رغم تنوع القضايا الداخلية والخارجية التي طُرحت خلال لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الجزيرة مساء الأحد، برزت الملفات الإقليمية خلال “المقابلة”، خاصة بعدما حسمت إجابات الشرع للنقاش في مستقبل العلاقة مع إسرائيل، إضافة إلى طبيعة الدور السوري في لبنان، والعلاقات المتنامية مع العراق.
“اتفاق أمني” قبل “سلام” مشروط
وحسم الشرع في “المقابلة” مع الإعلامي علي الظفيري، الجدل بشأن مستقبل العلاقة مع إسرائيل، مقدما للمرة الأولى، رؤية واضحة لمسار متدرج يمضي وفق “أداء كل مرحلة”.
فالرئيس السوري أكد أن الوصول إلى “اتفاق أمني”، يؤهل للانتقال “إلى مرحلة ثانية من الحديث عن سلام شامل، لكن دون التنازل عن أحقية سوريا في الجولان المحتل”.
وفي معرض الحديث عن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في سوريا، أشار الشرع إلى أن حكومته تحاول “الوصول إلى اتفاق أمني” عبر “إشراك مجموعة كبيرة من الدول للضغط على إسرائيل في اتخاذ سياسة متوازنة تجاه سوريا”.
وتابع في تأكيده رفض دخول “صراعات عقيمة” أنه لا يريد “أن نكون امتدادا لإرث تاريخي فيه الكثير من الأخطاء”، أو “نكرر نفس التجارب ونحصل على نفس النتائج الفاشلة”، متحدثا عن “مقاربات أكثر أمانا لسلامة المنطقة وشعوبها ونعطي فرصة للنمو والازدهار”.
ورأى الباحث المختص في الشؤون الإقليمية محمود علوش، أن ما يسعى إليه الرئيس السوري “هو اتفاق أمني مع إسرائيل يُخرجها من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد، ويكفّ بلاءها عن سوريا، ويُنهي تدخلاتها في ملف السويداء، ويُعيد إحياء اتفاقية فض الاشتباك. وسيكون ذلك مكسبا كبيرا لسوريا إذا تحقق”.
لكن علوش اعتبر أيضا أن حديث الشرع “للمرة الأولى عن فكرة السلام” مع إسرائيل ربما يكون “موجها إلى ترمب أكثر مما هو موجه إلى إسرائيل، التي تُريد مزيدا من الأراضي لا اتفاقا أمنيا يُخرجها من هذه الأراضي”.
تباين القراءة رغم تأكيد دعم الدولة
وحمل حديث الشرع عن الشأن اللبناني، رسالة واضحة في دعم خيارات الدولة اللبنانية بشأن نزع سلاح “حزب الله”، وأن تكون الجهة الوحيدة التي “تحتكر تطبيق القانون والسلاح وقرار السلم والحرب”.
وفيما قال إن سوريا ليست “بوارد التدخلات العسكرية”، و”لديها أوراق تقدمها لمساعدة الدولة اللبنانية”، فقد أشار إلى أن “ما يصيب لبنان يصيب سوريا”، وبلاده معنية باستقرار لبنان ومنع انزلاقه إلى فوضى.
وتقول الباحثة اللبنانية محاسن مرسل لـ”سوريا الآن”، إن “الرئيس الشرع أعاد التأكيد على موقف واضح يقوم على الحفاظ على سلامة الدولة اللبنانية ووحدتها واحترام قراراتها لا سيما القرار المتعلق بحصر السلاح بيد الدولة”.
وترى أن الرئيس السوري “دحض الشائعات المتداولة بشأن وجود نية سورية للدخول إلى لبنان”.
بالمقابل، اعتبر لقاء مكي الباحث الأول في مركز الجزيرة للدراسات، أن الشرع “قدم تطميناته، إلا أنه وضع الحكومة اللبنانية أمام مسؤوليتها بلجم حزب الله ومنعه من تهديد سوريا”.
وتابع أنه “رغم اللغة الهادئة للرئيس الشرع، إلا أن هذه الدعوة لم تخل من تحذير بأن تهديد أمن سوريا من الخاصرة اللبنانية، ربما لا يُبقي فرصة غير الخيار العسكري”.
مصالح متبادلة وعلاقات “تتحسن”
ووصف الشرع العلاقات مع العراق بأنها “جيدة وفي تحسن”، منوها على الروابط العديدة بين البلدين الجارين، سواء من الجوانب التاريخية أو الامتداد العشائري والاجتماعي.
وفيما قال إنه يتفهم “الواقع السياسي العراقي” وآثار “التدخلات الإيرانية”، فقد اعتبر أن العراق “يحاول أن ينأى بنفسه لـ”ينجو من هذه الصراعات”، متحدثا عن أن المصالح الاقتصادية تفرض نفسها على العلاقات السورية العراقية.
وقال الشرع: “يحتاج العراق إلى كثير من الموارد السورية، وأيضاً سوريا تحتاج إلى كثير من الموارد العراقية، فبالتالي هناك مصالح مشتركة كبيرة جدا بين سوريا والعراق”.
ويرى مهند سلوم أستاذ دراسات الاستخبارات والأمن الوطني، أن “تصريحات الرئيس أحمد الشرع تعكس تحسنا واضحا في العلاقات السورية العراقية ومحاولات جادة من الطرفين لتجاوز عُقد الماضي القريب والذهاب باتجاه بناء علاقات متوازنة مبنية على أسس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة”.
ويضيف سلوم لـ”سوريا الآن”، أن “رسائل الشرع للعراق والمنطقة واضحة: يجب أن نبتعد عن حل المشكلات والخلافات باستخدام العنف. التنمية والحوار والتفاهم هي أفضل السبل لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي”.
المصدر: الجزيرة