“أنا وزملائي الصحفيين، بحاجة إلى 10 سنوات لننسى ما شهدناه خلال عام من الحرب، فماذا لو استمرت هذه الحرب لوقت أطول؟”.
المراسل التلفزيوني باسل العطار، يروي تجربته لبي بي سي، خلال تغطيته للحرب في غزة. يؤكد العطار أن هذه الحرب “شاهدنا فيها كصحفيين ما لم نتوقع في حياتنا مشاهدته”.
يوافق 10 أكتوبر/ تشرين الأول، اليوم العالمي للصحة النفسية، وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن “الصحة النفسية والعمل مرتبطان ارتباطاً وثيقاً”، مشيرة إلى أن بيئات العمل الآمنة والصحية عامل وقاية للصحة النفسية.
نقابة الصحفيين الفلسطينيين نشرت في تقرير لها أن “الاحتلال قتل ما نسبته %11 من صحفيي غزة”، إذ أعلنت عن مقتل 167 صحفياً وعاملاً في قطاع الإعلام، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023، واعتقال 125 صحفياً من بينهم صحفيين اثنين قيد الإخفاء القسري.
يؤكد العطار، أنه لطالما عمل في قطاع غزة الذي يعد “منطقة حرب”، لافتاً إلى أن الحروب التي قام بتغطيتها من قبل كانت “أقل حدة”، وما بين متابعة الميدان والاطمئنان على العائلة، يقول إن التأكد من تأمين مكان آمن للعائلة و توفير الأساسيات، كمياه الشرب، يعرضه “لضغط نفسي كبير”.
ويؤكد أنه بالرغم من ساعات العمل الطويلة وبعد نحو 16 ساعة من التغطية المتواصلة “أجد صعوبة في النوم” بسبب الضغط النفسي الحاصل نتيجة استرجاع المشاهد و أحداث اليوم من “جثث للضحايا”، ما يجعله يفضل العمل لساعات طويلة، على النوم الذي يجعله في ضغط نفسي جراء “الواقع الصعب في غزة”، إذ يقول العطار إن عملية التغطية المتواصلة، تجنبه من التفكير في تبعات هذه الحرب.
“بالرغم من ساعات العمل الطويلة والشاقة، أفضل الانشغال حتى لا أخرج من دائرة التغطية، إلى دائرة التفكير في ما بعد الحرب، الأمر الذي سيؤثر بشكل سلبي”، يحرص العطار على الاستمرار في التغطية التي تبقيه “منشغلاً”، ويؤكد أنه بعد الحرب سيستشير أطباء ومختصين نفسيين، ويوضح العطار أنه نتيجة “الدمار في غزة لايمكنني تصفية ذهني لو لدقائق”، لافتاً إلى أن “كل غزة بحاجة إلى علاج نفسي لأن ما يحصل طال الجميع”.
“أنا وجميع زملائي بحاجة إلى أطباء نفسيين”
يقول علي علوش، نقيب المصورين الصحفيين في لبنان، لبي بي سي، لقد “تدمرنا من مشاهد غزة قبل لبنان”، ويصف ما يحدث على الأرض بأنه “شيء فوق الخيال”. كما يؤكد أن مشاعر “الخوف من الموت” أو من الإصابة لا تفارق المصور الصحفي في الميدان. ويشير علوش إلى أن الأثر النفسي الحقيقي سيظهر بعد انتهاء الحرب، إذ “سترافق الذكريات المؤلمة الصحفي لفترات طويلة”.
“نحن بأزمة نفسية متراكمة”، فضل عيتاني، يعمل كمصور صحفي منذ 19 عاماً، وقام بتغطية “معظم الأزمات التي حصلت بلبنان”، منها حرب تموز و انفجار مرفأ بيروت، ويؤكد عيتاني أن بعد كل أزمة ترافقه حالة نفسية مختلفة، قد يستمر بعضها لعدة أيام فقط. بينما يقول عيتاني إن “الفرق بين جميع الأزمات السابقة وهذه الحرب التي نعيشها، هو رؤية النازحين والظروف الصعبة التي نزحوا بها”، ما أدى إلى “تدميره نفسياً”. ويؤكد “أنا ومعظم زملائي من المصورين الصحفيين تعبنا”، لافتاً إلى أن الخوف يكمن في “أن يتكرر في لبنان ما يحصل في غزة”، بحسب تعبيره.
يؤكد ربيع شاهين، رئيس تحرير في قناة تلفزيونية لبي بي سي، أن “البدايات تكون صادمة، ولكن مع توالي الأخبار والمشاهد (الجثث والأشلاء) تبدأ مشاعر الصدمة في التلاشي”، ويضيف شاهين أن الدور الصحفي يكمن في استبعاد الصور الصادمة عن عين المشاهد، لافتاً إلى أنه من متطلبات المهنة أن يكون للصحفي “رباطة جأش لإنهاء المهمة”.
“تجنب المشاعرالسلبية يؤدي إلى تفاقمها لاحقاً”
الطبيبة والمعالجة النفسية، نهاية الريماوي، تؤكد في حديث لها مع بي بي سي، أن المجتمعات العربية ليست جديدة على النكبات والحروب، ما قد يشكل نوعاً من أنواع التكيف في الظروف القاسية. إلا أن الآثار النفسية المترتبة على الظروف الحالية، “هي من أسوأ الفترات التي نعيش بها وأهمها، شعور العجز واليأس”، بحسب الريماوي.
وفي إشارة لنتائج الضغط النفسي الذي قد يتعرض له الصحفيون، تشير الريماوي إلى أن ذلك يؤدي إلى “الاحتراق النفسي الوظيفي”، متسبباً لهم بمشاعر الغضب والخوف والحزن والألم، ما قد يؤثرعلى محيطهم الاجتماعي وعلى كفاءتهم بالعمل.
محاولة التعبيرعن المشاعرالسلبية والاعتراف بها وتجنب كبتها، يجنب الصحفيين العديد من الاضطرابات النفسية اللاحقة، منها القلق المزمن، الاكتئاب، اضطراب ما بعد الصدمة، أو”عقدة الناجي” الناجمة عن شعور الذنب بالبقاء على قيد الحياة، بحسب الريماوي. فالتراكمات النفسية والجسدية التي يتعرض لها الصحفيون نتيجة تعرضهم لفترات طويلة لمشاهد قاسية، قد يولد “شعوراً باللامبالاة وفقدان الأمل واليأس”. لذا تقول الريماوي أن الكتابة أيضاً تعد وسيلة هامة للتعامل مع أية مشاعر سلبية أو اضطرابات، كونها تساعد على “رفع قدرة التحمل”.