خلال الآونة الأخيرة، عكفت رئاسة الوزراء المصرية بالتسيق مع وزارة الأوقاف، على دراسة مقترح لعودة الكتاتيب في مصر بعدما طالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بذلك.
وتقول رئاسة الوزراء إن الكتاتيب ستُساهم في تكوين الشخصية المصرية ونشر قيم “التسامح” و”احترام الآخر” و”حب الوطن” و”احترام الأديان”.
فمتى نشأت الكتاتيب في مصر وهل كانت مقترنة بعدم وجود تعليم ابتدائي وما التغييرات التي طرأت عليها؟
تختلف وتتضارب الآراء حول نشأة الكتاتيب في مصر. فبعض المؤرخين يقولون إن بداية نشأتها كانت في أواخرعصر المماليك والبعض الأخر يقول إن ظهور الكُتاب في مصر يرجع إلى الحقبة العثمانية.
ويشير الدكتور أيمن فؤاد إلى وصف عالم الآثار الفرنسي، آدم فرانسوا جومار، الذي كتب الجزء الخاص ب”مدينة القاهرة وقلعة الجبل”، ضمن دراسات موسوعة وصف مصر.
أما داخل المستوى الثاني من السبيل، فيقع كُتاب لتعليم أطفال المسلمين وكان يوجد أيضاً المزملاتي وهو الشخص الذي يناول مياه الشرب للناس، بحسب الدكتور أيمن فؤاد.
وقبل الحقبة العثمانية، خلال حكم المماليك لمصر، برزت كذلك بعض الكتاتيب، ومن أشهرها كان كُتاب وسبيل السلطان قايتباي.
وقد أسس هذا الكُتاب، السلطان المملوكي الجركسي قايتباي المحمودي الأشرفي عام 1479ميلادياً إبان حقبة المماليك البرجية (الجركسية)، ويقع الكُتاب الذي خُصص لتعليم أطفال المسلمين مبادئ القراءة والكتابة في الطابق الثالث من السبيل، وفقاً لمركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي التابع لمكتبة الإسكندرية.
ويوضح الدكتور عبد الباقي القطان، في حديثه لبي بي سي ، أن السلطان المنصور حسام الدين لاجين، أحد سلاطين المماليك، بنى كُتاباً فى مسجد أحمد بن طولون وخصصه للأيتام للدراسة فيه.
وهو ما يؤكده علي باشا مبارك، أول وزير للتعليم في مصر، في كتابه “الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة”، والذي يشير إلى الُكتاب، مستخدماً كلمة “مكتب”.
إذ يذكر مبارك في كتابه هذا: “استولى لاجين على الديار المصرية وتلقب بالملك المنصور سنة ست وتسعين وستمئة… .ورتب فيه دروساً للمذاهب الأربعة ودرساً للتفسير ودرساً للحديث ودرساً للطب وقرر للخطيب معلوماً وجعل له إماماً راتباً ومؤذنين وفراشين وقومه وعمل بجواره مكتباً لإقراء أيتام المسلمين”.
وبالعودة إلى الكتاتيب في الفترة العثمانية يقول الدكتورأيمن فؤاد، إن من بين أشهر الكتاتيب خلال تلك الفترة من تاريخ مصر، كان كُتاب “عبد الرحمن كتخدا” بشارع المعز لدين الله الفاطمي وهو النموذج الذي يُمثل وجود السقاية والمياه بالدورالأسفل. أما الدور العلوي فتوجد به شُرفة الكُتاب.
ويوضح فؤاد أنه، أيضاً، من بين أبرز الكتاتيب التي بُنيت خلال الحقبة ألعثمانية في القاهرة، كان سبيل وكُتاب “نفيسة البيضاء” في منطقة باب زويلة وسبيل وكُتاب “رقية دودو”في سوق السلاح.
“ولم يكن الوقف يوفر التعليم المجاني فحسب، بل كان يتضمن تعليم التلاميذ وكسوتهم وتقديم الهدايا لهم في مواسم معينة”، وفق ما ذكرته المؤرخة المصرية نللي حنا في كتابها ” ثقافة الطبقة الوسطى في مصر العثمانية ق17م – ق 18م”.
انفصال الكُتاب عن السبيل
ويوضح فؤاد أنه بسبب ذلك، انفصلت الكتاتيب عن الأسبلة، لتصبح مُلحقة بالزوايا والمساجد لتعليم القرأن ومبادىء القراءة والكتابة وكانت هذه الكتاتيب هي الأكثر شيوعاً، بحسبه.
ويقسم الباحث والأكاديمي المصري، الدكتورعبد الباسط هيكل في حديثه لبي بي سي الكتاتيب في مرحلة ما بعد اندثار الأسبلة إلى نوعين: ” الكتاتيب القديمة” وهي تلك التي كانت موجودة قبل عام 1869 و”الكتاتيب الحديثة” التي أُنشأت بعد ذلك التاريخ.
الكُتاب والدراسة في الأزهر الشريف
يصف الدكتور عبد الباسط هيكل الكُتاب القديم” بالنموذج السيء”وهو “الكُتاب الذي كان يعتمد على الكتابة على الألواح”.
ومن أبرز الكتاتيب القديمة، كان الكُتاب الذي أنشأه حسن باشا عبد الرازق في صعيد مصر، والذي تعلم فيه ولداه: العالم الأزهري الشيخ مصطفى عبد الرازق وعلي عبد الرازق، الذي أصبح فيما بعد وزيراً للأوقاف، بحسب ما يقول الدكتور عبد الباسط هيكل لبي بي بي سي.
أما بالنسبة للأجر الذي كان يتقاضاه شيخ الكتاب والعريف، فيوضح هيكل أنه “أحيانا كان يحصل أي منهما على بعض الهدايا أو شيء عيني من الأهالي”.
ويستدرك هيكل حديثه لبي بي سي، قائلاً: “كان الهدف من الدراسة في الكُتاب القديم هو حفظ القرأن الكريم وتجويده بالشكل الذي يستطيع أن يحمل صاحبة إلى التعليم في الأزهر، أو أن يعمل مثلاً كاتباً في المحكمة أو في بعض المهن البسيطة”.
الكتاتيب في عهد الخديوي إسماعيل
في عصر الخديوي إسماعيل (1863-1879)، بالقرن التاسع عشر، أُسندت إدارة التعليم إلى علي باشا مبارك، الذي سيصبح فيما بعد ناظراً للمعارف العمومية (وزير التربية والتعليم)، بحسب ما جاء في كتاب “زعماء الإصلاح في العصر الحديث” للمؤرخ المصري أحمد أمين.
وفي عام 1869، خضعت الكتاتيب لإشراف نِظارة المعارف العمومية (وزارة التعليم في عهد الخديوي إسماعيل)، وفقاً لما قاله الأكاديمي والباحث المصري، الدكتورعبد الباسط هيكل لبي بي سي.
وقد أدخل علي باشا مبارك إدارة التعليم تحت الإشراف الحكومي، بعدما كانت “الحكومة لا تُعنى إلا بالمدارس الحربية”، بحسب المؤرخ المصري، أحمد أمين.
كما أوضح المؤرخ أحمد أمين أن علي باشا مبارك أرسل مندوبين لإحصاء كل كتاتيب القطر المصري حينها، وتم تكليفهم بتقييم حالة كل كُتاب وعما إذ كان مبناه صالحاً أم غير صالح و كذلك معرفة عدد تلاميذه وتقييم حالة الفقهاء.