الذكاء الاصطناعي: هل يصبح واعياً يوماً ما؟

دخلتُ المقصورة بخوف. كنتُ على وشك التعرض لضوء ستروب بينما كانت الموسيقى تعزف- كجزء من مشروع بحثي يحاول فهم ما يجعلنا بشراً حقيقيين.

إنها تجربة تُذكرني باختبار فيلم الخيال العلمي “بليد رانر”، المُصمم للتمييز بين البشر والكائنات الاصطناعية التي تتخذ شكل بشر.

هل يُمكنني أن أكون روبوتاً من المستقبل دون أن أعرف؟ وإذا ما حصل، فهل سأنجح في الاختبار؟

أكد لي الباحثون أن هذا ليس جوهر هذه التجربة. فالجهاز الذي يُطلقون عليه اسم “دريماشين” وهو مايعني باللغة الإيرلندية “آلة الأحلام” مُصمم لدراسة كيفية توليد الدماغ البشري لتجاربنا الواعية للعالم.

الصور التي أراها فريدة من نوعها بالنسبة لعالمي الداخلي، وفريدة من نوعها بالنسبة لي، وفقاً للباحثين. يعتقدون أن هذه الأنماط قادرة على تسليط الضوء على الوعي نفسه.

ولكن ما هو الوعي حقاً، وما مدى قرب الذكاء الاصطناعي من اكتسابه؟ وهل يُمكن للاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي قد يكون واعياً بحد ذاته أن يُغير البشر جذرياً في العقود القليلة القادمة؟

لطالما استُكشفت فكرة الآلات ذات العقول المستقلة في الخيال العلمي. وتعود المخاوف بشأن الذكاء الاصطناعي إلى ما يقرب من مئة عام، وتحديداً إلى فيلم “متروبوليس”، حيث يُجسّد روبوت امرأة حقيقية.

الخوف من أن تُصبح الآلات واعية وتُشكّل تهديداً للبشر كان واضحاً في فيلم “2001 ملحمة الفضاء” الذي عرض عام 1968، ويحكي قصة حاسوب يدعى “هال 9000” يُهاجم رواد الفضاء على متن مركبته الفضائية. وفي الفيلم الأخير من سلسلة أفلام “المهمة المستحيلة”، الذي عُرض مؤخراً، يُهدد العالم ذكاء اصطناعي قويّ مارق، وصفه أحد الشخصيات بأنه “طفيلي رقمي واعي، يتعلم ذاتياً، ويلتهم الحقيقة”.

وقد حفز هذا التحول المفاجئ نجاح ما يُسمى بنماذج اللغة الكبيرة (LLMs)- نوع من الذكاء الاصطناعي الذي يستخدم التعلم العميق لفهم اللغة البشرية وتوليدها-، أو برامج الذكاء الاصطناعي، والتي يمكن الوصول إليها عبر تطبيقات على هواتفنا مثل جيميناي وتشات جي بي تي. وقد فاجأت قدرة أحدث جيل من نماذج اللغة الكبيرة على إجراء محادثات منطقية وسلسة حتى مصمميها وبعض الخبراء الرائدين في هذا المجال.

وهناك رأي متزايد بين بعض المفكرين بأنه مع ازدياد ذكاء الذكاء الاصطناعي، ستُضاء الأضواء فجأة داخل الآلات وستصبح واعية.

ويختلف آخرون، مثل البروفيسور أنيل سيث، قائد فريق جامعة ساسكس، مع هذا الرأي، واصفين هذا الرأي بأنه “متفائل بشكل أعمى ومدفوع بالاستثنائية البشرية”.

يقول أنيل “نربط الوعي بالذكاء واللغة لأنهما مرتبطان بالبشر. ولكن مجرد ارتباطهما بنا لا يعني بالضرورة ارتباطهما بشكل عام، على سبيل المثال بالحيوانات”.

إذن، ما هو الوعي حقاً؟

في حين تتباين الآراء في مركز أبحاث الوعي، إلا أن العلماء متفقون على منهجهم: تقسيم هذه المشكلة الكبيرة إلى مشاكل أصغر في سلسلة من المشاريع البحثية، والتي تشمل آلة الأحلام (دريماشين).

وكما تم التخلي، في السابق، عن البحث عن “سر أو شرارة الحياة” التي تُعيد الحياة إلى الجمادات في القرن التاسع عشر، لصالح تحديد كيفية عمل أجزاء من الأنظمة الحية، يتبنى فريق جامعة ساسكس الآن النهج نفسه تجاه الوعي.

لكن البروفيسور سيث، مؤلف كتاب “Being You” عن الوعي، يخشى من أننا قد نندفع بسرعة نحو مجتمع يُعاد تشكيله بسرعة بفعل الوتيرة الهائلة للتغير التكنولوجي دون معرفة كافية بالعلم، أو التفكير في عواقبه.

ويقول “ونتعامل مع الأمر وكأن المستقبل مكتوباً بالفعل، وكأن هناك مسيرة حتمية نحو بديل خارق”.

ويضيف “لم نناقش هذه الأمور بشكل كافٍ مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، ما أضرّ بنا جميعاً. لكن مع الذكاء الاصطناعي، لم يفت الأوان بعد. يمكننا أن نقرر ما نريد”.

لكن هناك من يعتقد في قطاع التكنولوجيا أن الذكاء الاصطناعي في أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية قد يكون واعياً بالفعل، ويجب أن نتعامل معه على هذا الأساس.

أوقفت جوجل مهندس البرمجيات بليك ليموين عن العمل عام 2022، بعد أن جادل بأن روبوتات الدردشة الذكية قادرة على الشعور بالأشياء، وربما المعاناة.

في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، شارك كايل فيش، مسؤول رعاية الذكاء الاصطناعي في أنثروبيك، في تأليف تقرير يُشير إلى أن وعي الذكاء الاصطناعي احتمال واقعي في المستقبل القريب. وصرح مؤخراً لصحيفة نيويورك تايمز بأنه يعتقد أيضاً أن هناك احتمالاً ضئيلاً بنسبة 15 في المئة أن تكون روبوتات الدردشة واعية بالفعل.

وأحد أسباب اعتقاده بإمكانية ذلك هو أن لا أحد، ولا حتى مطوري هذه الأنظمة، يعرف بالضبط كيفية عملها. يقول البروفيسور موراي شاناهان، كبير العلماء في جوجل ديب مايند وأستاذ فخري في الذكاء الاصطناعي في إمبريال كوليدج بلندن، إن هذا أمر مقلق.

ويقول لبي بي سي “نحن في الواقع لا نفهم جيداً الطريقة التي تعمل بها برامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي داخلياً، وهذا أمر يدعو للقلق”.

ويضيف “نحن في وضع غريب في بناء هذه الأشياء شديدة التعقيد، حيث لا نملك نظرية واضحة حول كيفية تحقيقها للنتائج المذهلة التي تحققها. لذا، فإن فهماً أفضل لكيفية عملها سيمكننا من توجيهها في الاتجاه الذي نريده وضمان سلامتها”.

“المرحلة التالية في تطور البشرية”

يسود اعتقاد في قطاع التكنولوجيا بأن برامج تطبيقات الذكاء الاصطناعي ليست واعية حالياً بالطريقة التي نختبر بها العالم، وربما ليسوا واعين على الإطلاق. لكن هذا أمر يعتقد الزوجان البروفيسوران لينور ومانويل بلوم، وكلاهما أستاذان فخريان في جامعة كارنيجي ميلون في بيتسبرغ، بنسلفانيا، أنه سيتغير، وربما قريباً جداً.

ووفقاً للزوجين بلوم، قد يحدث ذلك مع ازدياد المدخلات الحسية المباشرة من العالم الحقيقي، مثل الرؤية واللمس، في أنظمة الذكاء الاصطناعي ونماذج اللغة الكبيرة، وذلك من خلال ربط الكاميرات وأجهزة الاستشعار اللمسية (المتعلقة باللمس). ويعملان على تطوير نموذج حاسوبي يُنشئ لغة داخلية خاصة به تُسمى “براينيش” لتمكين معالجة هذه البيانات الحسية الإضافية، في محاولة لمحاكاة العمليات التي تجري في الدماغ.

قالت البروفيسورة لينور في تصريخ لبي بي سي “نعتقد أن “براينيش” قادر على حل مشكلة الوعي كما نعرفه. فوعي الذكاء الاصطناعي أمر لا مفر منه”.

وأضاف البروفيسورمانويل بحماسة وابتسامة مرحة، قائلاً إن الأنظمة الجديدة التي يعتقد هو الآخر أنها ستظهر ستكون “المرحلة التالية في تطور البشرية”.

ويعتقد مانويل أن الروبوتات الواعية “هي ذريتنا”، مضيفاً “في المستقبل، ستكون آلات كهذه كيانات موجودة على الأرض، وربما على كواكب أخرى عندما نرحل”.

وعرّف ديفيد تشالمرز، أستاذ الفلسفة وعلوم الأعصاب بجامعة نيويورك، الفرق بين الوعي الحقيقي والظاهري في مؤتمر عُقد في توسان، أريزونا، عام 1994. وطرح “المشكلة الصعبة” المتمثلة في فهم كيفية وسبب نشوء أي من العمليات المعقدة للدماغ لتجربة واعية، مثل استجابتنا العاطفية عند سماعنا غناء العندليب.

يقول البروفيسور تشالمرز إنه منفتح على إمكانية حل هذه المشكلة الصعبة.

ويضيف في لقاء مع بي بي سي “النتيجة المثالية هي أن تشارك البشرية في هذا الثراء المعرفي الجديد. ربما تُعزّز أنظمة الذكاء الاصطناعي أدمغتنا”.

 

المصدر: BBC