“العفو العام” في لبنان.. قانون يبحث عن النفاذ بين توازنات السياسة

بيروت – عاد ملفّ العفو العام ليتصدّر المشهدين السياسي والأمني في لبنان، في ظلّ تصاعد التجاذبات بين القوى السياسية، بعد أن أطاحت ضغوط شعبية وسياسية بالجلسة التشريعية التي كانت مقرّرة غدا الخميس لإقراره، رغم إعلان اللجان النيابية المشتركة التوصّل إلى صيغة وُصفت بأنها توافقية، عقب أسابيع عديدة من النقاشات الحادة والخلافات المعقّدة.

فبعد أكثر من 8 جلسات واجتماعات متتالية داخل البرلمان وخارجه، تمكّنت اللجان النيابية المشتركة، أمس الثلاثاء، من صياغة اقتراح قانون اعتُبر تسوية بين القوى السياسية المتباينة حول الملف الشائك. غير أنّ هذه التسوية لم تصمد طويلا أمام موجة اعتراضات واسعة، خصوصا من الموقوفين الإسلاميين وعائلاتهم، الذين رأوا في الصيغة الجديدة مساسا بمبدأ العدالة، وترسيخا لاستثناءات تجعل استفادتهم من العفو غير مكتملة أو مشروطة بشكل مجحف، بحسب تعبيرهم.

ومع تسجيل اعتصامات في عدد من مناطق صيدا والشمال والبقاع، أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري تأجيل الجلسة العامة التي كانت مخصّصة لمناقشة القانون وإقراره، وذلك تحت عنوان “التوافق” وضرورة تهدئة الشارع.

وقال المكتب الإعلامي لبري، في بيان صدر اليوم الأربعاء، إن قرار التأجيل جاء في ضوء ما شهدته بعض المناطق من تحركات احتجاجية رافقها “تحريض طائفي ومذهبي”، على حدّ تعبيره. وأضاف البيان أن اقتراح قانون العفو العام، وتخفيض بعض العقوبات بشكل استثنائي يهدف إلى “إعادة الاعتبار لمبدأ العدالة”، في ظل ما تعانيه السجون اللبنانية من تأخير مزمن في إصدار الأحكام الجزائية، وما يرافق ذلك من اكتظاظ شديد وتوقيفات طويلة من دون حسم قضائي.

في المقابل أصدر الموقوفون الإسلاميون بيانا اعتبروا فيه أن الصيغة المقترحة لا تشكّل حلا عادلا، داعين الرؤساء الثلاثة والكتل النيابية إلى إعادة النظر في قانون العفو.

ملفّ العفو العام ليتصدّر المشهدين السياسي والأمني في لبنان
قضية أحمد الأسير.. إحدى أبرز عقد قانون العفو العام اللبناني (الجزيرة)

عقدة الموقوفين الإسلاميين

ويُعدّ ملف الموقوفين الإسلاميين العقدة الأبرز داخل قانون العفو العام، نظرا لارتباطه بملفات الإرهاب، ومقتل عناصر من الجيش اللبناني، إضافة إلى الانقسام حول كيفية مقاربته وحدود شمول العفو لهؤلاء.

إعلان

وفي هذا السياق، عاد اسم الشيخ أحمد الأسير إلى الواجهة بوصفه أحد أبرز الأسماء المثيرة للجدل، إذ يرى معترضون أن الصيغة الجديدة، بما تتضمنه من استثناءات وتعديلات على مدد العقوبات، من شأنها أن تمنع شموله بالعفو أو تُبقيه خارج نطاقه الفعلي، رغم مطالبات مناصريه بإدراج ملفه ضمن أي تسوية شاملة.

ولا يقتصر الجدل على هذا الملف وحده، إذ يمتد أيضا إلى قضايا أخرى شائكة، بينها الموقوفون في ملفات المخدرات والفساد.

ودعا البطريرك الماروني بشارة الراعي قبل أيام إلى ضرورة معالجة أوضاع هؤلاء ضمن قانون العفو، استنادا إلى قانون صادر عام 2011 ينص على إخضاع عناصر “جيش لبنان الجنوبي” الذين لجؤوا إلى الأراضي المحتلة، لمحاكمات عادلة عند عودتهم إلى لبنان، وهو ما أعاد فتح نقاش قانوني وسياسي حساس حول هذا الملف.

محاولة لاحتواء الأزمة

في موازاة هذا الجدل، سعت اللجان النيابية المشتركة إلى الدفاع عن الصيغة التي تم التوصل إليها، باعتبارها نتيجة نقاشات مطوّلة هدفت إلى تحقيق توازن بين المطالب المتناقضة. وقال إلياس بو صعب نائب رئيس مجلس النواب إن النقاشات استمرت لأكثر من 8 جلسات، تخللتها اجتماعات داخل المجلس النيابي وخارجه، من أجل الوصول إلى تسوية تراعي هواجس مختلف الأطراف السياسية والأمنية والقضائية.

وأوضح بو صعب أن اللجان أخذت بملاحظات المؤسسة العسكرية، ووزارتي العدل والداخلية، مشددا على أن الهدف الأساسي كان معالجة أزمة المحاكمات الطويلة، والتوقيف الاحتياطي الذي قد يمتد أحيانا لأشهر وسنوات من دون صدور أحكام قضائية.

وأشار إلى أن أبرز نقاط الخلاف تمثّلت بمسألة “الإدغام” (دمج العقوبات) والاستثناءات، موضحا أنه تم التوافق على حصر الإدغام بمن ارتكب 3 جرائم فما دونها، مع تشديد الضوابط القانونية على هذه الفقرة لتفادي أي توسّع غير محسوب.

أما فيما يتعلق بالأحكام الثقيلة، فأوضح أن الصيغة النهائية خفّضت مدد عقوبات المحكوم عليهم بالإعدام من 30 إلى 28 سنة، واعتمدت 17 سنة للمحكوم عليهم بالمؤبد، مع الإبقاء على الحق الشخصي للضحايا، في محاولة لتحقيق توازن بين البعد الإنساني ومتطلبات العدالة.

ورغم هذا التقدّم داخل اللجان، يبدو أن قانون العفو العام لا يزال بعيدا عن الإقرار النهائي، في ظل استمرار الانقسام حوله، وتحول الشارع مجددا إلى عنصر ضغط مباشر على البرلمان.

سقوط إضافي في الثقة

وقد رفض النائب شربل مسعد تحويل قانون العفو العام إلى “أداة سياسية أو انتخابية”، كما رفض في المقابل استمرار التأخير في المحاكمات، وترك آلاف العائلات رهينة الانتظار والمعاناة، معتبرا أن مقاربة هذا الملف يجب أن تنطلق من العدالة والضمير، بعيدا عن الحسابات الضيقة.

وقال في حديثه للجزيرة نت إن ملف العفو العام “لا يُقارب بالمزايدات ولا بالمقايضات، بل بمسؤولية وطنية وأخلاقية تحفظ كرامة الإنسان وتنصف المظلوم وتحمي المجتمع في آن واحد”، محذّرا من أن استمرار هذا الواقع يفاقم فقدان الثقة بمؤسسات الدولة.

وأشار إلى أن أي قانون للعفو العام يجب أن يستند إلى معايير واضحة وثابتة تقوم على تحقيق العدالة بعيدا عن المحسوبيات، والفصل بين الجرائم البسيطة والخطيرة، بما يضمن حماية المجتمع، واحترام حقوق الضحايا، إلى جانب مراعاة الظروف الإنسانية والاجتماعية للموقوفين.

إعلان

وأضاف “إما عدالة حقيقية تنصف الناس وتحفظ الدولة، وإما سقوط إضافي لما تبقّى من ثقة المواطنين بالمؤسسات”، داعيا إلى تحكيم الضمير قبل المصالح، لأن الشعوب قد تصبر لكنها لا تنسى من تاجر بوجعها وبالعدالة.

إقرار القانون

كما قال النائب عبد الرحمن البزري في حديثه للجزيرة نت إنهم كانوا من بين الدافعين نحو إقرار قانون العفو العام، انطلاقا من اقتناع بأن العدالة يجب أن تُطبّق بمعايير موحّدة، وبأن القانون طُرح من الأساس على أنه مقاربة وطنية تهدف إلى معالجة أزمات متراكمة يعاني منها البلد على أكثر من مستوى.

وأشار البزري إلى أن من أبرز هذه الأزمات تدخل السياسة في القضاء، حيث يرى كثيرون أن بعض الأحكام القضائية تأثرت باعتبارات سياسية أكثر من استنادها إلى معايير قضائية بحتة، إلى جانب أزمة اكتظاظ السجون التي تحولت إلى أحد أكثر الملفات إلحاحا، وأصبحت بيئات مثقلة بالأزمات الصحية والإنسانية، بدل أن تكون مؤسسات للإصلاح.

ولفت إلى أن ما يقارب ثلثي السجناء لم يخضعوا لمحاكمات فعلية، ولم يمثل بعضهم أمام القضاء سوى مرات محدودة، معتبرا أن هذا الواقع يعكس خللا بنيويا في النظام القضائي وآليات التقاضي.

وأضاف أن القضاء اللبناني، رغم وجود قضاة مشهود لهم بالكفاءة، لا يمتلك الإمكانات الكافية لمعالجة الكمّ الكبير من الملفات العالقة، وهو ما جعل قانون العفو، في رأيه، ضرورة وطنية لمعالجة جزء من هذه الأزمة.

في المقابل، رأى البزري أن الاستعجال في مقاربة القانون داخل البرلمان، إلى جانب محاولات إدخاله في حسابات سياسية وطائفية، ساهم في تعقيد المشهد وتحويله من ملف إصلاحي إلى مادة خلافية، مما أدى في نهاية المطاف إلى صيغة لا تعكس سقف التوقعات التي رافقت طرحه الأول.

 

المصدر: الجزيرة