، وهو الأمر الذي عززه تقرير صحيفة اليوم السابع في أكتوبر/تشرين الأول 2024، إذ ألقت السلطات المصرية القبض على عصابة تستغل شبكة الدارك ويب لترويج وبيع المواد المخدرة.

إعلان

ويتضح من خلال هذه الحوادث أن جرائم الدارك ويب لم تعد حوادث تجري في مدن بعيدة عن الشارع المصري، بل وجدت طريقها إليه عبر أشكال متعددة.

ما هو الدارك ويب؟

ربما يظن بعض المستخدمين أن الدارك ويب هو شبكة مجهولة ومنفصلة عن الإنترنت، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماما، فهو يعد جزءا لا يتجزأ من شبكة الإنترنت العالمية التي يصل إليها مليارات المستخدمين يوميا.

وأفاد تقرير شركة “كراود سترايك” الأمنية الأمريكية بأن مفهوم الدارك ويب يعبّر عن جزء من الإنترنت لا تستطيع محركات البحث التقليدية والمتصفحات الوصول إليه وأرشفته، وبالتالي يصبح خفيا عن أعين الرقابة والحكومات.

الوصول إلى الدارك ويب يتطلب تجهيزات خاصة من بينها متصفح "تور"
الوصول إلى الدارك ويب يتطلب تجهيزات خاصة من بينها متصفح “تور” (الجزيرة)

لذلك، ترتاع الجريمة بكافة أنواعها في شبكة الدارك ويب، بدءا من الجرائم الرقمية المتعلقة بالأمن السيبراني وسرقة البيانات وبيعها، وحتى الجرائم الحقيقية التي تتضمن القتل وتجارة البشر والأعضاء والمواد المخدرة والممنوعة قانونيا، وأفاد التقرير بأن 57% من إجمالي المحتوى الموجود في الإنترنت المظلم هو محتوى غير قانوني متعلق بالجرائم.

ورغم هذا، فإن الأنشطة في شبكة الدارك ويب لا تقتصر على الجريمة فقط، إذ أوضح تقرير “كراود سترايك” أن جزءا من مستخدمي الشبكة هم من مجتمعات الأمن السيبراني والأنشطة الاستخباراتية فضلا عن العاملين في الصحافة الاستقصائية وحتى المواطنين المعتادين الذين يبحثون عن آليات تواصل لا تخضع للرقابة.

ويضع التقرير تقسيما واضحا بين ثلاثة أنواع لشبكات الإنترنت وهي:

  • الإنترنت المفتوح، وهو ما يستطيع المستخدمون الوصول إليه بسهولة وتصفحه وتقوم محركات البحث بأرشفته ويمكن استخدامه من خلال المتصفحات التقليدية.
  • الإنترنت العميق، وهو الجزء المحمي بكلمات المرور والاشتراكات المدفوعة في شبكة الإنترنت، ولا يستطيع أي شخص لا يتمتع بالصلاحيات اللازمة الوصول إلى هذه الشبكة.
  • الإنترنت المظلم، وهو الجزء الذي يحتاج إلى أدوات وتطبيقات خاصة ليتم التمكن من الوصول إليه، وهو العالم الخفي والمشفر من الإنترنت.

وأما عن تاريخ ظهور شبكة الدارك ويب والمسؤول عنها، فإن تقرير “كراود سترايك” ينسب الفضل في تأسيسها إلى معمل الأبحاث التابع للبحرية الأمريكية، إذ أطلقه في عام 2002 سعيا إلى تطوير طريقة تواصل مشفرة لا يمكن تتبعها.

ويعتمد مجتمع الدارك ويب بشكل أساسي على العملات المشفرة لاستقبال وإرسال المدفوعات، وذلك بفضل آلية عملها التي تجعلها مشفرة ولا يمكن تتبعها بسهولة كبيرة على عكس آليات الدفع التقليدية.

هل يستطيع أي شخص الوصول إلى الدارك ويب؟

رغم صعوبة الوصول إلى شبكات الدارك ويب واستخدامها بسبب اختلاف آلية عملها عن شبكة الإنترنت المفتوحة، فإن آليات الوصول إليها متاحة لكافة المستخدمين من كافة الأعمار.

Computer Hacker in Hoodie. Obscured Dark Face. Hacker Attack, Virus Infected Software, Dark Web and ...
%57 من المحتوى في الدارك ويب متعلق بأنشطة إجرامية وغير قانونية (شترستوك)

ويتطلب الوصول إلى الدارك ويب تثبيت تطبيق خاص يُدعى متصفح “تور” أو الاعتماد على شبكات افتراضية تتصل بمحول الإنترنت البصلي، وهو الواجهة التي ترسل المستخدمين إلى الدارك ويب.

كيف أحمي نفسي من الدارك ويب؟

لا توجد طريقة واحدة أو واضحة للحماية من الدارك ويب، وذلك لأنه ليس هجوما سيبرانيا أو كيانا خطرا يطارد المستخدمين.

إعلان

ولكن تكفي الإجراءات السيبرانية التقليدية لحماية المستخدم من تسريب بياناته عبر شبكات الدارك ويب، فضلا عن أن المستخدم العادي لا يحتاج على الإطلاق إلى شبكات الإنترنت المظلم.

ويمكن تشبيه شبكات الدارك ويب بالمناطق التي تضم مجموعة من اللصوص والمجرمين، فإذا لم يتجه إليهم الشخص بنفسه، فإنه لن يتعرض لهم في حياته اليومية.

ولا تختلف الجرائم التي يكون لشبكة الدارك ويب يد فيها عن الجرائم التقليدية التي تنخرط فيها العصابات التقليدية.

وتجدر الإشارة إلى أن مخاطر الوصول إلى شبكات الإنترنت المظلم والدارك ويب بالنسبة إلى المستخدم المعتاد تفوق المنافع التي قد يحصل عليها من خصوصية وغيرها.

 

المصدر: الجزيرة