الصحة وطول العمر مكاسب في انتظار النشيطين جدا.. كيف تصبح واحدا منهم؟

قد يكون المشي السريع مفتاحا لحياة طويلة وصحية، تنخفض خلالها مخاطر الإصابة بالخرف وغيره من الأمراض؛ وهي أخبار سارة لأصحاب الخطوات السريعة، وحافز لمن يمشون ببطء على زيادة وتيرتهم.

فقد أشارت دراسة حديثة نشرتها مجلة “علم الأعصاب” في يوليو/تموز الماضي، إلى أن سر طول أعمار الأشخاص “ذوي الحركة الفائقة”، يكمن في الحفاظ على “وتيرة مشي سريعة بعد سن الثمانين”، بحسب موقع “بيزنس إنسايدر”.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2لماذا يبدو الجري على الشاطئ أصعب؟.. ما تفعله الرمال بعضلاتك في كل خطوة
  • list 2 of 2“الإجهاد الإيجابي”.. متى يتجاوز التمرين حدوده الصحية؟

end of list

حيث حلل الباحثون بيانات 5 دراسات كبرى حول الشيخوخة، شملت قرابة 5 آلاف شخص من الجنسين، في الثمانين فما فوق من العمر، تتشابه سرعة مشيهم اليومية مع سرعة مشي أشخاص في الخمسينيات من عمرهم. ووجدوا أن الـ”سوبر موفرز”، أو “النشيطون الخارقون”، الذين يحافظون على وتيرة مشي سريعة بعد بلوغ الثمانين:

  • أقل عرضة بنسبة 50% للإصابة باضطرابات إدراكية خلال فترات تتجاوز 5 سنوات.
  • أقل عرضة بنسبة 60% للإصابة بمرض ألزهايمر، أو أي نوع من الخرف.
  • يتمتعون بوتيرة أبطأ في تراجع مهارات التفكير والذاكرة والمرونة الذهنية.

ووفقا لـ”منشورات هارفارد الصحية”، فإنه “لا تُثبت هذه النتائج أن المشي السريع يُحسّن صحة الدماغ”، لكنها تُؤكد نتائج أبحاث أخرى ربطت بين “الحيوية البدنية والحيوية الإدراكية” في مراحل لاحقة من العمر.

وإن كان الحفاظ على النشاط البدني بشكل عام يُعد “إستراتيجية فعالة” لمساعدتك أنت ودماغك على التمتع بصحة جيدة مع التقدم في العمر.

أهمية أن تكون “نشيطا جدا” مع تقدمك في العمر

تُعرّف الدراسة الأشخاص النشيطين جدا بأنهم: من يمشون بسرعة تفوق سرعة مشي أقرانهم في نفس العمر.

وتُوسّع الدراسة نطاق الفوائد التي خلصت إليها الأبحاث السابقة التي ربطت بين ذوي النشاط الزائد، و”الصحة الأفضل، وطول العمر، وبطء وتيرة الشيخوخة”؛ لتشمل الدماغ.

حيث وجدت أن أدمغة الأشخاص النشيطين جدا تعمل بشكل أفضل ولمدة أطول، من أدمغة الذين لديهم سرعة مشي أقل.

العضلات العاملة أثناء المشي بوتيرة أسرع تُفرز مواد كيميائية حيوية تنتقل عبر الدم إلى الدماغ
العضلات العاملة أثناء المشي بوتيرة أسرع تُفرز مواد كيميائية حيوية تنتقل عبر الدم إلى الدماغ (بيكسلز)

وتقول ميشيل إم. ميلكي، أستاذة علم الأوبئة التي درست سرعة المشي والصحة، ولم تشارك في الدراسة؛ لصحيفة “واشنطن بوست”: أعتقد أن انخفاض خطر التدهور المعرفي لدى ذوي الحركة السريعة “يبدو منطقيا”، وسببا مقنعا آخر لـ”أهمية النشاط البدني مع التقدم في السن، والبدء في الانتباه إلى سرعة مشينا”.

إعلان

حيث لاحظ العلماء قبل عقود أن “المشي البطيء أو غير المستقر لدى كبار السن، يرتبط بسوء الصحة، وقصر العمر، والخرف”.

وقال جو فيرجيز، رئيس قسم الأعصاب في كلية الطب بجامعة “ستوني بروك” في نيويورك، والمشرف الرئيسي على الدراسة: لقد اكتشفنا العلاقة بين “المشي غير الطبيعي، وارتفاع مخاطر الإصابة بالضعف الإدراكي” منذ أكثر من 20 عاما.

وهنا تكمن أهمية أن تكون “نشيطا جدا” مع تقدمك في العمر، فقد “يشير تباطؤ المشية إلى مشاكل إدراكية مستقبلية، قبل سنوات من بدء التدهور الملحوظ”.

تقول ألكسندرا وينبرغ، عالمة الأوبئة التي درست سرعة المشي والصحة خلال الشيخوخة، ولم تشارك في الدراسة أيضا: أعتقد أن الأشخاص الذين يتمتعون بهذه السرعة الفائقة، هم على الأرجح “من ذوي النشاط البدني العالي في شبابهم”.

الخطوات الأولى لتصبح شخصا ذا حركة فائقة

قام العلماء بحساب سرعات مشي جميع المشاركين وإدراكهم، وراجعوا فحوصات تصوير الدماغ لمعرفة ما إن كانت أدمغة أصحاب الحركة الفائقة مميزة؛ “وقد اتضح أنها كذلك”، فأدمغتهم تختلف بنيويا عن أدمغة معظم الأشخاص ذوي الحركة البطيئة، إذ تتميز بحجم أكبر في الحُصين، وهو مركز رئيسي للذاكرة.

وهي نتائج تشير إلى أن “المشي السريع قد يؤثر على أدمغة الكبار”، فالمشي في الحياة اليومية -بحسب فيرجيز- غالبا ما يتطلب “تركيزا مُشتتا”، حيث يكون مطلوبا من الدماغ أن يُعالج بسرعة: مُدخلات وتعليمات تتعلق بالتحكم الحركي، والتنقل، والأرض غير المستوية، وازدحام الحشود، وحركة المرور، وغيرها من عوامل التشتيت. وهنا يأتي دور “الحركة السريعة” كعامل مُحتمل يعزز وظائف الدماغ مع التقدم في السن.

ويوضح فيرجيز أن العضلات العاملة أثناء المشي بوتيرة أسرع، تُفرز مواد كيميائية حيوية تنتقل عبر الدم إلى الدماغ، وتُعرف بقدرتها على “تحفيز عمليات تُحسّن صحة ووظائف الخلايا العصبية وخلايا الدماغ الأخرى”.

وينصح فيرجيز الذي يبلغ الحادية والستين من عمره، ويمارس الرياضة يوميا منذ أن بلغ الأربعين، قائلا:

إن المشي بداية سهلة لممارسة الرياضة، يستطيع معظم الناس القيام به بحسب قدراتهم؛ فحافظ على نشاطك، بغض النظر عن عمرك، وزد من سرعتك، وامشِ أسرع قليلا من الأسبوع الماضي، فتلك هي الخطوات الأولى لتصبح شخصا ذا حركة فائقة.

المشي بداية سهلة لممارسة الرياضة، يستطيع معظم الناس القيام به بحسب قدراتهم
المشي بداية سهلة لممارسة الرياضة، يستطيع معظم الناس القيام به بحسب قدراتهم (فري بيك)

30 دقيقة فقط من المشي بوتيرة سريعة يوميا

يقول الدكتور فيرجيز لـ”بيزنس إنسايدر” إنه يطمح إلى أن يصبح “شخصا ذا حركة فائقة”، هذه الفئة النادرة من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عاما فأكثر، ويتمتعون بسرعة مشي استثنائية بالنسبة لأعمارهم، تجعلهم قادرين على مجاراة شخص أصغر منهم بعقود، ويعيشون حياة طويلة وصحية بشكل فريد.

حيث أشارت دراسة نُشرت عام 2025 إلى أن “الأشخاص فائقي النشاط يتمتعون بعمر بيولوجي أصغر مما يُشير إليه عمرهم الحقيقي، وأن معدلات إصابتهم بأمراض القلب وأعراض الاكتئاب وفقدان السمع أقل”.

ويؤكد فيرجيز أن النشاط المستمر، ولو 30 دقيقة فقط من المشي بوتيرة سريعة يوميا “قد يكون له تأثير وقائي على الدماغ والجسم”، وفقا لأبحاثه. ويضيف أن “السعي إلى أن تكون سريع الحركة، بل فائق النشاط، أمر جيد، لأنه لا يفيد الدماغ فحسب، بل يفيد باقي الجسم أيضا”. كما وجد فيرجيز أدلة على أن الأشخاص النشيطين للغاية “كانوا يتمتعون بسرعة فائقة، قبل بلوغهم سن الثمانين”، مما يدل على أن “التعود على وتيرة مشي سريعة الآن سيزيد من احتمالية الحفاظ عليها لاحقا”، كما قال.

اللياقة البدنية هي طريقك لمشية أسرع

“طالما ظن البعض أن حل الألغاز أو إجراء اختبارات ذهنية هو الطريقة الأمثل لتقييم كفاءة الدماغ؛ ولكن اتضح أن سرعة المشي قد تكشف الكثير أيضا، وأن المشي السريع قد يعكس صحة دماغية أفضل ويساهم فيها”؛ وفقا لموقع “هيلث” .

إعلان

لذا ينصح الخبراء بمراقبة تغيرات سرعة المشي مع مرور الوقت، حيث يوضح ريتشارد ستيفاناتشي، المدير الطبي لبرنامج “العيش باستقلالية لكبار السن” (لايف)، والذي لم يشارك في الدراسة، أن “تغيرات المشية قد تشير إلى تراجع القدرات الإدراكية”.

ويؤكد أن “التمارين الهوائية، وتمارين القوة والتوازن، تحمي المشي وتُحسّن سرعته؛ كنتيجة طبيعية لزيادة اللياقة”، وكذلك النشاط الذهني والاجتماعي، والنظام الغذائي “الصحي”.

 

المصدر: الجزيرة