القلق عالي الأداء.. عدو يعمل في صمت بداخلك

على الرغم من نجاحهم العملي والأكاديمي، وظهورهم بمظهر هادئ ومتزن، يخفي بعض الأشخاص خلف هذا الهدوء حالة مستمرة من الاضطراب والقلق.

فعلى عكس اضطراب القلق العام، الذي ينعكس غالبا على السلوك اليومي والقدرات الوظيفية، يعمل ما يعرف بالقلق عالي الأداء (High-functioning anxiety) في صمت، وغالبا دون تأثير واضح على الإنتاجية.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2“متلازمة الخشخاش الطويل”.. لماذا يُعاقَب النجاح في مجتمعاتنا؟
  • list 2 of 2مع بداية عام جديد.. 10 طرق عملية لوضع أهداف قابلة للتنفيذ

end of list

بل إن المصابين به يتمكنون في كثير من الأحيان من الحفاظ على مستويات مرتفعة من الإنجاز، تخفي وراءها صراعا داخليا لا يهدأ.

ولا يدرج القلق عالي الأداء كتشخيص مستقل في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM)، إذ غالبا ما يصنف ضمن اضطراب القلق العام.

ومع ذلك، أصبح المصطلح شائعا للإشارة إلى أشخاص يعانون أعراض قلق داخلية، مع استمرارهم في أداء مهامهم المهنية والاجتماعية بكفاءة عالية، مدفوعين بشعور دائم بأن إنجازاتهم لا ترقى إلى المستوى المطلوب.

أعراض القلق عالي الأداء

تشبه أعراض القلق عالي الأداء في مجملها أعراض اضطراب القلق العام، مع الفارق في كونها أكثر خفاء، ولا تؤثر بشكل واضح على الحياة اليومية، ومن بينها:

  • الإفراط في النقد الذاتي.
  • القلق المتواصل بشأن الظهور بمظهر غير لائق.
  • الشعور الدائم بالتهديد والسعي للسيطرة على التفاصيل.
  • السعي الدائم للكمال ووضع معايير غير واقعية للنجاح.
  • عدم تقبل الأخطاء أو الهفوات البسيطة.
  • المماطلة والتجنب كآلية دفاعية.
  • الشعور الدائم بالإجهاد والإفراط في تحليل كل موقف أو محادثة مما يعيق عيش اللحظة الحالية.
  • متلازمة المحتال: أو الشعور الداخلي بعدم استحقاق النجاح.
  • وعلى الجانب الجسدي قد يتجلى القلق في علامات مثل التعرق الزائد ونوبات الصداع المتكررة، والدوار، وتوتر العضلات المستمر، واضطرابات النوم، وآلام الرقبة والفكين، ومشكلات الجهاز الهضمي خاصة القولون العصبي.

كما قد يلجأ البعض لممارسة سلوكيات تمنحهم راحة مؤقتة من القلق، مثل الانغماس في الألعاب الإلكترونية أو الإفراط في ممارسة التمارين الرياضية، وهي سلوكيات قد تبدو غير ضارة لكن الإفراط فيها قد يتحول إلى آليات إدمانية.

11انه لأول مرة منذ أعوام كثيرة، اختلف الحال، فالخوف والقلق من المستقبل والاكتئاب وغياب التفاؤل هي المشاعر المسيطرة
المصابون يميلون إلى تضخيم الملاحظات السلبية وتحويلها إلى نقد ذاتي قاس (بيكسلز)

تهديد صامت

رغم الصورة الخارجية التي توحي بالنجاح والاتزان، يترك القلق عالي الأداء آثارا عميقة في حياة من يعانون منه، تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والجسدية، ومن أبرز هذه الآثار:

إعلان

الإفراط في الأداء والعمل المفرط، من خلال قضاء ساعات طويلة في العمل أو التطوع لتحمل مهام إضافية، ما يفرض ضغوطا متراكمة تزيد من مستويات الإنهاك النفسي والجسدي.

تأثر العلاقات الاجتماعية نتيجة التركيز المفرط على الإنجاز المهني أو الأكاديمي، على حساب الروابط الاجتماعية والعائلية.

صعوبة تقبل الانتقاد، إذ يميل المصابون إلى تضخيم الملاحظات السلبية وتحويلها إلى نقد ذاتي قاس.

إهمال الرعاية الذاتية، بما يشمل اضطراب النوم، وعدم الانتظام في تناول الغذاء، وتجاهل الاحتياجات الجسدية الأساسية.

ويمكن أن يصيب القلق عالي الأداء مختلف الفئات بغض النظر عن العمر أو الجنس، غير أن بعض المجموعات تبدو أكثر عرضة للإصابة به. فالنساء، على سبيل المثال، أكثر عرضة لاضطراب القلق العام مقارنة بالرجال، وهو ما يعزى إلى تداخل عدة عوامل، من بينها الضغوط الاجتماعية المركبة، وأنماط التنشئة، وتوقعات المجتمع والمحيطين.

كما ترتفع معدلات القلق عالي الأداء في حالات أخرى، مثل التعرض لضغوط نفسية ومهنية مرتفعة، أو وجود استعداد وراثي للقلق، إضافة إلى النشأة في بيئات غير آمنة نفسيا، أو مع مقدمي رعاية يعانون بدورهم من اضطرابات القلق.

نصائح للتعامل مع القلق عالي الأداء

هناك عدد من النصائح والإستراتيجيات التي قد تساعدك على التخفيف من حدة أعراض القلق ومن بينها:

  • تحقيق توازن صحي بين العمل والراحة والترفيه

احرص على الحصول على قدر كاف من النوم، والالتزام بتغذية صحية، وممارسة النشاط البدني بانتظام. كما يفضل الموازنة بين فترات العمل وفترات الراحة والترفيه لتجنب الإرهاق النفسي والجسدي.

  • بناء شبكة دعم اجتماعي

يساعد وجود أشخاص داعمين يمكنك مشاركة مشاعرك معهم في تخفيف القلق والتوتر، سواء من العائلة أو الأصدقاء، خاصة ممن يمنحونك مساحة آمنة للحديث دون خوف من النقد أو التقليل.

  • ممارسة التأمل واليقظة الذهنية

تساعد هذه التمارين على التركيز في اللحظة الحالية، والحد من التفكير المفرط، وتقليل مستويات التوتر المصاحبة للقلق.

  • وضع حدود واضحة

تعلم قول “لا” لما لا يناسبك، سواء في الالتزامات المهنية أو الاجتماعية، بما يحمي طاقتك النفسية ويمنع تحميل نفسك فوق طاقتها.

  • تقبل النقد بشكل صحي

حاول التعامل مع النقد بموضوعية، وفصله عن تقييمك لذاتك، دون تضخيمه أو تحويله إلى حكم قاس على النفس.

  • تعلم تقنيات الاسترخاء

مثل التنفس الواعي، وتمارين التمدد الخفيفة، التي تساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتقليل التوتر الجسدي المصاحب للقلق.

  • تجنب المقارنة بالآخرين

بدلا من مقارنة نفسك بالآخرين والشعور بقلة الإنجاز، ركز على تجربتك الخاصة وأهدافك الشخصية، واحتف بما حققته مهما بدا بسيطا.

  • تحقيق التوازن الشخصي

خصص وقتا لنفسك، وضع حدودا واضحة في العمل، ويمكنك تجربة هوايات جديدة تساهم في تحسين حالتك المزاجية وتخفيف التوتر.

  • طلب المساعدة المتخصصة

لا تتردد في اللجوء إلى معالج نفسي محترف عند الحاجة، فالعلاج السلوكي والمعرفي يقدم أدوات فعالة للتعامل مع القلق بمختلف أنواعه.

 

المصدر: الجزيرة