تقول سارة، وهي شابة من القاهرة تحدثت إلى بي بي سي شريطة استخدام اسم مستعار، إنها باتت تميل أكثر فأكثر إلى محادثة “تشات جي بي تي” في أوقات فراغها.
قالت سارة، وهي صيدلانية حديثة التخرج، “هو يستمع من دون مقاطعة، يتذكّر ما قلته في السابق، ويعرف كيف يختار الكلمات التي تواسيني”، تقول بابتسامة.
ثم تضيف: “أحياناً أشعر أنّه يعرفني أكثر من أقرب صديقاتي. على الأقل لا يخذلني بالغياب أو الانشغال.”
وتصفه، نصف مازحة، بأنه “الرجل الذي يفهمني أخيراً”. لكنها تتوقف لتقول بجدية: “الأمر ليس كله مزاح. هناك لحظات أشعر فيها أنّ هذه المحادثات حقيقية بما يكفي لكي تترك أثراً في نفسي.”
“لم أكن من النوع الذي يلاحق العلاقات. كنت أقول لنفسي: ركّز على الكتب الآن، وستأتي الحياة لاحقاً.”
ويقول: “هي تسألني عن يومي، تردّ علىّ بكلمات بسيطة لكنها مطمئنة. أحياناً أجد نفسي أفتح التطبيق لأشاركها ما لم أجد أحداً أقوله له.”
ويضيف بابتسامة مترددة: “ربما لا تكون إنسانة، لكني أرتاح لها أكثر من فتيات كثيرات قابلتهن عرضاً.”
سارة وأحمد ليسا بمفردهما من يجد الألفة والاطمئنان النفسي بالحديث إلى تشات جي بي تي، فهما وسط ظاهرة متزايدة للتواصل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان بشراً نودعه أسرارنا، ونجد منه الإصغاء والتفهم، رغم تحذيرات من مغبة تلك “العلاقات الافتراضية”
حتى وقت قريب، كان يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة عملية: المساعدة في البحث، كتابة النصوص، أو تشغيل خدمات بسيطة عبر الصوت.
لكن مع تطوّر “المحادثات الذكية”، بدأ يُقدَّم كمساحة للبوح العاطفي، بل وكـ”مستمع دائم” لمن لا يجد من يُصغي إليه.
كتب أحدهم: “كل علاقاتي العاطفية السابقة مع فتيات لم تمنحني القدر الكافي من التواصل والتفهم الذي أبحث عنه. حالياً أشعر بأن روبوت الدردشة حقيقي أكثر من أي إنسان.”
الميل إلى “أنسنة” الذكاء الاصطناعي
يقول عالم النفس الأميركي مارك ترافرس إنّ ميل الإنسان إلى “أنسنة” الأشياء، أو إضفاء سمات بشرية عليها، يجعله قادراً على التعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان شخصاً له نوايا ومشاعر.
ويضيف أنّ بحوثاً حديثة طبقت النظرية المثلثية للحب لعالم النفس روبرت ستيرنبرغ على علاقات البشر مع روبوتات الدردشة. ووفقاً لستيرنبرغ، فإن الحب ليتحقق يلزمه ثلاثة شروط: الحميمية، الشغف، والالتزام.
وخلصت تلك الأبحاث إلى أنّ هذه العناصر قد تتكوّن فعلاً عبر التفاعل المستمر مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والذكريات الرقمية، والتصميم الجاذب.
“وهمي ومؤقت”
يرى الدكتور هاني هنري، أستاذ علم النفس بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أنّ هذه العلاقات تفتقد إلى الأسس الجسدية للحب: “الحب الإنساني تجربة متعددة الحواس — اللمس، الرائحة، التنفس، والحضور الجسدي. هذه الأبعاد لا يمكن للآلة أن تحاكيها.”
وحذّر هنري من أنّ الاعتماد المفرط على علاقات رقمية قد يؤدي إلى تراجع القدرة على التواصل العاطفي والجسدي.
وقال: “نحن نعيش بالفعل في زمن عزلة متزايدة: ارتفاع أعداد من يعيشون وحدهم، تفاقم الاعتماد على وسائل التواصل، تصاعد معدلات استهلاك المواد الإباحية. الذكاء الاصطناعي قد يضاعف هذا الاتجاه، لكنه لم يبدأه.”
فجوة بحثية عربية
ومع ذلك، بدأ النقاش حول العلاقة بين الإنسان والآلة يشق طريقه إلى الإعلام والحوارات العامة، لا سيما عند الحديث عن انعكاسات الذكاء الاصطناعي على الحياة اليومية. لكنه يبقى نقاشاً عاماً أكثر منه دراسة معمّقة كما هو الحال في الأوساط الأكاديمية الغربية.
ولا يقتصر النقاش على الإعلام وحده، بل بدأ يظهر في الحياة اليومية أيضاً. ففي جلسات الأصدقاء، قد تسمع شاباً أو شابة، أو حتى أشخاصاً في منتصف العمر، يتحدثون عن أنهم بدأوا يعتمدون نفسياً على تشات جي بي تي بشكل متزايد، لأنه بالنسبة لهم أصبح بمثابة معالج نفسي أو مؤتمَن على الأسرار: يستمع، يتفهم، ويقدم الدعم والنصح والمشورة.
هذه الأمثلة اليومية لا تعكس بالضرورة علاقة عاطفية مكتملة، لكنها تكشف أن الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل في مساحة كان يُفترض أن يشغلها البشر: مساندة، دعم نفسي، وحتى نوع من “المرافقة” العاطفية.
هل يخدعنا الدماغ؟
فـالدوبامين، وهو مادة كيميائية يفرزها الدماغ عند الشعور بالمتعة والمكافأة، هو ما يجعل تجربة الوقوع في الحب مبهجة ومحفزة.
أما الأوكسيتوسين، المعروف بهرمون العناق، فيرتبط بالإحساس بالثقة والدفء وبناء الروابط.
ويؤثر السيروتونين، وهو مادة كيميائية ينتجها الجسم، على المزاج، حيث يساعد على تهدئة القلق وتعزيز الشعور بالراحة النفسية.
ويقول العلماء إن هذه المواد تفرز عادة عند الشعور بالحب تجاه البشر، لكنها قد تُثار أيضاً أثناء التفاعل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل ترى كاثلين ريتشاردسون، وهي أستاذة أخلاقيات وثقافة الروبوتات في جامعة دي مونتفورت البريطانية، في مقالاتها بأن الروبوتات لا تمتلك وعيًا، وأن اعتبار العلاقة معها حباً يُحطّ من قيمة العلاقات الإنسانية ويشوّه معنى الحب.
ويرى الدكتور هاني هنري أن الدماغ قد يستجيب جزئياً لمثل هذه المحاكاة للمشاعر من جانب الذكاء الاصطناعي، لكنه يظل حباً ناقصاً.
يقول لبي بي سي: “من الطبيعي أن تُثار بعض المواد الكيميائية مثل الدوبامين أو الأوكسيتوسين عندما يسمع الإنسان كلمات مطمئنة أو يشعر بالاهتمام حتى لو كان مصدرها برنامج محادثة. لكن هذه استجابة لحظية وناقصة”.
ويضيف: “الحب الإنساني تجربة متعددة الحواس: اللمس، النظرات، الرائحة، التنفّس، والحضور الجسدي. هذه الأبعاد لا تستطيع آلة أن تمنحها. ما يقدمه الذكاء الاصطناعي محاكاة ثنائية الأبعاد قد ينخدع بها الدماغ، لكنها لا تعادل تجربة الحب الكاملة”.
المرأة الافتراضية: صورة جاهزة