“المرصد” يتناول الحديث عن جيش أوروبي موحد وتمسك الجزيرة برسالتها

 

فقد عرّجت الحلقة على الجدل السياسي والإعلامي الدائر بشأن الحديث عن تكوين جيش أوروبي موحد، ردا على الخلاف المتزايد بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وبعض قادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وتصاعد الجدل سياسيا وإعلاميا في هذا الموضوع عندما قال الأمين العام للناتو مارك روته -لنواب البرلمان الأوروبي- إن الحديث عن حماية أوروبا نفسها بنفسها دون الولايات المتحدة ليس سوى حلم.

وجاء تصريح روته ردا على حديث دول أوروبية عن تكوين جيش موحد بعيدا عن الناتو، وذلك بعد الخلاف الذي نشب مع واشنطن بشأن سعي الأخيرة للاستيلاء على جزيرة غرينلاند الدانماركية.

وأشعل حديث روته نقاشا ساخنا بين المحللين السياسيين، وفتَح الباب واسعا لانتقاد القادة الأوروبيين على مواقع التواصل، حيث قال الرئيس السابق للمجلس الأوروبي شارل ميشيل إن روته مخطئ، وإن أوروبا يمكنها الدفاع عن نفسها، وهي بحاجة لشجاعة ورؤية وقيادة لا استسلاما وخضوعا.

هدف واحد وأفكار متعددة

ودخل وزير الخارجية الفرنسي جون نويل بارو على الخط بقوله إن على أوروبا الاعتماد على نفسها، لأن الولايات المتحدة نفسها تتبنى هذه الرؤية، وهو ما رد عليه الأمين العام للحلف الأطلسي لاحقا بقوله إن تعزيز القوة الأوروبية لا بد من أن يكون في إطار الناتو، لأن تشكيل جيش جديد مستقل لن يخدم أحدا سوى روسيا.

وكان وزير الخارجية الإسباني خوسيه ألباريز واحدا من المسؤولين الذين حثُّوا على ضرورة التحرك الأوروبي لتشكيل جيش مشترك كخطوة للردع “لأن أي جهد مشترك سيكون أكثر كفاءة من 27 جيشا منفصلا”.

أما مفوض الدفاع في الاتحاد أندريوس كوبيليوس فطرح فكرة إنشاء قوة مستقلة قوامها 100 ألف جندي لحماية القارة، بينما اقترح وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي بناء فيلق أوروبي لمساعدة الناتو، قائلا إن الفكرة أكثر واقعية من الحديث عن جيش مستقل.

والحديث عن تأسيس جيش أوروبي موحد ليس جديدا، فهي فكرة تعود إلى عام 1950 عندما اقترحت فرنسا تشكل قوة عسكرية موحدة من 6 دول هي: فرنسا وإيطاليا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وألمانيا الغربية.

وقد وقعت هذه الدول بالفعل معاهدة تأسيسية لما عُرف بمجموعة الدفاع الأوروبية سنة 1952، وهو المشروع الذي أجهِض سنة 1954 بعدما فشلت فرنسا وإيطاليا في المصادقة عليه.

وبعد فشل هذه الخطوة، دخلت القارة العجوز في مرحلة اعتماد شبه كامل على الولايات المتحدة في الدفاع، وذلك من خلال الناتو الذي تمثل أمريكا القوة الضاربة فيه بقواتها المنتشرة، وترساناتها النووية الواسعة التي توفر الحماية والردع.

بيد أن الحرب الروسية على أوكرانيا الجارية أظهرت نواقص كبيرة في إستراتيجية الدفاع الأوروبية، وكشفت ارتهان أمن أوروبا للناتو الذي تقوده واشنطن.

ومنذ ذلك الحين، فرض موضوع الدفاع نفسه بقوة على وسائل الإعلام الأوروبية التي أعادت طرح السؤال المتعلق بقدرة أوروبا على حماية نفسها بنفسها.

ويكمن السبب الرئيسي في عدم المضي قدما لتأسيس هذا الجيش في عدة أمور، من بينها خوف بعض الدول من التخلي عن سيادتها بدمج جيشها الخاص في قوة مشتركة، بينما تفضل أخرى البقاء تحت مظلة الناتو بقيادة الولايات المتحدة، ناهيك عن أمور أخرى تتعلق بالتمويل، وفق محللين.

لكن المخاطرة الأهم -كما أعلنها مارك روته بوضوح- هي التخلي عن المظلة النووية الأمريكية التي قال إنها “الضامن الأخير لحرية الأوروبيين”.

الجزيرة وثمن الحقيقة

وتناولت الحلقة النسخة الأخيرة من منتدى الجزيرة السنوي للإعلام، والذي قال رئيس مجلس إدارة الشبكة الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني إنها تنعقد في وقت شديد الحساسية إقليميا ودوليا.

وتكمن قيمة هذا المنتدى -الذي جمع الإعلاميين بكبار الساسة والمسؤولين- في طبيعة النقاشات التي تدور فيه، وفهم القضايا الكبرى التي لا يمكن اختزالها في معالجات تبسيطية، حسبما أكده الشيخ حمد بن ثامر.

فهذه القضايا تحتاج لتحليل متوازن وشجاعة فكرية وأخلاقية تفتح آفاقا لخيارات أكثر حكمة، برأي رئيس مجلس إدارة شبكة الجزيرة الذي أكد أن رسالة الشبكة مستمرة في نقل الحقيقة، وفي تغطية القضية الفلسطينية رغم استهداف الاحتلال لطواقهما خلال عامين من الحرب.

وتعليقا على هذا الموقف، قال مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في اللجنة الدولية للحقوقيين سعيد بن عربية إن مراسلي الجزيرة لعبوا دورا جوهريا في توثيق الجرائم الإسرائيلية التي قدمت للمحكمة الجنائية الدولية وبعض المحاكم الوطنية التي تعترف بالاختصاص العالمي.

وحتى لو طال الوقت من أجل الوصول للعدالة ومعاقبة المتهمين في هذه الجرائم، فستظل المواد التي تم تقديمها جزءا أساسيا من هذه العملية، كما قال بن عربية.

إماتة الإعلام الأمريكي

وأخيرا، سلطت الحلقة الضوء على أزمة صحيفة واشنطن بوست الأمريكية التي سرحت أكثر من 300 موظف بشكل مفاجئ، بحجة الهيكلة والضغوط المالية.

ووضعت الخطوة مالك الصحيفة الملياردير جيف بيزوس في عين العاصفة، حيث اتهمه محللون وصحفيون بالانحياز للإدارة الأمريكية، والتحول من منقذ للصحيفة إلى جلاد لها.

فعلى مدار 150 عاما، رفعت واشنطن بوست شعار “الديمقراطية تموت في الظلام”، لكنها اليوم تقف أمام واحدة من أشد لحظاتها ظلامية، بعدما بدأ أباطرة التكنولوجيا السعي للسيطرة على وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية والشركات التليفزيونية الكبرى، من أجل التحكم في محتواها وخطها التحريري.

وتظاهر عشرات العاملين في الصحيفة وصحف أخرى -مثل نيويورك تايمز– اعتراضا على الخطوة، وقالوا إن الصحيفة باتت تستحق وصيا آخر غير بيزوس “الذي لم يعد مستعدا للاستثمار في الرسالة التي رسمت طريق واشنطن بوست لسنوات”.

 

المصدر: الجزيرة